لطالما ردّد “الحزب” أنّه خلف الدولة في كافة المسائل لكن باستثناء الشأن العسكري، اختصاص تحتكره الدول في الشرق والغرب، ومنها إيران. وكأن المطلوب دولة بمثابة NGO لا في المسائل الداخلية المعهودة، بل أيضاً في زمن الحروب المحتدمة بين أميركا وإسرائيل بمواجهة إيران، وبين إيران وجيرانها العرب.
ما تريده إسرائيل في لبنان معروف ومعلن لا سيما منذ 2024. العدوان متواصل و”الحزب” غير قادر على صدّه بعدما قتلت إسرائيل ابرز قادته وكوادره وسارت “حماس” بتسوية غير متكافئة. إلّا أنّ “الحزب” أراد الدخول في الحرب أو أنّه رضخ للحرس الثوري الذي يدعم “الحزب” بالسلاح والمال منذ أربعة عقود. لكن في الحالتين كان “الحزب” على دراية كاملة بالنتائج الكارثية المترتبة على البلاد وعلى بيئته المباشرة.
هذه ليست المرة الأولى التي يأخذ فيها “الحزب” البلاد رهينة لمغامراته العسكرية. انتظرت إسرائيل الفرصة، وأتتها على طبق من فضة. مرة جديدة يؤكد “الحزب” أنّ صواريخه بيد إيران، وهو يدرك أنّ إسرائيل تحارب إيران من لبنان عبر التصدي للحزب الموالي للوالي الفقيه الذي اغتالته. ولا يغيب عن الحزب ان العالم تغيّر منذ ثورة 1979 إلى اليوم وكذلك لبنان. إيران اليوم ليست في مواجهة مع أميركا وإسرائيل فحسب بل مع معظم دول العالم. ولبنان، دولة ومجتمعاً، في مكان آخر.
انتقال إيران
من الامبراطورية الفارسية إلى الدولة الوطنية، ثم إلى الدولة والثورة بطموحات امبراطورية، كان انتقال إيران بعد العام 1979 وفي عالم شديد الاختلاف عما هو عليه اليوم. في تلك المرحلة، حصل التمدد السوفياتي في أفغانستان وما تلاه من مصيبة جامعة بين واشنطن والحركات الجهادية بوجه موسكو. أخذت الصين الشيوعية موقعها في مجلس الأمن مع انحسار الحرب الباردة. العالم العربي منهمك بأولوياته، فيما مصر وإسرائيل في بدايات معاهدة سلام برعاية أميركية.
لطالما ردّد “الحزب” أنّه خلف الدولة في كافة المسائل لكن باستثناء الشأن العسكري، اختصاص تحتكره الدول في الشرق والغرب
انطلقت الجمهورية الاسلامية بقيادة الإمام الخميني بزخم كبير وفي ظروف مؤاتية. قضت على الشاه وسرعان ما أزاحت الحلفاء غير الاسلاميين. جاءت الحرب مع العراق لتزيد النظام الثوري مناعة. ثم جاء الاجتياح الأميركي عام 2003 ليفتح العراق المنقسم أمام النفوذ الإيراني.
في لبنان أخذت إيران مداها قبل الثورة، إثر التعاون الوثيق مع منظمة “فتح” التي درّبت أركان الثورة، وبعد 1979 مع إنشاء “الحزب” بدعم من الحرس الثوري. مع سوريا الأسد باتت العلاقة مع إيران استراتيجية في بعديها اللبناني والاقليمي. بايجاز، خلال سنوات معدودة استطاعت إيران الاسلامية بناء قاعدة نفوذ صلبة في العراق ولبنان وسوريا.
لم تحل طبيعة النظام وراديكالية طروحاته من دون عقد الصفقات أثناء الحرب مع العراق بالمال والسلاح مع “الشيطان الاكبر” (أميركا) والأصغر (إسرائيل). الحاجة برّرت الوسيلة. انتهت الحرب بين إيران والعراق بالعودة إلى واقع ما قبل اندلاع الحرب وبغطاء دولي واقليمي لم يدم طويلاً.
إلى جانب طموحات صدام التوسعية في الكويت ودول الخليج باسم الوحدة القومية، توسعت إيران باسم الوحدة الاسلامية. تزامن ذلك مع انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وتعاظم النفوذ الأميركي. حصل التباعد بين إيران وياسر عرفات جراء اتفاق اوسلو، ودعمت طهران التنظيمات الاسلامية الفلسطينية المناهضة لعرفات ولحل الدولتين.
ليست المرة الاولى التي تحاول فيها دولة في المنطقة بسط نفوذها الاقليمي، إلّا أنّ “صادرات” إيران تميزت بخصوصية غير مألوفة بالمقارنة مع حقبة الناصرية والحقبة الفلسطينية بعد حرب 1967. في الحالتين شكلت العروبة غطاء ملائما، افتقدته إيران.
