الخليج واستراتيجية التّوازن: “ضبط” الخسائر دون مواجهة

مدة القراءة 7 د

تعاملت واشنطن طويلاً مع مضيق هرمز بوصفه نقطة ضغط إيرانيّة معروفة أكثر من كونه مفاجأة محتملة. منذ ثمانينيّات القرن الماضي، حين تحوّلت “حرب الناقلات” خلال الحرب العراقيّة-الإيرانيّة إلى اختبار مفتوح لأمن الطاقة العالميّ، أصبح واضحاً أنّ طهران تنظر إلى المضيق باعتباره أداة ردع غير تقليديّة، تستخدمها عندما تشعر بأنّ ميزان القوّة العسكريّة يميل ضدّها. لذلك السؤال الحقيقيّ ليس ما إذا كانت الولايات المتّحدة قد فوجئت باستخدام إيران لهذه الورقة، بل لماذا بدا أنّ الاستعداد العمليّ لسيناريو التعطيل جاء أقلّ من مستوى المعرفة النظريّة المسبقة.

 

تبدأ الإجابة من طبيعة التفكير الأميركيّ في إدارة الأزمات. افترضت واشنطن أنّ التهديد الإيرانيّ بإغلاق المضيق يدخل ضمن إطار الردع اللفظيّ، لا التنفيذ الكامل. رجّحت تقديرات الاستخبارات الأميركيّة، وفق نمطها المعتاد، أنّ أيّ تعطيل واسع للملاحة سيضرّ بإيران نفسها بقدر ما يضرّ بخصومها، لأنّ صادراتها النفطيّة، وشريانها الاقتصاديّ الأساسيّ، يمرّان عبر الممرّ ذاته. هذا الافتراض جعل صنّاع القرار يميلون إلى الاعتقاد بأنّ طهران ستكتفي بالتصعيد الرمزيّ، مثل هجمات محدودة، مضايقات بحريّة، أو استهداف ناقلات بشكل انتقائيّ، دون الذهاب إلى تعطيل شامل يهدّد الاقتصاد العالميّ.

ما يحدث حول مضيق هرمز ليس مفاجأة استخباريّة بقدر ما هو صدام بين توقّعات مختلفة للسلوك تحت الضغط

فجوة التّحالفات

لكن ما تغيّر في الحسابات الإيرانيّة هو السياق السياسيّ لا القدرة العسكريّة. تعاملت طهران، تحت ضغط عسكريّ واقتصاديّ مرتفع، مع المضيق باعتباره وسيلة لنقل المعركة من نطاقها الوطنيّ إلى نطاق دوليّ واسع، بحيث تصبح كلفة الحرب موزّعة على الجميع. كانت الرسالة الإيرانيّة واضحة: إذا مُنعت إيران من تصدير النفط، فلن يكون النفط آمناً لأحد. لم يكن هذا التحوّل خفيّاً، لكنّه ربّما لم يُؤخذ بالجدّيّة الكافية داخل دوائر القرار الأميركيّة.

يتعلّق السؤال الأكثر حساسيّة بدول الخليج: لماذا لم تحصل على إنذار استخباريّ مبكر يسمح لها بتقليل الاعتماد الفوريّ على المضيق قبل التصعيد؟ هنا تظهر فجوة دائمة في التحالفات الأمنيّة. تشارك الولايات المتّحدة حلفاءها المعلومات عادة وفق مبدأ “الحاجة إلى المعرفة”، لا “الشفافيّة الكاملة”. يبقى جزء من المعلومات محصوراً داخل المؤسّسات وجزء آخر يُحجب لأنّ واشنطن نفسها لا تكون قد حسمت قرارها السياسيّ بعد.

