الزيديّ: ورقة للمساومة وتقطيع الوقت؟

مدة القراءة 5 د

جاء خروج الدخان الأبيض لتسمية مرشّح “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ لتولّي منصب رئيس الوزراء بعد مخاض معقّد، تداخلت فيه الضغوط الخارجيّة مع الصراعات الداخليّة. إنّ تسمية علي فالح الزيدي كمرشّح إجماع من “الإطارّ لم تكن سوى نتيجة لاصطدام جميع الخيارات التي وضعتها قياداته بحائط مسدود، لا سيما في ظلّ الضغوط الخارجيّة التي تحوّلت إلى معركة إرادات بين واشنطن وطهران.

 

أعاد سقوط خيار نوري المالكي، بفعل الفيتو الذي وضعه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مبكراً، إحياء آمال رئيس الوزراء السابق محمّد شياع السوداني للتملّص من التفاهم الذي عقده مع المالكي بالتنازل عن حقّه في الترشّح. إلّا أنّ الرفض الأميركيّ لتولّيه قيادة السلطة التنفيذيّة لدورة جديدة أحبط هذه الآمال، فراح “الإطار” يبحث عن مخرج جديد يتمثّل في تسمية مرشّح تسوية يحظى بإجماع قياداته، ويكون قادراً على تجاوز شروط وضغوط الخارج، الأميركيّ والإيرانيّ على حدّ سواء.

جاء اختيار الزيدي بعد فشل “الإطار” في الاتّفاق على مرشّح توافقيّ، فجرى تفويض المالكيّ والسودانيّ البحث عن اسم بديل عن الاسمين اللذين طُرحا سابقاً، أي تخلّي المالكي عن مرشّحه باسم البدري، مقابل تخلّي السودانيّ عن مرشّحه إحسان العوادي. فتح ذلك الطريق أمام ظهور الزيديّ وفق الشروط التي يرغب بها الطرفان، والتي قبلت بها قيادات “الإطار”، وهي شروط لا تخرج عن تكليف شخصيّة يُفترض أن تدير الحكومة بما لا يتعارض مع مصالح هذه القيادات وتوجّهاتها، وتحافظ على مكاسبها وحصصها السياسيّة والاقتصاديّة.

ليس خافياً أنّ اعتماد “الإطار” خيار الزيديّ جاء نتيجة مستويات متعدّدة من الرهانات

رهانات بالجملة

ليس خافياً أنّ اعتماد “الإطار” خيار الزيديّ جاء نتيجة مستويات متعدّدة من الرهانات:

1- تمكّن “الإطار” من التوصّل إلى اتّفاق ضمن المهلة الدستوريّة المحدّدة للترشيحات، فتلقّف رئيس الجمهوريّة نزار أميدي الأمر سريعاً وأصدر مرسوم التكليف.

2- اختيار شخصيّة لا تملك قاعدة سياسيّة أو انتماءً فصائليّاً، فتكون بحاجة دائمة إلى عقد تسويات وتفاهمات للاستمرار، وبالتالي تبقى محكومة لإرادة قيادات “الإطار” التي لن تتخلّى عن مكاسبها في التحكّم بسياسات الحكومة وإدارات الدولة ومؤسّساتها.

3- حاجة الرئيس المكلّف إلى دعم “الإطار” لتمرير تشكيلته الحكوميّة، وهو ما يضعه أمام تحدّي إدارة معركة توزيع الوزارات والمناصب والإدارات بين هذه القوى.

 

4- تراهن بعض قيادات “الإطار”، وخاصّة تلك التي تمثّل الفصائل والميليشيات المسلّحة، إلى جانب كلّ من المالكيّ والسودانيّ، على عامل الوقت للانقلاب على هذه التسمية، بانتظار متغيّرات جدّيّة في مسار المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة يُعتقد أنّها ستنعكس على الوضع العراقيّ.

5- العمل على عرقلة ولادة الحكومة من خلال تأزيم الصراع على الحصص والوزارات، بما يؤدّي إلى إنهاك الرئيس المكلّف وإيصاله إلى البرلمان ضمن مهلة الثلاثين يوماً الدستوريّة من دون توافق، ثمّ حجب الثقة عنه، فتكون لدى “الإطار” مهلة إضافيّة قدرها خمسة عشر يوماً لإعادة صياغة الوقائع، وخاصّة إذا أصبح العامل الخارجيّ أكثر وضوحاً، سواء باتّجاه حرب جديدة أو اتّفاق شامل بين واشنطن وطهران.

6- قد تلجأ القوى السياسيّة، ولا سيما “الإطار التنسيقيّ”، إلى منح الثقة لحكومة الزيديّ بثلثَي أعضائها فقط، مع إبقاء بقيّة الحقائب الوزاريّة رهناً للتسويات والصفقات، بل حتّى الابتزاز السياسيّ والاقتصاديّ، واستخدامها كأدوات لتخفيف الضغوط الخارجيّة.

جاء اختيار الزيدي بعد فشل “الإطار” في الاتّفاق على مرشّح توافقيّ، فجرى تفويض المالكيّ والسودانيّ البحث عن اسم بديل عن الاسمين

7- سيكون على رئيس السلطة التنفيذيّة الجديد إيجاد صيغة تسوية لمعضلة التعامل مع الجماعات المسلّحة والميليشيات والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة، ومستقبل شراكة هذه الفصائل في العمل الحكوميّ، وخاصّة في ظلّ الجائزة الماليّة التي وضعتها واشنطن مقابل معلومات عن زعيم “كتائب سيّد الشهداء” أبي آلاء الولائيّ، الذي يُعدّ أحد أبرز الأذرع الإيرانيّة داخل “الإطار التنسيقيّ”. هذا يعني أنّ واشنطن لن تتساهل مع أيّ رئيس حكومة غير قادر على حسم هذا الملفّ بما ينسجم مع مطالبها.

التّرحيب الأميركيّ يخلط الأوراق

على الرغم من التريّث الإيرانيّ في التعليق على تكليف الزيديّ، جاء الترحيب الأميركيّ باختياره لافتاً، لا سيما أنّ الزيديّ يُعدّ من بين أبرز رجال الأعمال في العراق وأكثرهم ثراءً، إضافة إلى الدعوة إلى زيارة واشنطن التي وجّهها له الرئيس ترامب، والتي قد تُفهم كرسالة إلى الأطراف التي قد تعيق تشكيل الحكومة بأنّها ستكون عرضة للغضب الأميركيّ. قد يدفع ذلك هذه الأطراف إلى إعادة النظر في خططها التعطيليّة، والانتقال إلى مستوى مختلف من التعاون، حفاظاً على مواقعها ودورها في المرحلة المقبلة.

مهّد الانفتاح الأميركيّ المدروس على الرئيس المكلّف لترحيب واسع من بقيّة المكوّنات العراقيّة، ولا سيما السنّيّة والكرديّة، التي أعلنت استعدادها للتعاون في تسهيل مهمّته، بما يساعد على نقل العراق إلى برّ الأمان، ووضع أسس وآليّات للخروج من أزماته السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ومن الانقسامات الحادّة التي يعاني منها وباتت تهدّد بانهيار الدولة ومؤسّساتها.

إقرأ أيضاً: عليّ الزَّيديّ: انتحاري في “المنطقة الخضراء”؟

قد يمنح هذا التأييد الداخليّ، إلى جانب الترحيب الإقليميّ والدوليّ، الرئيس المكلّف هامشاً للمناورة في مواجهة الضغوط والعراقيل التي قد تعترضه خلال عمليّة التشكيل، وأن يحدّ من تأثير تدخّلات قوى “الإطار” التي تنتظر مكاسب مقابل تسميته. قد يدفعه ذلك إلى الذهاب نحو خيار التمرّد عليها لفرض معادلة جديدة تقوم على قوّة المال في مواجهة السلاح، وتقديم نموذج تكنوقراطيّ مختلف عن التجارب السابقة التي انتهت إلى صراعات مصالح على حساب الدولة العراقيّة.

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…