تجاوزت إسرائيل كل المحرّمات باستهداف آلية عسكرية على طريق الخردلي-كفرتبنيت يوم السبت أدّت إلى استشهاد ضابطين وعسكري، ثم شنّت أمس غارة استهدفت مبنيين في الضاحية الجنوبية، بعدما فرمل الرئيس الاميركي دونالد ترامب قرارها سابقاً بضرب الضاحية. أتى ذلك ضمن سياق التصعيد الإسرائيلي الذي تلا الإعلان الاميركي عن “موافقة إسرائيل ولبنان على تنفيذ وقف لإطلاق النار”، نتيجة مفاوضات واشنطن الأخيرة، بالتزامن مع إعلان كل من الحزب والرئيس نبيه بري رفضهما للاتفاق.
وفق معلومات “أساس” لن يؤدي التعدّي الإسرائيلي الصارخ بضرب الجيش إلى أي تعديل في أجندة الاجتماع المفترض للوفدين اللبناني والإسرائيلي في وزارة الخارجية الاميركية في 22 الجاري، كما أنّه لم يؤدّ إلى تأجيل زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان للقاء نظيره الباكستاني عاصم منير، حيث صادفت مغادرته في اليوم نفسه لحصول الجريمة الإسرائيلية بحق العسكريين.
لكنّ ثمّة معطيات تتحدّث عن رفض “عسكريّ” لبنانيّ لإجراء اجتماع أمنيّ مماثل لذاك الذي عُقد في البنتاغون في 29 أيّار الماضي بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ، مع العلم أنّ البيان الثلاثيّ الصادر عقب مفاوضات 2 و3 حزيران أكّد مناقشة “الوفود إطاراً أمنيّاً يستند إلى المناقشات التي جرت في البنتاغون، ويهدف إلى ضمان سيادة لبنان وإسرائيل وأمنهما، وسلامة أراضيهما بشكل مستدام. ويشمل ذلك تفكيك الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة ومنع إعادة تشكّلها أو عودتها”.
تقول المعلومات إنّ زيارة قائد الجيش لعين التينة، المنسّقة مع رئيس الجمهوريّة، تناولت زيارة هيكل لإسلام آباد، وإنّ الأخير وضع الرئيس برّي في صورة توضيحيّة لما تضمّنه البيان الثلاثيّ، عقب المفاوضات الأخيرة
كيف تطوّرت الأمور ميدانيّاً عقب إعلان وقف إطلاق النار المشروط بـ”التوقّف الكامل لإطلاق النار من جانب “الحزب” وإخلاء جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني”، والذي وَصفه رئيس الجمهوريّة جوزف عون بأنّه “الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائيّ وشامل لإطلاق النار”؟
في الساعات التي تلت إعلان اتّفاق وقف النار، أعلن الجيش الإسرائيليّ انسحابه من دبّين، لكنّ مصادر عسكريّة أكّدت لـ”أساس” أنّ هذا الانسحاب غير مرتبط بما ورد في الاتّفاق في شأن “المناطق التجريبيّة” Pilot Zone، التي كشف رئيس الجمهوريّة جوزف عون أنّ الجانب اللبنانيّ اقترح “أن تكون بدايتها في زوطر الشرقيّة والغربيّة، مع يحمر، وقلعة الشقيف”.
لم تكن للانسحاب من دبّين أيّ قيمة عسكريّة، بتأكيد المصادر، لكنّه “حرّر” البلدات المجاورة التي كانت شبه محاصرة بالتوغّل الإسرائيليّ، من جديدة مرجعيون مروراً بالقليعة وإبل السقي وصولاً إلى حاصبيا، ومع ذلك عاد واستهدف دبّين مجدّداً بعدما دخل الجيش اللبنانيّ إليها، وبلاط المجاورة لها. وفي “المنطقة التجريبيّة” التي اقترحها الرئيس عون في قلعة الشقيف، اختار الجيش الإسرائيليّ إتمام مراسم تسلّم الضابط الدرزيّ في الجيش الإسرائيليّ أيّوب كيوف مهامّ قيادة لواء “غولاني”.
في المقابل، استعاد “الحزب” وتيرته المكثّفة في استهداف مواقع إسرائيليّة جنوبيّ لبنان، خصوصاً في محيط يحمر الشقيف والأطراف الجنوبيّة الشرقيّة لزوطر الشرقيّة وحدّاثا، ومجدّداً في الخيام والعديسة، بينما قام العدوّ الإسرائيليّ بمحاولات توغّل فاشلة في الغندوريّة القابعة على كتف وادي الحجير.
أهمّيّة هذه المحاولة، وفق مصدر مطّلع، أنها تشكّل ممرّاً إلى بلدة صريفا، فالإسرائيليّ يسيطر راهناً على شرقيّ وادي الحجير، في نطاق بلدة القنطرة، وإذا تمكّن من السيطرة على الغندوريّة يسيطر في الوقت نفسه على غربيّ وادي الحجير، ومنه باتّجاه صريفا، برج رحّال، والقاسميّة، وهو ما يسمح له بتطويق كلّ المنطقة الجنوبيّة.
