من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

مدة القراءة 6 د

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع ملفّات سوريا والعراق وتركيا، ضمن مقاربة جديدة ما تزال ملامحها في طور التشكّل.

 

أعلن وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو انتهاء التكليف الرسميّ للمبعوث الخاصّ إلى سوريا توم بارّاك، لكنّه حرص في الوقت نفسه على التأكيد أنّ انتهاء هذه الصفة لا يعني خروجه من دائرة التأثير أو القرار. جاء ذلك بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب توسيع نطاق مهمّة بارّاك لتشمل سوريا والعراق، بالتوازي مع استمراره سفيراً للولايات المتّحدة لدى تركيا، في إطار ما وصفه بتعزيز التعاون الاستراتيجيّ مع حكومتَي البلدين.

يخطئ من يعتقد أنّ السبعينيّ توم بارّاك، الذي أنهت واشنطن جزءاً من مهامّه الإقليميّة، سيكتفي بالجلوس على كرسي التقاعد الهزّاز في شرفة السفارة الأميركيّة في أنقرة، مراقباً المارّة وحركة السير في حيّ تشانقايا العريق.

ربط سوريا بالإقليم؟

تنقّل الرجل الذي اختاره صديقه ترامب ليحمل لقب السفير الأميركيّ في تركيا في نيسان 2025، ثمّ المبعوث الخاصّ إلى سوريا في أيّار 2025، بين أكثر من مهمّة ومنصب، فهو المحامي والمستثمر ورجل الأعمال والمستشار المقرّب من الرئيس الأميركيّ. لذلك قد يتبدّل التوصيف الرسميّ، لكنّ المهمّة السياسيّة التي أوكلت إليه هذه المرّة تبدو أكبر بكثير من حدود التمثيل الدبلوماسيّ المعتاد، وتمتدّ إلى ملفّات إقليميّة في قلب الحسابات الأميركيّة الجديدة.

لا يبدو أنّ إنهاء صفة المبعوث الخاصّ إلى سوريا قرار إداريّ صرف، بل يعكس تحوّلاً أعمق في مقاربة واشنطن للملفّ السوريّ. تلجأ الإدارات الأميركيّة عادة إلى تعيين مبعوثين خاصّين عندما ترى أن الملفّ يحتاج إلى إدارة سياسيّة استثنائيّة تتجاوز القنوات الدبلوماسيّة التقليديّة، وهو خيار لا يرتبط بالضرورة بوجود سفير دائم أو بعدمه.

يكتسب ما يطرحه بارّاك نفسه دلالة إضافيّة، إذ ينظر إلى سوريا والعراق وتركيا باعتبارها نقطة ارتكاز واحدة لأيّ استقرار في الشرق الأوسط

لن يتراجع دور بارّاك في سوريا، وخصوصاً أنّه كان من أبرز من ربطوا بين فكرة سوريا الجديدة ومسار الانفتاح الإقليميّ، وطرحوا إمكانيّة فتح قنوات غير مباشرة مع إسرائيل، ضمن تصوّر يقوم على تقليل منسوب الصدام وتوسيع مساحات التفاهم.

من هنا تظهر واشنطن اليوم أقرب إلى إعادة إدراج الملفّ السوريّ ضمن المسار الدبلوماسيّ الكلاسيكيّ، بما يعنيه ذلك من تقليص الدور الشخصيّ في سبيل البنية المؤسّسيّة لوزارة الخارجيّة.

غير أنّ هذا التحوّل لا يعني التعامل مع ملفّ منفصل لسوريا ، بل على العكس يأتي في إطار تصوّر أوسع يربط الساحة السوريّة بمحيطها الإقليميّ، وفي مقدَّمه العراق وتركيا.

تبدو المقاربة الأميركيّة في هذا السياق أقرب إلى إدارة ملفّات المنطقة ضمن رؤية أكثر ترابطاً، فبدلاً من التعامل مع ملفّ منفصل لسوريا، وساحة مستقلّة للعراق، واعتبار تركيا فاعلاً إقليميّاً قائماً بذاته، تتّجه المقاربة الجديدة إلى إدماج هذه الساحات في إطار واحد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

تكتسب أنقرة في هذه المعادلة الجديدة أهميّة إضافيّة بوصفها نقطة تقاطع لهذه السياسات، حيث تلتقي ملفّات الأمن الحدوديّ والتوازنات الإقليميّة والوجود الأميركيّ في العراق وسوريا ضمن شبكة واحدة من التأثير.

لا يتوقّف هذا التحوّل عند حدود الشخص، بل يشير إلى إعادة تنظيم أوسع لملفّات المشرق ضمن مقاربة أميركيّة مختلفة عن الصيغة التقليديّة تتجاوز فكرة إدارة الملفّات بشكل منفصل.

