يرى الدبلوماسيّ والمحلّل الأميركيّ دينيس روس أنّ السياسة الأميركيّة تجاه إيران ينبغي أن تركّز على “إضعاف النظام الإيرانيّ تدريجاً بدلاً من السعي إلى إسقاطه بشكل مباشر”. ويعتبر أنّ هذا الهدف أكثر واقعيّة وقابليّة للتحقيق في ظلّ تعقيدات الداخل الإيرانيّ وتوازنات القوى الإقليميّة. قد تؤدّي محاولة تغيير النظام بالقوّة إلى حرب طويلة ومكلفة وغير مضمونة النتائج، بينما يمكن لاستراتيجية إضعاف النظام أن تقلّص قدراته العسكريّة والأمنيّة وتجعله أكثر هشاشة أمام الضغوط الداخليّة.
يُعدّ دينيس روس من أبرز الخبراء الأميركيّين في قضايا الشرق الأوسط. شغل مناصب رفيعة في السياسة الخارجيّة الأميركيّة على مدى عقود، وعمل مستشاراً ومفاوضاً في إدارات عدّة رؤساء أميركيّين، من بينهم جورج بوش وبيل كلينتون وباراك أوباما. لعب دوراً محوريّاً في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، وكان أحد أبرز منظّري السياسة الأميركيّة في المنطقة.
هدف واضح
يشير روس استناداً إلى خبرته الدبلوماسيّة الطويلة ومعرفته بتوازنات القوى الإقليميّة إلى أنّ المشكلة تكمن في أنّ الإدارة الأميركيّة قدّمت تبريرات مختلفة للحرب من دون تحديد هدف استراتيجيّ واضح، الأمر الذي قد يؤدّي إلى إطالة الصراع من دون تحقيق نتائج ملموسة.
السياسة الأميركيّة تجاه إيران ينبغي أن تركّز على “إضعاف النظام الإيرانيّ تدريجاً بدلاً من السعي إلى إسقاطه
يقول: “يفتخر الرئيس دونالد ترامب بكونه مخالفاً للقواعد، لكنّه يكتشف الآن قاعدة لا يمكنه تجاوزها: السياسة الرشيدة تتطلّب أهدافاً واضحة. لقد روّج ترامب للحرب مع إيران على أنّها فرصة لا تتكرّر للإيرانيّين لاستعادة بلادهم، وهذا يعني ضمناً تغيير النظام، إلّا أنّ طموحات الإدارة كانت في الواقع غامضة ومتضاربة. بتقديمها مجموعة من المبرّرات والنوايا المتضاربة، أهدرت الولايات المتّحدة فرصة إعلان هدف ضروريّ وقابل للتحقيق: بدلاً من تغيير النظام الإيرانيّ، ينبغي على الولايات المتّحدة إضعافه بشكل حاسم إلى درجة تجعله عاجزاً عن تهديد جيرانه أو قمع شعبه بالفعّاليّة نفسها”.

يشير روس إلى أنّ القيادة في طهران تراهن على أنّ تكلفة هذه الحرب ستتجاوز رغبة ترامب في خوضها. إذا نجا النظام الإيراني، فسيكون أكثر تصميماً على إعادة البناء والانتقام، على الأقلّ في المدى القريب. لذلك يحذّر روس من الاستهانة بصلابة النظام، إذ لا حدود لما قد يفعله قادة إيران للبقاء، كما تجلّى ذلك في مجزرة كانون الثاني التي راح ضحيّتها نحو 36,500 متظاهر إيرانيّ في الشوارع. يلفت إلى أنّ إسقاط النظام ليس مهمّة سهلة، لأنّ ذلك يتطلّب أيضاً تفكيك القوّات التي تقمع الإيرانيّين، بما فيها الحرس الثوريّ الإيرانيّ وميليشيا الباسيج السيّئة السمعة.
لهذا يرى أنّ الحملة الجوّيّة التي يشنّها البنتاغون لإضعاف هذه الجماعات عبر ضرب مقرّاتها ومراكز قيادتها ومستودعات أسلحتها ومراكز اتّصالاتها قد لا تكون كافية لتقويض القوّات التي تدعم النظام.
