كمال جنبلاط يبقى وينتصر

مدة القراءة 4 د

من الخطأ القول إنّ كمال جنبلاط كان مفكّراً سياسيّاً حالماً، وإنّ نجله وليد جنبلاط، أطال الله بعمره، على عكسه تماماً سياسيّ واقعيّ لا يقارب الأحلام ولا يسير خلفها.

 

الدقّة أنّ كمال جنبلاط كان واقعيّاً إلى أقصى الحدود. الفرق بينه وبين نجله أنّ وليد يتّبع سياسة الجلوس على حافة النهر، وأمّا كمال جنبلاط فتخصّص بالسباحة في النهر وتلمّس برودة مياهه وتحدّى انجرافاته. هذا ليس حلماً أو أحلاماً، بل منطق في التفكير ومباشرة للأحداث ومواجهتها. قد يكون وليد جنبلاط أصاب باختيار الجلوس على حافة النهر فصمد كلّ تلك السنوات بعيداً عن الاغتيال حتّى هذه اللحظة، لكنّ نجاح وليد لا يعني فشل كمال. الأخير صمد ونجا من الإلغاء والهزيمة فانتصر بدمه، وها هم أنصاره، أنصار وليد وأنصار تيمور غداً، ما يزالون يردّدون مخاطبين إيّاه: “سيبقى فينا وينتصر”.

مصافحة مكرهة

عندما توجّه وليد جنبلاط، في 21 أيّار 1977، أي بعد مرور شهرين فقط على اغتيال والده من قبل المخابرات السوريّة  في 16 آذار 1977، إلى سوريا للقاء حافظ الأسد للمرّة الأولى في حياته، صافح جنبلاط الأسد مصافحة “مكرهة” من أجل حماية “الجماعة”، كما قال جنبلاط نفسه. بادره الأسد بالقول: “بتشبه والدك كتير”. شبه الملامح الجسدية يتطابق مع شبه الثوابت الوطنيّة والقوميّة. إلّا أنّ مقاربة الاختلاف بين الأب والابن غفل الأسد الأب عن تلمّسها وإدراكها، على الرغم من الحنكة التي اشتهر بها.

كمال جنبلاط

عرف وليد جنبلاط كيف يخاصم آل الأسد عندما يجب أن يُخاصَموا، وكيف يتجنّب غدرهم عندما يجب أن يتجنّبهم. أمّا كمال جنبلاط فعرف أنّ تحدّي الأسد يوصل إلى الموت، فقال: “إنّ الحياة انتصار للأقوياء في نفوسهم لا للضعفاء”.

آمن كمال جنبلاط أنّ الضعف والتضاعف ينهيان الحياة وإن بقي الجسد يخفق بها. فالحياة بالنسبة إليه هي قرار صمود، لأنّه يؤمن أنّ الصمود مفتاح النصر، فقال: “لم نعد وحدنا في العالم، إنّما المطلوب هو الصمود”.

كمال جنبلاط، بعد 49 عاماً من وفاته، ما يزال ينتصر

قال حافظ الأسد لوفد لبنانيّ في 4 نيسان 1976 ضمّ كلّاً من نجاح واكيم وكمال شاتيلا، وذلك قبل أسابيع من اغتيال كمال جنبلاط، وبعدما هاجمه منتقداً بحدّة: “لم يحصل بعمري كلّه أن صَغُر بعيني كما صَغُر في آخر لقاء التقيته”.

إلا أنّ حقيقة الحوار الاخير بين كمال جنبلاط وحافظ الاسد رواها النائب السابق محسن دلول الشاهد على اللقاء والمقرّب من الشخصين حيث قال: “إن وصف جنبلاط مشروع حافظ الاسد بالسجن الكبير، هو ما أغضب حافظ الاسد الذي دعا للمشروع الوجودي على حساب اللبنانين كلهم وللمفارقة كان مدعوماً أنذاك من الجبهة اللبنانية.

أخبره يا نجاح

توفّي كمال شاتيلا في 26 أيّار 2023، إلّا أنّ نجاح واكيم ما زال حيّاً يُرزق وقادراً أن يُبلغ الأسد الأب في يوم من الأيّام، كونه الشاهد على ما آلت إليه الأمور، أنّ قاتل كمال جنبلاط، بعد 49 عاماً على وفاته، اعتُقل، وما يزال أنصار جنبلاط وخصومه يصفونه بالمعلّم، وما يزالون يردّدون نشيده.

السوريّون حفروا قبر حافظ الأسد، وبال الشعب عليه. يلعنون روحه في كلّ ساحة ومناسبة، حتّى في الأعراس والمباريات في الملاعب، الصغير منها والكبير.

ترتفع صور كمال جنبلاط في كلّ منازل جبل لبنان، وأمّا صورة حافظ الأسد فاقتُلعت من كلّ مكان.

إقرأ أيضاً: رحل عاشق بيروت فوزي زيدان

كمال جنبلاط، بعد 49 عاماً من وفاته، ما يزال ينتصر. سوريا باتت عربيّة أصيلة كما تمنّاها، والقضيّة الفلسطينيّة، على الرغم من المحن والدماء، بات العالم بأكثريّته يعترف بحقّ قيام دولتها، فيما لا يحقّ لنجل حافظ الأسد أن يخرج من موسكو وبردها، حيث هو رهن إقامة لا حرّيّة فيها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

رحل عاشق بيروت فوزي زيدان

عند وفاة البروفسور وفيق سنّو في 18 شباط 2022، روى الدكتور فوزي زيدان قصّة له مع الفقيد الكبير فقال: “كنت في السنة الجامعيّة الأولى أدرس…

وليد الخالدي… مؤرّخ فلسطين وحارس ذاكرتها

في زمنٍ تتعرّض فيه الذاكرة للتآكل، وتُعاد فيه كتابة التاريخ على إيقاع موازين القوى، يكتسب رحيل المؤرّخ الفلسطينيّ وليد الخالدي (1925–2026) معنى يتجاوز غياب شخصيّة…

لطفية الدليمي.. أيقونه تودّع خيبات جيلنا

صباح اليوم الأحد ٨ اذار 2026  لطفية الدليمي، في لحظة فقدان توشح بالحسرة على عراق لم ينصف  قامات زهت الدنيا بها وما أشاعته من قيم وخلق إبداعي في…

سلمى مرشاق: حين يُهزم العنف أخلاقياً

لم تكن سلمى مرشاق، في الوعي العام، مجرد “والدة” لقمان سليم. منذ لحظة اغتياله في 4 شباط من العام 2021، تحوّلت إلى صوت موازٍ لصوته،…