ولاية الفقيه لا تزلم إلا مؤيديها
الواقع أنّ صورة إيران الاسلامية لنفسها تختلف عن صورة إيران ودورها من منظار الآخرين، عرباً وأجانب. على الرغم من محاولة إيران ربط نفوذها بالانتماء الديني، إلّا أنّ ولاية الفقيه لا تلزم سوى مؤيديها أنّ في الوسط الشيعي أو في أوساط المستفيدين من دعمها. لم تلقِ إيران الاسلامية تأييد مرجعية النجف لاسباب دينية ولا تأييد دول الجوار لأسباب أخرى.
في حرب 2024 خسرت الدولة وظيفة NGO في الحرب الراهنة قد تخسر دورها وموقعها كدولة
في السنوات الماضية، برزت طموحات إيران النووية وجاءت المواقف المناوئة، دولياً واقليمياً. إلى ذلك، تحولات حاسمة حصلت بين الأمس واليوم. فمن الرئيس جيمي كارتر، حامل لواء حقوق الانسان والتسوية بين العرب وإسرائيل، إلى الرئيس دونالد ترامب، رافع شعار “أميركا أولاً”، فارق كبير.
أما فرنسا التي استضافت الإمام الخميني بعد خروجه القسري من العراق، ومنها عاد إلى بلاده، فهي اليوم ومعها دول أوروبية في مواجهة مع إيران. كذلك ثمة هوة واسعة بين إسرائيل الماضي، المنشغلة بمرحلة ما بعد اتفاقية كمب ديفيد، وإسرائيل ما بعد “طوفان الاقصى”. ومن “الحزب”، بعد التحرير عام 2000 إلى القتال في سوريا إلى جانب إيران وحرب إسناد حماس، واقع آخر مختلف. من جهتها، انتقلت سوريا من الأسد إلى أحمد الشرع.
يرتكز النظام الإيراني على العقيدة الدينية بقيادة المرشد الاعلى. لكن بنظر الخارج حاكم إيران هو صاحب السلطة بمعزل عن هوية النظام وتعريفه لنفسه. القدرات النووية غير مرتبطة بالشأن الديني في حسابات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا طبعاً بتوجهات ترامب ونتنياهو وسواهما. حاربت أميركا السوفيات في افغانستان إلى جانب الاسلاميين، ثم حاربت الاسلاميين في افغانستان وخارجها، وهي تتصدى اليوم لإيران بمعزل عن طبيعة النظام، مثلما تواجه الصين وكوريا الشمالية حيث الدولة ملحدة.
حرب مفتوحة
بالعودة إلى لبنان، فإنّ الحرب الدائرة الآن مفتوحة، بلا أفق أو حدود. والسؤال هنا: كيف ستؤثر صواريخ الحزب في ردع إسرائيل ونصرة إيران وايقاف العدوان على لبنان؟ كيف ستستعاد مزارع شبعا ومحيطها بقصف قبرص ودول الخليج؟ أم أنّ الحرب وسيلة متاحة بيد الحرس الثوري على حساب الناس المشردين والمنكوبين مراراً وتكراراً؟ هل تستعاد الكرامة والسيادة بالتهجير الجماعي الذي تمارسه إسرائيل؟
في إسرائيل ملاجئ ينزح إليها الناس وصفارات انذار تدوّي. أما في لبنان فالنازح بلا ضمان اجتماعي والعملة الوطنية في الحضيض
في حرب 2024 خسرت الدولة وظيفة NGO وفي الحرب الراهنة قد تخسر دورها وموقعها كدولة. ما أوقف إسرائيل عند حدود معينة في 2024 وجود دولة في لبنان يعوّل عليها لتنفيذ القرارات الدولية المتخذة منذ 2006. هذا ما أعطى المقاومة فرصة لالتقاط الانفاس. أما اليوم فإنّ التعاطي مع لبنان يشبه تعاطي إسرائيل مع الاحتلال في غزة، حيث لا دولة ولا ضوابط.
إذا افترضنا أنّ الهزيمة آتية لأميركا وإسرائيل وأنّ إيران ستستعيد التخصيب النووي وشبكة الصواريخ والسيطرة الكاملة، فما الفائدة للبنان وللكرامة الوطنية؟
في إسرائيل ملاجئ ينزح إليها الناس وصفارات انذار تدوّي. أما في لبنان فالنازح بلا ضمان اجتماعي والعملة الوطنية في الحضيض والودائع المصرفية في الاحتجاز. إلّا أنّ المعركة مستمرة والانتحار سيد الموقف.