استراتيجية إضعاف النّظام
بدلاً من السعي المباشر إلى تغيير النظام، يقترح روس استراتيجية تقوم على مسارين متكاملين يهدفان إلى تقويض قوّة النظام تدريجاً وخلق ظروف تسمح بحدوث تغييرات داخليّة:
1- استنزاف القدرات العسكريّة: يركّز على تقليص القوّة العسكريّة الإيرانيّة التي تمثّل أحد أهمّ مصادر نفوذ النظام في الداخل والخارج. ويشمل ذلك استهداف مستودعات الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنشآت التي تنتج هذه الأسلحة. يعتمد النظام الإيرانيّ على ترسانة صاروخيّة كبيرة وعلى برامج تطوير الطائرات المسيّرة لتعزيز قدرته على الردع، ويستخدم هذه القدرات لدعم حلفائه الإقليميّين وإظهار نفوذه في المنطقة. لذلك ضرب هذه المخزونات يمكن أن يحدّ من قدرة إيران على ممارسة الضغط العسكريّ.
حقّق الجيش الإسرائيليّ بعض النجاح باستخدام الطائرات المسيّرة في ضربات استراتيجيّة ضدّ قوّات أمن النظام
لكنّ روس يشدّد على أنّ ضرب المخزون الحاليّ لا يكفي، لأنّ إيران قد تعيد بناء ترسانتها بسرعة. لهذا ينبغي أيضاً استهداف المصانع والمنشآت الصناعيّة التي تنتج الأسلحة، بحيث يصبح من الصعب على إيران إعادة بناء قدراتها العسكريّة خلال فترة قصيرة. يرى أنّ أجهزة الاستخبارات الأميركيّة والإسرائيليّة تمتلك معلومات كافية لتنفيذ ضربات دقيقة ضدّ هذه المنشآت لإضعاف القدرات العسكريّة الإيرانيّة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
2- استهداف القيادة الإيرانيّة وتقويض تماسك القيادة السياسيّة والعسكريّة للنظام الإيرانيّ: يعتمد النظام بشكل كبير على شبكة من القيادات العسكريّة والأمنيّة التي تدير أجهزة الدولة وتضمن استمرار السيطرة على المجتمع. ولا بدّ أن تشعر هذه القيادات بأنّها معرّضة لضغوط مستمرّة، بحيث لا تتمكّن من العمل بحرّية أو الشعور بالأمان الكامل. وعلي لاريجاني، المسؤول الرفيع الذي وجّه أخيراً تهديداً لحياة ترامب قائلاً: “احذر أن تُقتل أنت أيضاً”، لا ينبغي أن يشعر بالأمان عند إلقاء الخطابات أو عقد الاجتماعات. لا ينبغي أيضاً أن يشعر عبّاس عراقجي، وزير الخارجيّة الإيرانيّ، بالراحة عند إجراء المقابلات.
تعطيل الاتّصالات
يدعو روس إلى تعطيل الاتّصالات بين القيادة الإيرانيّة وقوّاتها الأمنيّة، فإرباك منظومة القيادة والسيطرة قد يؤدّي إلى خلق حالة من عدم اليقين داخل المؤسّسة العسكريّة، الأمر الذي قد يضعف معنويّات الضبّاط والجنود، ومن الممكن أن يؤدّي هذا الوضع إلى ظهور انشقاقات داخل الأجهزة الأمنيّة. إذا بدأ بعض أفراد الجيش أو الحرس الثوريّ الاعتقاد أنّ النظام يضعف وأنّ مستقبله غير مضمون، فقد يتردّدون في الاستمرار بالدفاع عنه بالقوّة نفسها. وقد يبدأ بعض المسؤولين التشكُّك في جدوى السياسات الحاليّة، خاصّة إذا أصبحت كلفتها الاقتصاديّة والعسكريّة مرتفعة. وقد يُقنع عدد كافٍ من الجنود المنشقّين كبار رجال الدين والجنرالات بأنّ إيران ستنزلق إلى الفوضى ما لم يُجروا تغييرات في طريقة تعاملها مع شعبها وجيرانها.
