يستبعد أكبر غانجي أحد أبرز الصحفيين والمعارضين الإيرانيين المعاصرين “أي تغيير سريع” في النظام الإيراني، ويؤكد أن أي “تحول سياسي لا يمكن أن يتحقق عبر التدخل العسكري الخارجي، بل من خلال عملية داخلية يقودها المجتمع الإيراني نفسه.
في مقال له في “فورين افيرز” أشار في بدايته الى أنه يكتب لا بصفته صحفياً، بل أيضاً كشخص كان عضواً في الحرس الثوري الإيراني بين عامي 1980 و1985، قبل أن يصبح معارضاً سياسياً وسجين رأي في سجن ايفين بين عامي 2000 و،2006، يقدّم غانجي استناداً الى تجربته الشخصية داخل الجمهورية الإسلامية وفي سجونها لاحقاً التي علمته أن لحظات انتقال القيادة تكشف غالباً أعمق تناقضات النظام، قراءة نقدية لمسألة خلافة القيادة في إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ويطرح أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام السياسي في إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى وصعود نجله محتبى خامنئي.
يعتبر غانجي “إن اغتيال المرشد الأعلى لإيران لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل لحظة سياسية حاسمة دفعت النظام الإيراني إلى تسريع عملية اختيار خليفة له. وبالتالي لم يكن قرار اختيار نجله نتاج الكفاءة الدينية أو السياسية بقدر ما كان محاولة للحفاظ على استمرارية النظام بعد الضربات التي أضعفت قياداته العسكرية والدينية. وكان الضغط الخارجي العامل الأكثر تأثيراً في هذا القرار. فقد ساهمت تصريحات الرئيس الأميركي التي تحدث فيها عن إمكانية التأثير في اختيار المرشد الإيراني الجديد، إلى جانب التهديدات الإسرائيلية باغتيال أي قائد جديد، في دفع النخبة الحاكمة في إيران إلى اتخاذ موقف تحدٍ واضح.”
بالنسبة للنظام بحسب غانجي، لم تعد قضية الخلافة مسألة داخلية فحسب، بل أصبحت اختباراً للسيادة الوطنية. ومن هنا، تحوّل اختيار مجتبى خامنئي إلى رسالة سياسية بحد ذاته. فتنصيب نجل القائد الذي اغتيل كان يهدف إلى إظهار أن إيران لن ترضخ للضغوط الخارجية، حتى وإن كان ذلك يعني تجاوز بعض المبادئ التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية.
يرجّح أن تستمر إيران في سياستها المتشددة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل
مع ذلك، يشير غانجي إلى أن هذا القرار كان سيواجه معارضة واسعة لو جرى في ظروف طبيعية. فالكثير من الإيرانيين ينظرون إلى مجتبى خامنئي بوصفه امتداداً لسياسات والده القمعية. كما أن التيارات الإصلاحية والمعتدلة داخل النظام، التي يمثلها سياسيون مثل الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني كانت تفضّل شخصية أكثر اعتدالاً قادرة على تحقيق توافق وطني. لكن الحرب غيّرت المعادلة. ففي ظل القصف الخارجي وتصاعد التوترات، أصبح الاستقرار أولوية لدى كثير من الإيرانيين، حتى وإن جاء ذلك على حساب الإصلاح السياسي.
يشير غانجي الى أن بعض المواطنين حتى الذين قبلوا بمجتبى خامنئي بوصفه رمزاً للمقاومة الوطنية، فضلوا النظام القائم، بكل عيوبه، على الفوضى أو التدخل الخارجي. فظروف الحرب حدّت من احتمالات الاحتجاج الشعبي. ففي الأوضاع العادية، كان من الممكن أن يثير انتقال السلطة إلى نجل المرشد جدلاً واسعاً وربما احتجاجات كبيرة، إذ كان كثيرون سيعتبرون ذلك دليلاً على تحوّل النظام من جمهورية ثورية إلى حكم شبه وراثي. لكن أجواء الطوارئ الأمنية أغلقت المجال العام وأضعفت قدرة المجتمع على التعبير عن معارضته. كما استفاد المتشددون داخل النخبة الحاكمة من هذه الظروف لتعزيز نفوذهم. وامتلكت نفوذاً مباشراً داخل مجلس الخبراء، حيث يعتمد كثير من أعضائه على الحرس الثوري في حمايتهم.

ينتقد غانجي الاعتقاد بأن اغتيال القادة الإيرانيين يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام. فالجمهورية الإسلامية، بحسب تحليله، طورت آليات مؤسسية لضمان استمرار الحكم حتى في حال فقدان قياداته. كما أن البنية التنظيمية اللامركزية للحرس الثوري تمنح النظام قدرة على الصمود أمام محاولات “قطع رأس القيادة”.