تشكّل الغندوريّة منفذاً باتّجاه النبطيّة، وهذا تفصيل عسكريّ ضمن مشهديّة أوسع تشير إلى محاولات إسرائيليّة للسيطرة بشكل كامل على النبطيّة، التي باتت خالية من سكّانها، وهو ما يعدّه الجيش الإسرائيليّ ضربة قاسية لـ”الحزب”، وفاصلة في مسار الحرب.
لم تتوقّف “محاولات الإسرائيليّ” فصل الجنوب عن البقاع الغربيّ، ومحاصرة النبطيّة تمهيداً لعزلها تماماً من خلال الاستهداف المنظّم لدير الزهراني وحبّوش وكفرتبنيت ومحيط النبطيّة وعمقها.
تزامنت محاولات التقدّم البري، التي برزت أيضاً من محور الطيري-حداثا، مع تكثيف الجيش الإسرائيلي غاراته على العديد من البلدات الجنوبية في القطاع الشرقي، والأوسط والغربي، وصولاً إلى قرى قضاء جزين وصور والنبطية، كما استهدف البقاع الغربي، إضافة إلى إنذارات الإخلاء، ونسف وتفجير المنازل، فيما أعلن رئيس الاركان الإسرائيلي استعداد الجيش لتوسيع عملياته العسكرية.
وأمس، كُسِرت معادلة “الضاحية مقابل شمال إسرائيل”، بعدما استهدفت إسرئيل بقصف صاروخي مبنيين في تحويطة الغدير-المريجة ردّاً على “إطلاق الحزب النار من لبنان باتّجاه إسرائيل”. في مقابل الضربة الإسرائيلية، وإعلان ترامب تأييده لتوجيه إسرائيل ضربات دقيقة ضد الحزب، توعّد المتحدّث بإسم لجنة الامن القومي في البرلمان الايراني، إبراهيم رضائي، بأن “طهران ستردّ ردّاً حاسماً ومؤلماً”.
لم تتوقّف محاولات الإسرائيليّ فصل الجنوب عن البقاع الغربيّ، ومحاصرة النبطيّة تمهيداً لعزلها تماماً من خلال الاستهداف المنظّم لدير الزهراني وحبّوش وكفرتبنيت ومحيط النبطيّة وعمقها
في الأيّام الماضية بدت الكلمة للميدان أكثر منها للحراك السياسيّ، ومع ذلك سُجّلت المعطيات الآتية:
– تأكيد العديد من المصادر السياسيّة أنّ لزيارة قائد الجيش لباكستان والإصرار على إجرائها في هذا التوقيت دلالات مهمّة أبعد من الطابع العسكريّ، نظراً للدور الباكستانيّ المتقدّم ضمن سياق المفاوضات الأميركيّة-الإيرانيّة، وتتزامن الزيارة مع تسليم وزير الداخليّة الباكستانيّ رسالة من قائد الجيش الباكستانيّ لمرشد الجمهوريّة الإسلاميّة مجتبى خامنئي.
تقول المعلومات إنّ زيارة قائد الجيش لعين التينة، المنسّقة مع رئيس الجمهوريّة، تناولت زيارة هيكل لإسلام آباد، وإنّ الأخير وضع الرئيس برّي في صورة توضيحيّة لما تضمّنه البيان الثلاثيّ، عقب المفاوضات الأخيرة، في شأن “المناطق التجريبيّة”، المعنيّ بها الجيش مباشرة، ومع ذلك أتى موقف برّي رافضاً لها تماماً، مع تضمّن بيانه الذي أصدره علامات تعجّب واستفهام في شأنها.
إقرأ أيضاً: فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن…
– تأكيد محيط رئيس الجمهوريّة مجدّداً، على الرغم من التطوّرات السلبيّة التي أعقبت إعلان الاتّفاق، أنّ “المفاوضات مستمرّة، ولا خيار بديل عنها إطلاقاً، مع التدخّل مجدّداً لدى الأميركيّين للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على المدنيّين، والرهان على تطوّرات تُساهِم في إحداث خرق مجدّداً في جدار المفاوضات، على الرغم من الحدّة العسكريّة، وارتفاع وتيرة التخاطب اللبنانيّ-الإيرانيّ الرسميّ بشكل غير مسبوق”.
– تفيد المعطيات بأنّ قنوات الاتّصال بين عون وبرّي كانت “شغّالة”، قبل صدور بيان رئيس مجلس النوّاب وبعده، فيما تسرّبت معلومات عن عودة الاتّصال بين بعبدا والضاحية، تمهيداً لتواصل محتمل مع رئيس الجمهوريّة الذي وجّه رسالة في مقابلته الأخيرة على CNN بقوله إنّه “لا خيار لـ”الحزب” سوى الجلوس إلى طاولة التفاوض”. وقد أشارت محطّة “إن بي إن” التابعة لبرّي إلى أنّ موقف الأخير من البيان الصادر في ختام جولة التفاوض “شكّل نقطة تقاطع توقّف عندها الجميع في الداخل والخارج” مع اعتباره أنّ “زيارة هيكل لباكستان تشي بحضور لبنانيّ في هذه المفاوضات”.
لمتابعة الكاتب على X:
