مايكل راتني: الرّياض تتسلّح بالصّبر الاستراتيجيّ والرّدع

مدة القراءة 8 د

حذّرت المملكة العربية السعوديّة إيران من تجاوز الخطوط الحمر في ظلّ استمرار هجماتها ضدّ دول الخليج، في موقف صريح أعلنه وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان بعد الاجتماع الوزاريّ التشاوريّ لوزراء خارجيّة مجموعة من الدول العربيّة والإسلاميّة في الرياض، حين قال: “إيران مخطئة إذا كانت تظنّ أنّ دول الخليج غير قادرة على الردّ” على الهجمات التي تتعرّض لها من جانبها.

 

يراهن السفير الأميركيّ السابق لدى المملكة السعوديّة مايكل راتني على تفضيل المملكة الاستقرار على التصعيد، فتحاول تحقيق توازن بين “الردع (إظهار القوّة) وضبط النفس (تجنّب الحرب)”، وتعتمد سلوكاً تحكمه البراغماتيّة وإدارة المخاطر والمصالح الاستراتيجيّة الطويلة المدى، خاصّة الحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار والاستعداد للتعايش مع إيران بعد انتهاء الحرب. يؤكّد أنّ المملكة السعوديّة، على الرغم من معارضتها الشديدة لإيران ورغبتها في إضعاف نفوذها، “متردّدة في الانخراط المباشر في الحرب” بسبب المخاطر الكبيرة، مثل الردّ الإيرانيّ، استهداف البنية التحتيّة، وتأثير ذلك على خططها الاقتصاديّة. إلى ذلك، لا تثق بشكل كامل بأنّ الولايات المتّحدة ستوفّر لها الحماية الكافية إذا تصاعد الصراع، وهذا ما يزيد من حذرها.

يُعدّ هذا الدبلوماسيّ الأميركيّ صاحب خبرة طويلة في شؤون الشرق الأوسط، ويتمتّع بفهم عميق لسياسات المملكة السعوديّة وديناميكيّات المنطقة. فقد شغل منصب سفير الولايات المتّحدة لدى المملكة من 2023 حتّى 2025. وكان قد شغل سابقاً منصب القائم بالأعمال في سفارة الولايات المتّحدة في إسرائيل، والقنصل الأميركيّ العامّ في القدس، والمبعوث الأميركيّ الخاصّ بسوريا، ويعمل حاليّاً مستشاراً أوّل في مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة في واشنطن.

يُصوّر تحليل مايكل راتني موقف المملكة العربيّة السعوديّة في الحرب الحاليّة مع إيران بأنّه موقف حذر للغاية، ومتضارب استراتيجيّاً، ويتأثّر بالدرجة الأولى بعوامل الضعف، الأولويّات الاقتصاديّة الطويلة الأجل، والواقع الجغرافيّ. ليست الرياض متحالفة علناً مع خصوم إيران، ولا متعاطفة مع طهران، بل تسلك مساراً دقيقاً بين الردع، ضبط النفس، وتجنّب المخاطر.

دور المملكة العربيّة السعوديّة الحاليّ دفاعيّ وردّ فعل، وليس استباقيّاً. فبينما تحتفظ بقدرات عسكريّة كبيرة ودعم شعبيّ للرد

موقف عدائيّ حذر

في رأي راتني، يمكن فهم دور المملكة السعوديّة اليوم على أنّه موقف حذر، فهي مستعدّة للدفاع عن نفسها بقوّة إذا لزم الأمر، لكنّها متردّدة بشدّة في التصعيد إلى حرب مباشرة. يعتبر أنّ “جوهر التفكير السعوديّ يكمن في الطبيعة غير المسبوقة لهذا الصراع. فقد تجاوز حجم وشدّة الهجمات الإيرانيّة، لا سيما على البنية التحتيّة المدنيّة والطاقة، الخطوط الحمر الواضحة للمملكة. وتدين البيانات السعوديّة الرسميّة هذه الهجمات بشدّة، وتؤكّد حقّ البلاد في الدفاع عن سيادتها باستخدام “جميع التدابير اللازمة”.

يشير راتني إلى أنّ المملكة السعوديّة لم تُهدّد صراحةً بالردّ الهجوميّ على إيران. يعكس هذا الغموض استراتيجية مدروسة: إظهار القوّة والردع دون التزام التصعيد.

لذا يرى أنّ “دور المملكة العربيّة السعوديّة الحاليّ دفاعيّ وردّ فعل، وليس استباقيّاً. فبينما تحتفظ بقدرات عسكريّة كبيرة ودعم شعبيّ للردّ، تدرك قيادتها تماماً تكلفة المواجهة المباشرة.