تبدو واشنطن في هذا السياق أقرب إلى إعادة تعريف طريقة إدارة الإقليم، أكثر من إعادة توزيع للملفّات داخله، إذ تتحوّل مهمّة بارّاك إلى اختبار عمليّ لفكرة إدارة الإقليم كمنظومة واحدة، تُضبط من نقاط ارتكاز محدّدة، ضمن محاولة لإعادة هندسة أوسع للجغرافيا السياسيّة للنفوذ.

لكنّ هذا التصوّر لا يمكن فصله عن أحد أكثر عناصر البيئة الإقليميّة تأثيراً وتعقيداً، وهو الحضور الإيرانيّ داخل هذه الساحات، بما يحمله من تشابك في النفوذ السياسيّ وشبكات الفاعلين المحليّين والتوازنات الداخليّة.

تبدو واشنطن أقرب إلى إعادة تعريف طريقة إدارة الإقليم أكثر من إعادة توزيع الملفّات داخله، فيما تتحوّل مهمّة بارّاك إلى اختبار عمليّ لفكرة إدارة الإقليم كمنظومة واحدة

ما هي المهمّة الجديدة؟

في موازاة ذلك، وعلى الرغم من أنّ التصريحات الأميركيّة الأخيرة لا تربط بشكل مباشر بين إعادة تعريف مهمّة توم بارّاك وبين الدور الإيرانيّ في سوريا والعراق أو موقع إسرائيل في معادلات الأمن الإقليميّ، يظلّ هذان العاملان جزءاً ثابتاً من خلفيّة أيّ مقاربة تشمل هذا المثلّث الإقليميّ.

في حين يشكّل الحضور الإيرانيّ أحد أبرز عناصر التعقيد في العراق وسوريا، تبقى إسرائيل حاضرة بشكل غير مباشر في معادلات الأمن المرتبطة بالساحتين السوريّة واللبنانيّة، وخصوصاً في ما يتعلّق بحدود الردع وتوازن النفوذ مع إيران، وهو ما يجعل أيّ مقاربة أميركيّة مفتوحة عمليّاً على هذه التداخلات حتّى لو لم تُعلن ذلك صراحة.

يكتسب ما يطرحه بارّاك نفسه دلالة إضافيّة، إذ ينظر إلى سوريا والعراق وتركيا باعتبارها نقطة ارتكاز واحدة لأيّ استقرار في الشرق الأوسط، بما يعكس انتقالاً في التفكير الأميركيّ من إدارة ساحات منفصلة إلى التعامل مع فضاء مترابط.

لا يقتصر هذا التحوّل على مستوى العلاقات بين الدول الثلاث، بل يمتدّ إلى إعادة ضبط موقع القوى المحليّة داخل كلّ ساحة، بما في ذلك القوى الكرديّة في سوريا التي لعبت دوراً مهمّاً في الحرب على تنظيم “داعش”، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام مقاربة أكثر ميلاً إلى إعادة التوازن بين الشركاء الإقليميّين.

لا يشير هذا التلاقي بين الخطاب الرسميّ الأميركيّ وخطاب بارّاك فقط إلى وحدة في التوصيف، بل إلى تحوّل أعمق في طريقة الإدارة نفسها، حيث تصبح الساحات مترابطة ضمن شبكة واحدة من التأثير بدل التعامل معها كملفّات مستقلّة، وهو ما يعيد طرح سؤال أوسع عن طبيعة المرحلة المقبلة.

إقرأ أيضاً: تركيا: حكم قضائي يشطر “حزب الشعب” المعارض

في جوهر هذا التحوّل، تبدو واشنطن أقرب إلى إعادة تعريف طريقة إدارة الإقليم أكثر من إعادة توزيع الملفّات داخله، فيما تتحوّل مهمّة بارّاك إلى اختبار عمليّ لفكرة إدارة الإقليم كمنظومة واحدة، تُضبط من نقاط ارتكاز محدّدة، في اتّجاه دمج وإعادة تنظيم طريقة التعامل مع الإقليم نفسه من منطلق جغرافيا سياسيّة مغايرة ضمن هندسة جديدة للنفوذ.

لذا لا يكون السؤال الذي يستحقّ المتابعة: لماذا غادر بارّاك منصب المبعوث الخاصّ إلى سوريا؟ بل ما هي المهمّة الإقليميّة الجديدة التي تستعدّ واشنطن لإسنادها إليه بعد إنجاز الجزء الأوّل من مشروعها في المشرق؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…

رسالة إلى الرئيس برّي: بيروت الكبرى مدينة خالية من السّلاح

أظهر حدثان أنّ الأرض تتحرّك تحت “الحزب” في بيئته الشيعيّة: تدوينة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب التي أوقفت النار، ولو مرحليّاً، عن بيروت، والنداءان اللذان أطلقهما…