تاريخيّاً، حدث أمر مشابه قبل غزو العراق عام 2003، حين تلقّت بعض الدول الحليفة إشارات عامّة دون تفاصيل عمليّاتيّة دقيقة. يتكرّر النموذج ذاته: تحذيرات عامّة من تصعيد محتمل، دون تحديد واضح لمدى أو توقيت المخاطر. لا يسمح هذا النوع من التحذير باتّخاذ خطوات استراتيجيّة مكلفة مثل إعادة هيكلة مسارات الطاقة أو رفع الطاقة الاستيعابيّة للأنابيب البديلة بشكل عاجل.

يتمثّل احتمال آخر أكثر تعقيداً في أنّ واشنطن لم تكن تسعى بالضرورة إلى جرّ الخليج إلى الحرب، لكنّها كانت تدرك أنّ تهديد المضيق سيخلق تقاطع مصالح قسريّاً. عندما يصبح أمن الطاقة العالميّ مهدّداً، تتحوّل دول الخليج من مراقب إلى طرف معنيّ مباشرة بحماية تدفّق النفط. هذا لا يعني رغبة أميركيّة في التصعيد، بل اعتماد ضمنيّ على أنّ الضغط الاقتصاديّ سيؤدّي إلى اصطفاف سياسيّ أوسع ضدّ إيران.

مع ذلك، يحمل هذا الرهان مخاطرة كبيرة. تدرك دول الخليج أنّ الدخول العسكريّ المباشر يعرّض بنيتها التحتيّة النفطيّة والمدنيّة لضربات انتقاميّة، كما حدث في هجمات أرامكو عام 2019 التي أثبتت أنّ الضربات غير المتكافئة قادرة على إحداث تأثير اقتصاديّ عالميّ خلال ساعات. لذلك يتّجه التفكير الخليجيّ الحاليّ نحو معادلة دقيقة تتلخّص في تقليل أضرار المضيق.

يتمثّل الخيار الأوّل في تسريع استخدام المسارات البديلة القائمة. خطّ أنابيب شرق-غرب السعوديّ الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر، وخطّ حبشان-الفجيرة في الإمارات، يمثّلان نموذجين واضحين لمحاولات تقليل الاعتماد على هرمز. لم تُبنَ هذه المشاريع صدفة، بل نتيجة إدراك مبكر للهشاشة الاستراتيجيّة المرتبطة بالمضيق. لكنّ قدرتها الاستيعابيّة لا تزال أقلّ من حجم الصادرات الكلّيّ، وهو ما يعني أنّ الأزمة الحاليّة تكشف حدود الحلول القائمة.

يرتبط الخيار الثاني بالدبلوماسيّة الأمنيّة المتعدّدة الأطراف. تحاول دول الخليج تدويل أمن الملاحة بدلاً من عسكرته إقليميّاً. إنّ مشاركة قوى آسيويّة مستورِدة للطاقة مثل الصين والهند واليابان في حماية طرق التجارة تمنح الأزمة طابعاً اقتصاديّاً عالميّاً بدلاً من صراع إقليميّ ثنائيّ. يقلّل هذا الأسلوب من احتمال استهداف مباشر لدول الخليج لأنّ أيّ تصعيد ضدّ الملاحة سيصطدم بمصالح دوليّة واسعة.

المرحلة المقبلة ستحدّدها قدرة الأطراف على إيجاد مخرج يسمح بخفض المخاطر دون إعلان تراجع سياسيّ

التّحدّي الأكبر

يتمثّل الخيار الثالث في إدارة التصعيد بدلاً من مواجهته. تتبنّى دول الخليج منذ سنوات سياسة “خفض التوتّر الوقائيّ”، عبر إبقاء قنوات اتّصال غير معلنة مع طهران حتّى في ذروة الخلافات. ليس الهدف حلّ الصراع، بل منع سوء التقدير العسكريّ. أثبتت التجربة أنّ كثيراً من الحروب تبدأ بسبب قراءة مخطئة للنوايا أكثر من كونها نتيجة قرار محسوب بالكامل.