الرياض

يشدّد راتني على التزام المملكة السعوديّة ضبط النفس: “على مدى العقد الماضي، ولا سيما في إطار رؤية 2030، عملت المملكة العربيّة السعوديّة على تحويل اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط، واستثمرت بكثافة في السياحة والبنية التحتيّة والاستثمار الأجنبيّ. يُعدّ الاستقرار والأمن عنصرَين أساسيَّين لهذا التحوّل. بالتالي حرب شاملة مع إيران من شأنها أن تُهدّد ثقة المستثمرين، وتُعرقل التنويع الاقتصاديّ، وتُلحق الضرر بصورة المملكة العالميّة الناشئة كوجهة آمنة وعصريّة. لذا تُعطي الحسابات الاستراتيجيّة السعوديّة الأولويّة للاستمراريّة الاقتصادية على حساب المغامرات العسكريّة.

لكن في الوقت نفسه لا يُعدّ موقف المملكة السعوديّة محايداً بالمعنى الجيوسياسيّ الأوسع، بحسب راتني. تتشارك الرياض مع الولايات المتّحدة مصلحة قويّة في إضعاف النفوذ الإقليميّ لإيران، والحدّ من قدراتها الصاروخيّة، وإنهاء دعمها للجماعات الوكيلة. لا يوجد تعاطف يُذكر في أوساط القيادة السعوديّة مع النظام الإيرانيّ، ويُنظر إلى أيّ تراجع في مكانة إيران العسكريّة أو الاستراتيجيّة على أنّه أمرٌ مفيد.

في رأي راتني، يمكن فهم دور المملكة السعوديّة اليوم على أنّه موقف حذر، فهي مستعدّة للدفاع عن نفسها بقوّة إذا لزم الأمر

مع ذلك، لا يُترجَم هذا التوافق في المصالح إلى استعداد للمشاركة المباشرة في الحرب. يتشكّك القادة السعوديّون في أنّ الصراع سيقضي بشكل حاسم على التهديد الإيرانيّ، وهم متشكّكون في قدرة الولايات المتّحدة على حمايتهم بشكل موثوق من أيّ ردّ فعل انتقاميّ في حال انخراطهم بشكل أكبر.

إدارة العلاقات مع واشنطن

يسلّط هذا التشكّك، في رأي راتني، الضوء على بُعد رئيس آخر لدور المملكة السعوديّة: إدارة علاقتها مع الولايات المتّحدة. ترتبط البنية التحتيّة الأمنيّة للمملكة ارتباطاً وثيقاً بالأنظمة العسكريّة الأميركيّة، التدريب، والتعاون. على الرغم من هذه الشراكة العريقة، لا يوجد التزام رسميّ للولايات المتّحدة للدفاع عن المملكة السعوديّة. يُبرز الصراع الحاليّ هذه الفجوة. من وجهة نظر الرياض، بدأت الولايات المتّحدة الحرب دون استشارة شركائها الخليجيّين، وبإمكانها الانسحاب بسهولة، تاركةً إيّاهم يواجهون العواقب. وهذا يخلق مفارقة: المملكة السعوديّة تعتمد اعتماداً كبيراً على الدعم الأمنيّ الأميركيّ، لكنّها لا تستطيع الاعتماد عليه كليّاً في أوقات الأزمات.

نتيجةً لذلك، يرجّح راتني أن تسعى المملكة السعوديّة إلى مزيد من الوضوح والتأكيدات من واشنطن بدلاً من تغيير تحالفاتها جذريّاً. يستبعد أن تحلّ بدائل مثل الصين أو باكستان محلّ الدور الأميركيّ. يرجّح بدلاً من ذلك أن تضغط الرياض من أجل ضمانات أمنيّة أكثر وضوحاً.

يستبعد أيضاً أن تُسرّع الحرب التطبيع السعوديّ الإسرائيليّ، لأنّ التطبيع مشروط بالنسبة للمملكة السعوديّة بإحراز تقدّم نحو إقامة دولة فلسطينيّة، وهو شرط لا تسمح به الظروف الراهنة. وبالتالي يوجد تقارب استراتيجيّ، لكنّ الواقع السياسيّ يحدّ من التقارب الوثيق.

يؤكد راتني أنّ “النتيجة المفضّلة للمملكة السعوديّة ليست تدمير إيران، بل إضعافها وتهدئة توتّراتها. وتطمح الرياض، في أفضل الأحوال، إلى رؤية إيران أقلّ عدوانيّة، أقلّ تأثّراً بالأيديولوجية، وأقلّ قدرة على بسط نفوذها عبر الوكلاء”.

ليست الرياض متحالفة علناً مع خصوم إيران، ولا متعاطفة مع طهران، بل تسلك مساراً دقيقاً بين الردع، ضبط النفس، وتجنّب المخاطر

وفقاً له، يرى القادة السعوديّون أنّ تغيير النظام أو التحوّل الجذريّ في إيران أمر مستبعد على المدى القريب. وهم قلقون بالقدر نفسه من النقيض تماماً: انهيار الدولة. إيران الفوضويّة قد تؤدّي إلى تدفّقات لاجئين، عدم استقرار إقليميّ، وتطرّف، وكلّها عوامل تهدّد أمن الخليج. لذا يعكس نهج المملكة السعوديّة رغبةً في تحقيق نتيجة محكمة: إيران مُضعّفة لكنّها لا تزال قادرة على العمل. ويعزّز هذا التوجّه تردّدها في تصعيد الصراع، إذ إنّ الحرب المطوّلة أو المتوسّعة تزيد من خطر العواقب غير المتوقّعة والمزعزعة للاستقرار.

بالنسبة لراتني، يبقى احتمال انجرار المملكة السعوديّة إلى الحرب قائماً، لكنّه مشروط. هناك عدّة عوامل قد تغيّر حساباتها: هجوم كبير على مراكز سكانيّة مدنيّة، أو ضربات متواصلة على البنية التحتيّة الحيويّة، أو ضغوط من الولايات المتّحدة، أو عمل منسّق من دول مجلس التعاون الخليجيّ الأخرى. إضافةً إلى ذلك، قد يثير تجدّد هجمات الجماعات المدعومة من إيران، كالحوثيّين، ردّاً سعوديّاً أقوى. في مثل هذه السيناريوات، قد تجد الرياض نفسها مضطرّة إلى تجاوز موقفها الحاليّ من ضبط النفس.

الصّبر الاستراتيجيّ

أمّا الآن فيتحدّد دور المملكة السعوديّة بالصبر الاستراتيجيّ وتجنّب المخاطر. تشير إلى استعدادها للدفاع عن نفسها مع تجنّب أيّ خطوات من شأنها أن تجعلها طرفاً رئيساً في الحرب. يُعدّ هذا التوازن صعباً، لا سيما مع اختبار إيران لحدود المملكة السعوديّة وتزايد الغضب الداخليّ. مع ذلك، لا يزال يؤثّر على قراراتها عدم تقبّل القيادة للمخاطر المتجذّر في الأولويّات الاقتصاديّة ومواطن الضعف الأمنيّ.

إقرأ أيضاً: اقتراحات “دينيس روس” لضمان نجاح الحرب

يخلص إلى القول: تنظر المملكة السعوديّة إلى الحرب مع إيران من منظور براغماتيّ. تعارض تصرّفات إيران، وترحّب بإضعاف خصمها، وتحافظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتّحدة، لكنّها ليست متحمّسة للانضمام إلى القتال. هدفها الأساسيّ هو الحفاظ على استقرارها ونموّها على المدى الطويل. هذا ما يؤدّي إلى موقف دفاعيّ حذر يسعى إلى ردع العدوان دون إثارة التصعيد. في نهاية المطاف، لا يتعلّق دور المملكة بتحديد نتيجة الحرب بقدر ما يتعلّق بإدارة تبعاتها قبل وأثناء وبعد انتهاء الصراع.

مواضيع ذات صلة

بوتين في حربه الأصعب: 26 مليار دولار لهزيمة الزّمن؟

لطالما حرص الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على تقديم نفسه بوصفه تجسيداً للقوّة والحيويّة الروسيّة. منذ سنوات، ارتبطت صورته العامّة بمشاهد الصيد في سيبيريا، وركوب الخيل،…

الحرب غيّرت إيران: من الثّورة إلى الدّولة القوميّة؟

يرى الباحثان والي نصر ونرجس باجوغلي أنّ الحرب الأميركيّة–الإسرائيليّة على إيران لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة أو إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت…

جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب…

نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

صادف يوم 29 أيّار مرور ثلاثين عاماً على تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيليّة، وهو ما يتّخذه الكاتبان الإسرائيليّان نوعام غيدرون، أستاذ العلوم السياسيّة في…