لم يعد السؤال في الشرق الأوسط اليوم متعلّقاً بمن أطلق الشرارة الأولى، بقدر ما أصبح مرتبطاً بطبيعة النظام الإقليميّ الذي يتشكّل تحت ضغط النار. المواجهة الجارية بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تفجّر صراعاً عسكريّاً فحسب، بل أعادت إحياء نقاش سياسيّ وفكريّ ظلّ يتردّد خلال السنوات الأخيرة داخل دوائر التفكير الاستراتيجيّ العربيّة: هل كانت المنطقة تتّجه حتماً نحو لحظة الصدام المباشر مع إيران؟ وهل التحوّلات التي شهدتها دول الخليج خلال العقد الأخير كانت تمهيداً لدور إقليميّ مختلف يتجاوز حدود الجغرافيا التقليديّة؟
خلال السنوات الماضية، برز اتّجاه تحليليّ داخل مراكز الدراسات الخليجيّة يرى أنّ الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة “ما بعد الفوضى”، التي تتراجع فيها الصراعات الأيديولوجيّة أمام تنافس مباشر بين الدول على النفوذ والتوازنات الأمنيّة. وفق هذا التصوّر، لم تعد دول الخليج ساحات تتأثّر بالأزمات فقط، بل تحوّلت تدريجاً إلى أحد أعمدة الاستقرار الإقليميّ، مستندة إلى ثقل اقتصاديّ متنامٍ وشبكة تحالفات دوليّة واسعة وقدرات دفاعيّة متطوّرة.
في حينه، اعتبر بعض المراقبين هذا الطرح مبالغاً في تفاؤله، وخاصّة في ظلّ استمرار النفوذ الإيرانيّ عبر شبكات إقليميّة ممتدّة، واستمرار بؤر الصراع المفتوحة في أكثر من ساحة عربيّة. غير أنّ الحرب الحاليّة أعادت اختبار تلك القراءة على أرض الواقع، وأجبرت كثيرين على إعادة النظر في طبيعة التحوّلات التي شهدتها المنطقة بصمت خلال العقد الأخير.
أوّل ما تكشفه المواجهة الراهنة أنّ الصراع لم يعد يدور في الظلّ كما كان طوال سنوات الحروب بالوكالة
تحوُّل استراتيجيّ واضح
أوّل ما تكشفه المواجهة الراهنة أنّ الصراع لم يعد يدور في الظلّ كما كان طوال سنوات الحروب بالوكالة. انتقل اليوم التوتّر الذي ظلّ محكوماً بقواعد اشتباك غير معلنة إلى مستوى أكثر مباشرة، وهو ما يشير إلى أنّ سياسة الضغوط المتراكمة وصلت إلى لحظة انفجار يصعب احتواؤها بالوسائل التقليديّة. يعكس هذا التحوّل انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة رسم ميزان الردع نفسه.
أظهرت الحرب أنّ أمن الخليج لم يعد شأناً إقليميّاً محدوداً، بل أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الدوليّ. ينعكس تهديد البنية التحتيّة الحيويّة أو خطوط الطاقة والملاحة البحريّة فوراً على الاقتصاد العالميّ وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، ولم يعد بذلك استقرار المنطقة قضيّة محليّة، بل شرط أساسيّ لاستقرار النظام الاقتصاديّ العالميّ، وتحوّل استراتيجيّ لم يكن واضحاً بهذا الشكل قبل سنوات قليلة.
لا يمكن القول مع ذلك إنّ الأحداث الجارية أكّدت هذه الرؤية دون مفارقات. تبدو اليوم أقلّ يقيناً التوقّعات التي ربطت صعود التنمية الاقتصاديّة وتكامل المشاريع الإقليميّة بتراجع احتمالات الحرب. إذ تكشف المواجهة الحاليّة أنّ التنمية وحدها لا تكفي لمنع الصراعات عندما تتقاطع المشاريع الجيوسياسيّة الكبرى مع تصوّرات متعارضة للأمن والهويّة الإقليميّة.
هنا تظهر إحدى أعقد معضلات الشرق الأوسط المعاصر: أصبحت المنطقة أكثر حداثة اقتصاديّاً، لكنّها لا تزال محكومة بمنطق أمنيّ تقليديّ، فبينما تسعى دول الخليج إلى بناء اقتصاد ما بعد النفط وتعزيز الاستقرار الداخليّ والانفتاح الدوليّ، تستمرّ قوى إقليميّة أخرى في تعريف قوّتها من خلال أدوات الردع والصراع غير المتكافئ. هذه الفجوة في فهم الأمن الإقليميّ جعلت التصادم مؤجّلاً لسنوات، لكنّها لم تلغِه.
تكشف الحرب الجارية أيضاً تحوّلاً مهمّاً في مفهوم الردع. لم تعُد الدول تعتمد على القوّة العسكريّة وحدها، بل على منظومات متشابكة تشمل التكنولوجيا، التحالفات، الاقتصاد، والأمن السيبرانيّ. ما نشهده اليوم هو ولادة نموذج “الردع المركّب”، حيث تتداخل أدوات القوّتين الصلبة والناعمة في آن واحد، جاعلة أيّ مواجهة واسعة النطاق محفوفة بتكاليف يصعب التحكّم بها.
لا تبدو الأحداث الجارية وكأنّها تصنع شرقاً أوسط جديداً بالكامل، بل تكشف عن شرق أوسط كان يتشكّل تدريجاً تحت السطح
استقرار طويل أم هدنة مؤقّتة؟
إلى جانب ذلك، أظهرت التطوّرات الأخيرة هشاشة البنية المدنيّة في الحروب الحديثة. لم تعد تقتصر المخاوف على الجبهات العسكريّة، بل امتدّت إلى الاتّصالات والطاقة والمياه والبنية الرقميّة، أي إلى تفاصيل الحياة اليوميّة نفسها. يعيد هذا التحوّل تعريف مفهوم الأمن الوطنيّ، الذي لم يعد مرتبطاً بحماية الحدود فقط، بل بضمان استمراريّة الخدمات الحيويّة التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة.
من هذه الزاوية، يمكن القول إنّ الحرب الحاليّة لم تحسم الجدل بقدر ما عمّقته. أكّدت أنّ الشرق الأوسط يعيش بالفعل مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوّة، لكنّها أظهرت أيضاً أنّ الانتقال نحو الاستقرار ليس مساراً خطّيّاً، إذ تتحرّك المنطقة عبر موجات متعاقبة من التصعيد وإعادة التوازن لا عبر تحوُّل مفاجئ ونهائيّ.
لا يتعلّق السؤال الأكثر عمقاً الآن بمن كان على صواب نظريّاً، بل بما إذا كانت هذه الحرب ستؤسّس لنظام إقليميّ أكثر وضوحاً في قواعده. إذا انتهت المواجهة بإعادة تثبيت توازن ردع مستقرّ، فقد نشهد بداية مرحلة مختلفة تتراجع فيها الصراعات المفتوحة أمام إدارة أكثر عقلانيّة للخلافات. أمّا إذا تحوّلت إلى سلسلة مواجهات ممتدّة، فقد تدخل المنطقة دورة جديدة من عدم اليقين، بما يعني أنّ التحوّل التاريخيّ لا يزال في منتصف الطريق.
إقرأ أيضاً: “الحزب” معضلة وقف الحرب على إيران
في النهاية، لا تبدو الأحداث الجارية وكأنّها تصنع شرقاً أوسط جديداً بالكامل، بل تكشف عن شرق أوسط كان يتشكّل تدريجاً تحت السطح. التحوّلات الكبرى نادراً ما تولد فجأة، بل تنضج ببطء قبل أن تظهر فجأة في لحظة أزمة كبرى.
هكذا تقف المنطقة اليوم عند مفترق طرق واضح: بين نظام قديم تحكمه صراعات مفتوحة بلا أفق، ونظام ناشئ يحاول فرض توازن يقوم على الردع والاستقرار والتنمية معاً. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد بداية مرحلة استقرار طويلة، أم هدنة مؤقّتة في تاريخ صراع لم يُكتب فصله الأخير بعد؟