ينتقد غانجي الاعتقاد بأن اغتيال القادة الإيرانيين يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام
ويكتب: بالطبع،قد ينفذ ترامب أو المسؤولون الإسرائيليون تهديداتهم ويحاولون اغتيال مجتبى. ولكن كما أن قتل والده لم يُشعل انتفاضة ضد النظام أو يُؤدي إلى انهياره، فإن رحيل مجتبى لن يُحقق الكثير من أهداف الحرب الأميركية أو الإسرائيلية. بل على العكس، من المرجح أن يعزز ذلك قاعدة الدعم الديني للنظام، ويدفع القادة العسكريين إلى تكثيف الحرب، ويتردد صداه في المجتمعات الشيعية في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وسيرى الشيعة في ذلك مثالاً آخر على اضطهادهم من قبل قوى أجنبية، وهي رواية تعود إلى عهد الدولة الأموية في القرن السادس. وحتى لو انتهجت الولايات المتحدة وإسرائيل استراتيجية استئصالية شاملة، على أمل أن ينفد لدى النظام بدائل، فإن التخطيط الدقيق للخلافة والهيكل اللامركزي للحرس الثوري يوفران احتياطيات كافية لمنع انهيار الدولة الإيرانية.
يطرح اربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام الإيراني:
-السيناريو الأول هو استمرار النظام في شكله الحالي تحت قيادة مجتبى خامنئي. وفي هذه الحالة من المرجح أن يسير القائد الجديد على نهج والده في إدارة الدولة. فيركز على تعزيز دور المؤسسات الأمنية وتوسيع نفوذ الحرس الثوري وتشديد الرقابة على الإعلام والإنترنت، إضافة إلى تكثيف قمع المعارضة الداخلية. وعلى الصعيد الخارجي، يرجّح أن تستمر إيران في سياستها المتشددة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
-أما السيناريو الثاني فيتمثل في تعاظم نفوذ الحرس الثوري داخل النظام السياسي. فالحرب والضغوط الأمنية تمنح المؤسسات العسكرية دوراً أكبر في إدارة الدولة. وبما أن الحرس الثوري يمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً، فإن دوره قد يصبح أكثر مركزية في عملية صنع القرار.
مستقبل إيران لن يُحسم في واشنطن أو تل أبيب ولا حتى داخل مؤسسات السلطة الدينية، بل في المجتمع الإيراني نفسه
– السيناريو الثالث والأكثر جذرية يتمثل في تحول النظام تدريجياً إلى حكم عسكري فعلي. ففي هذا السيناريو وقد يقرر الحرس الثوري الاستغناء عن ولاية الفقيه تماماً، وأن يتولى زمام الحكم بالكامل، محولاً البلاد إلى دكتاتورية عسكرية تتخلى عن الواجهة الدينية لكنها تحتفظ بالسلطة الاستبدادية. فيتراجع الدور الحقيقي للمؤسسة الدينية، بينما يحتفظ الحرس الثوري بالسلطة الفعلية، مع بقاء الهياكل الدينية كواجهة رمزية تمنح النظام شرعية سياسية.
-أما السيناريو الرابع والأبعد مدى فيتمثل في تغيير سياسي داخلي يقوده المجتمع الإيراني نفسه. ويرى غانجي أن المشكلات العميقة التي تواجه إيران، من الاستبداد السياسي إلى الأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية، قد تدفع الإيرانيين في نهاية المطاف إلى المطالبة بنظام سياسي مختلف. وهذا التحول لا يمكن أن يتحقق عبر التدخل العسكري الخارجي، بل من خلال عملية داخلية يقودها المجتمع الإيراني نفسه.
إقرأ أيضاً: لماذا لم يظهر مجتبى خامنئي بعد؟
يؤكد غانجي أن أياً من هذه السيناريوهات سواء استمرار الحكم الديني أو تصعيد الضغوط العسكرية الخارجية لن يحل المشكلات العميقة التي يعاني منها المجتمع الإيراني. فالإيرانيون، بحسب رأيه، يقفون بين نظام سياسي قمعي من جهة وضغوط وحروب خارجية من جهة أخرى. ويخلص إلى أن مستقبل إيران لن يُحسم في واشنطن أو تل أبيب، ولا حتى داخل مؤسسات السلطة الدينية، بل في المجتمع الإيراني نفسه. وحده تحول ديمقراطي يقوده الإيرانيون نحو نظام يقوم على الحرية وحقوق الإنسان وسيادة القانون يمكن أن يفتح الباب أمام مستقبل مختلف للبلاد.
لقراءة النص الأصلي:
