شغل الراحل الكبير السيد هاني فحص منصب المستشار الثقافي لرئيس الجمهورية الايرانية في بداية الثمانينات، حين كان السيد علي خامنئي يشغل هذا المنصب قبل أن يُختار لاحقاً مرشداً للجمهورية إثر وفاة المؤسس روح الله الخميني.
تقدّم السيد فحص باستقالته عدة مرات، كان الرئيس خامنئي في كل مرة يرفض الاستقالة، ما دفع فحص للطلب من نجله الصديق والزميل حسن حجز بطاقة سفر للعودة الى بيروت فبادره نجله بالسؤال: “لماذا تريد العودة الى بيروت؟”، أجابه: “أريد العودة الى لبنانيتي”. غادر السيد فحص كل شيء في طهران، هو الذي جمع الإمام الخميني بالرئيس الفسطيني ياسر عرفات بداية في منفاه في باربيس، ولاحقاً في طهران بعد انتصار الثورة.
غادر السيد فحص طهران، متوجهاً مباشرة الى بيروت وتحديداً الى منزل الشيخ محمد مهدي شمس الدين في تلة الخياط، الذي لطالما كان على جدال ونقاش معه في التوجهات والمسارات ومآالات التفكير. وضع يده بيده وانطلقا معاً بإنشاء منهجية اندماج الشيعة في دولهم.
مساران لا ثالث لهما
نشرت صحيفة “الشرق الأوسط” نصاً مطوّلاً في ذكرى مرور 25 سنة على وفاة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وذلك على أجزاء بدأت في عدد السبت العاشر من كانون الثاني، وهو تاريخ وفاته.
النص عبارة عن حوار دار بين الشيخ شمس الدين وأعضاء قريبين من بيئة “حزب الله” عام 1997، حيث قال الشيخ مخاطباً ضيوفه: “عندي قضية يا أولادي، أنا عندي دماؤكم وأعراضكم وحريتكم وكرامتكم. يهمّني أنّ الشيعي، حينما يكون في وطن – ولا يمثّل نظام غلبة – أن يكون مقبولاً، وألا يكون، حين يرحل، مثل الوباء الذي يُتوقّى منه. أنا أريد أن أخلق حالة ثقة وعلاقة نقية بين الناس وبين الشيعة”؟
وُضع الشيعة منذ الانقسام العموديّ في لبنان عام 2005 بين خيارين لا ثالث لهما
أضاف: “اندَمجوا في دولكم، اندمجوا في شعوبكم، اندمجوا في أنظمة مصالحكم، لا تنشئوا نظام مصالح خاصة، لا تثيروا ريبة الآخرين، احترموا قوانينكم. هذا الأمر أنا أقوله عن قناعة فقهية. أنا أحرّم الغيلة وأحرّم الغلول (السرقة الخفية من المال العام). أنا أقول إنّ أموال الدولة حرام أن تُسرق، دولة سنّية أو شيعية هما عندي مثل بعض. هذه رسالتي، رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة”.
ثم في مقطع آخر خاطبهم قائلاً: “العقدة النفسية الموجودة عند الشيعي أنه منبوذ، سببها أنه هو نابذ… العالم ليس ضدنا، نحن ضد العالم. إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة من أن يكونوا ضد العالم..”. (انتهى الاقتباس).
أزمة طائفة منكوبة
أزمة لبنان الراهنة والمستدامة منذ عام 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الأسد وجيشه لمصلحة “الحزب” ومحوره، هي أزمة الطائفة الشيعيّة المنكوبة بالخيارات الضيّقة والقابعة تحت وطأة السلاح أكثر من الوطأة التي يعيشها الوطن وباقي المكوّنات الطائفيّة والمذهبيّة فيه بفعل هذ السلاح.

وُضع الشيعة منذ الانقسام العموديّ في لبنان عام 2005 بين خيارين لا ثالث لهما. السير خلف “الحزب” ومشروعه أو التموضع في مربّع معرَّض للتخوين دائماً وأبداً، تحت مسمّى “شيعة السفارات” وصولاً إلى الشيعة المتصهينين والعملاء للمشروع الأميركيّ الإسرائيليّ.
