اختتمت القمّة التشاوريّة الاستثنائيّة لقادة دول مجلس التعاون الخليجيّ في جدّة في توقيت بالغ الحساسيّة، وسط مشهد إقليميّ ما يزال يتحرّك بين وقف إطلاق نار هشّ بين الولايات المتّحدة وإيران، ومخاوف مستمرّة تتّصل بأمن الملاحة في مضيق هرمز، وأسئلة مفتوحة عن شكل التوازن الذي ستؤول إليه المنطقة في مرحلة ما بعد المواجهة. في هذا السياق، بدت القمّة أكثر من اجتماع طارئ، بل محاولة سعوديّة لتثبيت معادلة سياسيّة وأمنيّة في لحظة مضطربة.
لا تكمن أهميّة القمّة في انعقادها فقط، بل في الرسائل التي خرجت بها، وفي توقيتها الذي يعكس إدراكاً خليجيّاً أنّ إدارة هذه المرحلة لا يمكن أن تتمّ بردود فعل متفرّقة، بل عبر موقف موحّد يتعامل مع التحدّيات بوصفها مترابطة، من أمن الطاقة والممرّات البحريّة، إلى توازنات الردع والاستقرار الإقليميّ.
في صلب هذه الرسائل، برز ملفّ مضيق هرمز بوصفه أحد المحاور الرئيسة في الحسابات الخليجيّة. لم يعد المضيق ممرّاً لعبور النفط والتجارة، بل أصبح عنواناً لتوازنات أوسع، وأيّ اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الأسواق الدوليّة والثقة الاقتصاديّة العالميّة.
من هنا، حمل التشديد الخليجيّ على أمن الملاحة رسالة واضحة مفادها أنّ حرّية المرور في هذا الشريان الحيويّ ليست محلّ مساومة، وأنّ دول الخليج تنظر إلى هذا الملفّ باعتباره جزءاً من أمنها الاستراتيجيّ الجماعيّ.
لكنّ القمّة ذهبت أبعد من إدارة ملفّ آنيّ، إذ وضعت أيضاً معادلة أكثر تعقيداً تتعلّق بكيفيّة دعم التهدئة من دون إضعاف الردع. التهدئة، في المنطقة، لا تكفي بذاتها إذا لم تستند إلى توازن واضح يمنع اختبار حدود الاستقرار.
من هنا بدا أنّ القمّة سعت إلى تكريس تصوّر مزدوج: دعم المسارات الدبلوماسيّة وخفض التصعيد من جهة، والتأكيد من جهة أخرى أنّ ذلك لا يعني التراجع عن عناصر القوّة والردع.
سعت القمّة إلى تثبيت معادلة دقيقة تقوم على دعم التهدئة دون الوقوع في الوهم، وتعزيز الردع دون الانزلاق إلى التصعيد
في هذا الإطار، اكتسب توحيد الخطاب الخليجيّ بعداً يتجاوز البعد الدبلوماسيّ التقليديّ، ليصبح بحدّ ذاته أداة سياسيّة. لا يعبّر تنسيق الرسائل والمواقف في هذه اللحظة عن تماسك سياسيّ فقط، بل يمثّل عنصراً من عناصر الردع لأنّ وحدة الموقف بحدّ ذاتها تحدّ من الرهانات على التباينات، وتمنح الخليج قدرة أكبر على التأثير في ترتيبات المرحلة المقبلة.
الدّور السّعوديّ
هنا يبرز الدور السعوديّ بوصفه أحد العوامل الرئيسة في إنجاح هذا المسار. تعكس استضافة القمّة في جدّة والتحرّك السعوديّ لجمع المواقف الخليجيّة رغبة واضحة في أن يكون الخليج طرفاً فاعلاً في صياغة المرحلة لا متلقّياً لتداعياتها.

غير أنّ القمة، في أحد مستويات قراءتها الأعمق، قد لا تكون اجتماعاً لترتيب ما بعد الهدنة فقط، بل تحرّك تحت ضغط احتمال أن لا تكون الهدنة نفسها سوى هدنة معلّقة فوق احتمالات الانفجار. في الشرق الأوسط، كثيراً ما تكون فترات الصمت العسكريّ إعادة تموضع للضجيج. وما يبدو وقفاً لإطلاق النار قد يكون أحياناً تأجيلاً للحظة الصدام لا تجاوزاً لها.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قمّة جدّة بوصفها التقاطاً مبكراً لاحتمال أنّ المنطقة لم تغادر منطق الحرب بعد، وإنّما دخلت منطقة رماديّة بين المواجهة والتسوية.
القمّة ذهبت أبعد من إدارة ملفّ آنيّ، إذ وضعت أيضاً معادلة أكثر تعقيداً تتعلّق بكيفيّة دعم التهدئة من دون إضعاف الردع
هذا ما يمنح القمّة معنى احترازيّاً يتجاوز ظاهرها السياسيّ. لا يبدو التشديد على وحدة الموقف، أمن الملاحة، ومعادلة الردع خطابَ استقرار، بل يمكن قراءته كإعداد صامت لسيناريو أكثر خشونة إذا انهارت الهدنة وعادت الحرب على إيران بصيغ أشدّ اتّساعاً، كأنّ القمة، في عمقها، تقول إنّ الخليج لا ينتظر أن يفاجئه التصعيد، بل يسعى إلى بناء مظلّة توازن قبل أن تعود المنطقة إلى اختبار القوّة.
في المحصّلة، سعت القمّة إلى تثبيت معادلة دقيقة تقوم على دعم التهدئة دون الوقوع في الوهم، وتعزيز الردع دون الانزلاق إلى التصعيد، والاستعداد ضمنيّاً لاحتمالات أكثر صعوبة إذا تعثّرت الهدنة. إذا نجحت في ترسيخ هذا الحدّ الأدنى من التوافق، فإنّ أهمّيّتها لن تكون في بيانها الختاميّ فقط، بل في الرسالة الأعمق التي بعثتها، وهي أنّ الخليج يحاول التأثير في مسار المرحلة لا الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها.
إقرأ أيضاً: أمن الخليج عمود الاستقرار العالميّ
ربّما هذا هو المعنى الحقيقيّ لقمّة جدّة، فهي ليست اجتماعاً لإدارة أزمة فقط، بل محاولة لتوحيد البوصلة الخليجيّة في لحظة قد تكون قبل تسوية… أو قبل عودة الحرب.