اقتصاديّاً، بدأت دول الخليج بالفعل بناء أدوات امتصاص الصدمات. تنويع الشركاء التجاريّين، زيادة المخزونات الاستراتيجيّة لدى الدول المستوردة، وتوسيع عقود التوريد الطويلة الأجل، كلّها خطوات تقلّل من تأثير أيّ تعطيل مؤقّت. يمنح التحوّل التدريجيّ نحو الصناعات غير النفطية بعض الدول مساحة زمنيّة أطول للتعامل مع أزمات الطاقة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقدين.

لكنّ التحدّي الأكبر يظلّ سياسيّاً لا اقتصاديّاً. دخول الحرب يعني فقدان القدرة على لعب دور الوسيط، وهو الدور الذي أصبح جزءاً من القوّة الناعمة الخليجيّة خلال السنوات الأخيرة. يمنح الحفاظ على هذا الدور دول الخليج نفوذاً يفوق أحياناً تأثير القوّة العسكريّة المباشرة لأنّه يسمح لها بالتواصل مع جميع الأطراف في وقت واحد.

تواجه الولايات المتّحدة، من جهتها، معضلة مختلفة. أيّ فشل في حماية الملاحة يضرّ بصدقيّتها الأمنيّة، وأيّ تصعيد واسع قد يجرّها إلى حرب طويلة لا ترغب بها. لهذا تبدو استراتيجيتها الحاليّة قائمة على احتواء الأزمة ضمن مستوى توتّر مرتفع لكن قابل للإدارة، بدلاً من حسم سريع يحمل مخاطر غير محسوبة.

تدرك طهران هذه المعضلة جيّداً. لا يهدف استخدام ورقة المضيق بالضرورة إلى إغلاقه الكامل، بل إلى إبقائه في حالة تهديد دائم يرفع أسعار التأمين والشحن ويخلق ضغطاً اقتصاديّاً عالميّاً. ارتفاع المخاطر كافٍ وحده لتحقيق جزء من الهدف الإيرانيّ دون الحاجة إلى مواجهة بحريّة شاملة.

إقرأ أيضاً: أزمة سفير طهران.. سقوط “اليوم المجيد”

خلاصة المشهد أنّ ما يحدث حول مضيق هرمز ليس مفاجأة استخباريّة بقدر ما هو صدام بين توقّعات مختلفة للسلوك تحت الضغط. افترضت واشنطن عقلانيّة اقتصاديّة إيرانيّة تمنع التصعيد الكبير، بينما رأت طهران أنّ توسيع دائرة الألم هو الطريق الوحيد لفرض التوازن. تجد دول الخليج نفسها بين هذين المنطقين تحاول حماية مصالحها دون التحوّل إلى المشاركة في مواجهة مفتوحة.

المرحلة المقبلة ستحدّدها قدرة الأطراف على إيجاد مخرج يسمح بخفض المخاطر دون إعلان تراجع سياسيّ. نجاح دول الخليج لن يقاس بمدى مشاركتها في الصراع، بل بقدرتها على إبقاء النفط متدفّقاً والأسواق مستقرّة مع تجنّب الانزلاق إلى حرب لا يمكن التحكّم بنتائجها. تلك معادلة صعبة، لكنّها أصبحت اليوم جوهر التفكير الاستراتيجيّ في المنطقة، وهذا ما يدعو إلى التفكير في السؤال الأصعب: كيف تنتهي هذه الحرب؟ وليس فقط كيف ولماذا بدأت؟

مواضيع ذات صلة

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…

حزيران 1967 وحزيران 2026

بين الخامس من حزيران 1967، والخامس من حزيران 2026، مرّت تسعٌ وخمسون سنة، أي أن الذي ولد مع الهزيمة التي تواطأ المسؤولون عنها مع اللغة، ليسمونها…

أمجد يوسف: حين يصبح القتل وظيفة في سوريا الأسد

في أحد أكثر التسجيلات إيلاماً في التاريخ السوريّ الحديث، لم يكن ما أثار الرعب سقوط الضحايا وحسب، بل الطريقة التي بدا بها القاتل وكأنّه يؤدّي…

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…