يشير روس إلى أنّ القيادة في طهران تراهن على أنّ تكلفة هذه الحرب ستتجاوز رغبة ترامب في خوضها
يقول: “قد يبدو هذا مستبعداً، لكن بعد حرب إيران وإسرائيل التي استمرّت 12 يوماً في حزيران الماضي، تساءل أعضاء النخبة الإيرانيّة علناً عمّا إذا كان الاستثمار في البنية التحتيّة النوويّة والوكلاء الإقليميّين لا يزال مجدياً، بل إنّ المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي كان يخشى ظهور شخصيّة في إيران على شاكلة غورباتشوف خاصّ بها، شخص في السلطة يؤمن بأنّ السبيل الوحيد لإنقاذ الجمهوريّة الإسلاميّة هو إجراء إصلاحات جذريّة”.
يرى روس أنّه إذا كانت الولايات المتّحدة تأمل نشوء انتفاضة شعبيّة ضدّ نظام ضعيف، فعليها أن تقدّم دعماً أكثر جدّية للشعب الإيرانيّ. ويشير إلى أنّ بعض المقترحات التي تدعو إلى تسليح بضعة آلاف من أفراد الأقليّة الكرديّة في إيران، كما اقترح البعض، لن تكون كافيةً. يتميّز الشعب الإيرانيّ بتنوّع عرقيّ واضح وهويّة وطنيّة راسخة، وقد يثير تسليح الأكراد الإيرانيّين بمعزل عن غيرهم ومن دون حماية عامّة الشعب الإيرانيّ ردّ فعل شعبيّاً عنيفاً.
التّوغّل قاتل
في الوقت نفسه، يتشكّك روس في احتمال نشر قوّات برّيّة أميركيّة لتأمين وتدمير الأصول النوويّة، وربّما لتسليح وحماية معارضي النظام، ويعتبره خياراً مستبعداً بالنسبة لترامب، الذي ينتقد بشدّة أسلافه لانخراطهم في بناء الدول عبر “حروب لا تنتهي”، تُذكّر بالغزوات الأميركيّة المأساويّة للعراق وأفغانستان، التي باتت الآن عبرة للآخرين.
يقول روس: إذا كانت الولايات المتّحدة وإسرائيل تأملان سقوط نظام مُنهك في يد معارضة إيرانيّة، فلا بدّ من تمكين خصوم إيرانيّين للمرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي جديرين بالثقة. ربّما ينتظر الإيرانيّون الذين يشعرون برغبة في تنظيم انتفاضة معرفة كيف ستدعمهم الولايات المتّحدة وتحميهم، لا سيما مع استمرار قوّات الأمن الإيرانيّة بتسيير دوريّاتها في الشوارع. فهل تستطيع الولايات المتّحدة ضرب هذه القوّات دون قتل مدنيّين؟
المشكلة تكمن في أنّ الإدارة الأميركيّة قدّمت تبريرات مختلفة للحرب من دون تحديد هدف استراتيجيّ واضح
يضيف: حقّق الجيش الإسرائيليّ بعض النجاح باستخدام الطائرات المسيّرة في ضربات استراتيجيّة ضدّ قوّات أمن النظام، لكنّ الولايات المتّحدة لم تضرب بعد عناصر الباسيج والحرس الثوريّ الإيرانيّ المتجوّلين، إمّا لصعوبة ذلك أو لاعتباره غير ذي أهميّة مقارنة بضرب ترسانات ومصانع أسلحة النظام. ولكن إذا كانت إدارة ترامب تأمل أن يتحدّى الإيرانيّون هذا النظام، فسيتعيّن على الولايات المتّحدة أن تُظهر استعدادها لبذل المزيد لحماية من يفعلون ذلك.
يعتقد روس أنّ “هذه الجهود قد لا تُنهي نظام إيران البغيض والقمعيّ، لكنّ تدمير جزء كبير من قدرة إيران على بسط نفوذها، ومهاجمة قوّات الأمن التي تقمع الشعب الإيرانيّ، سيُعجّلان بلا شكّ في انهيار النظام. عندما يُعاني جنود النظام من الضربات المتواصلة نفسها، نقص المياه والكهرباء، وانهيار العملة الذي يعاني منه بقيّة الشعب، قد يقلّ ميلهم إلى إراقة الدماء، ويصبحون أقلّ استعداداً للمخاطرة بحياتهم للدفاع عن نظام يزداد ضعفاً وانقساماً”.