في الحالتين لم يجدا خياراً آخر يتحدّث عن الدولة المدنيّة والولاء للأوطان كما نادى الشيخ محمّد مهدي شمس الدين بعد عام 1982 أو عبر المرجعيّة الدينيّة الوطنيّة التي حاول السيّد محمد حسين فضل الله تكريسها كمؤسّسة مرجعيّة دينيّة لشيعة لبنان.
كان نصيب الإمام محمّد مهدي شمس الدين التهميش والتضييق عليه في حرش عند دوّار الطيّونة ببيروت حيث أقام مسجده ومؤسّساته، فيما تعرّض السيّد محمّد حسين فضل الله للانتقاد، وصولاً إلى التكفير وانتهاء بالاعتداء على طلّابه ومريديه، وأبرزهم الشيخ ياسر عودة الصارخ بشجاعة في كلّ مناسبة وحيّز بالظلامة التي يعيشها الشيعة المعترضون على عباءة “الحزب” ومحوره.
إنقاذ الشيعة في هذه المرحلة يعني إنقاذ لبنان. التاريخ مليء بالشواهد حيث لا يمكن إلغاء مكوّن كما لا يمكن تجاوزه
الخطاب المطلوب
إنقاذ الشيعة في هذه المرحلة يعني إنقاذ لبنان. التاريخ مليء بالشواهد حيث لا يمكن إلغاء مكوّن كما لا يمكن تجاوزه، فكيف إذا كان هذا المكوّن عنصراً أساسيّاً في المعادلة الوطنيّة التأسيسيّة والتنفيذيّة والتقريريّة؟
يبقى السؤال الملحّ: ما هو المطلوب من الشيعة كي يفتحوا باب الانقاذ من هذا المصاب الكبير؟
ما تضرّر “الحزب” يوماً من خطابات خصومه ومنافسيه. كان دائماً بحاجة إلى تلك الأنواع من الخطابات المنتقدة. استعملها دوماً وأبداً لحشد الناس وشدّ العصب، تمهيداً للانقضاض على خصومه، شيعة ومسلمين ومسيحيّين.
تمكّن “الحزب” عبر مساره من دفع الآخرين كلّ الآخرين إلى التشبّه به إن عبر تخوين الآخر أو عبر اللجوء إلى العنف، وأحياناً عبر التمترس خلف الأفكار الطائفيّة والمذهبيّة. تمكّن “الحزب” من إخراج خصومه من ساحة الوطن إلى ساحات الطوائف، التي هي ساحته التي يجيد اللعب فيها ويمتلك السلاح فيها من دون غيره من الطائفيّين. جعلهم بموقع ردّ الفعل وليس الفعل.
تواجه الطائفة الشيعيّة في لبنان مسارين لا ثالث لهما. تعيش نكبة غير مسبوقة بفعل إسنادين بالحديد والنار: الإسناد الأوّل عام 2024 من أجل غزّة، والإسناد الثاني ما تزال تعيشه اليوم عام 2026 انتقاماً لاغتيال خامنئي. المسار الأوّل يمثّله الرئيس نبيه برّي بكلّ تاريخه وحكمته. والمسار الثاني يمثّله الحرس الثوريّ عبر فيلق القدس في لبنان المنتحل لصفة “الحزب” منذ اغتيال السيّد حسن نصرالله.
هنا يبرز دور الرئيس نبيه برّي في الدعوة إلى “عاميّة شيعيّة”، تضمّ كل النخب من دون استثناء لطرق باب الوطن من أجل العودة إليه بالولاء والحقوق والواجبات، تماماً كما قال الشيخ شمس الدين ابن مدرسة السيّد المغيّب موسى الصدر.
إقرأ أيضاً: دولة الملالي: التّخصيب في الحقد على العرب
مهمة الرئيس برّي صياغة عهد المواطنة عند الطائفة الشيعية أحد المكونات الأساس في المعادلة الوطنية. تماماً كما عاد السيّد هاني فحص من طهران إلى لبنانيته.
في الحلقة الثانية: ما هو المطلوب من اللبنانيين لإنقاذ الشيعة؟
لمتابعة الكاتب على X:
