حذّر قادة عسكريّون أميركيّون سابقون من المخاطر التي قد تواجه القوّات الأميركيّة والقوى الحليفة لها في المنطقة إذا أعطى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الضوء الأخضر لشنّ ضربات ضدّ طهران.
عرض ديفيد بترايوس، الجنرال المتقاعد في الجيش الأميركيّ الذي قاد القوّات الأميركيّة في العراق وأفغانستان، وشغل أيضاً منصب مدير وكالة المخابرات المركزيّة، مجموعة الخيارات العسكريّة والتقويمات الاستخباريّة التي يُرجّح أن تُقدّم للرئيس دونالد ترامب مع تصاعد التوتّرات مع إيران بدلاً من خيارٍ ثنائيّ بين الضربة أو عدم الضربة.
في أدنى هذه الخيارات توجد الضربات المحدودة أو “الاستعراضيّة”، وهي هجمات مُوجّهة على منشآت عسكريّة إيرانيّة مُحدّدة تهدف إلى توجيه رسالة ردع دون إشعال حرب شاملة، وتهدف أيضاً إلى استعادة الصدقيّة أو الردّ على الاستفزازات مع الحفاظ على مجالٍ لخفض التصعيد.
أمّا الخيارات الأكثر عدوانيّة فقد تشمل استهداف القيادة العسكريّة الإيرانيّة العليا، وهي خطوةٌ محفوفة بالمخاطر، ومن المرجّح أن تُثير ردّاً مباشراً. وهناك احتمال شنّ حملة جويّة وصاروخيّة متواصلة تهدف إلى إضعاف القوّات الصاروخيّة الإيرانيّة، ودفاعاتها الجوّيّة، والأصول المرتبطة بالحرس الثوريّ الإسلاميّ.
حذّر قادة عسكريّون أميركيّون سابقون من المخاطر التي قد تواجه القوّات الأميركيّة والقوى الحليفة لها في المنطقة إذا أعطى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الضوء الأخضر لشنّ ضربات ضدّ طهران
تُعدّ العمليّات البحريّة جزءاً لا يتجزّأ من المعادلة، فحماية خطوط الملاحة التجاريّة والتصدّي لأيّ عمليّات زرع ألغام إيرانيّة محتملة في مضيق هرمز يُشكّلان عناصر حاسمة في أيّ ردّ أوسع.
أكّد بترايوس أنّ التخطيط العسكريّ يسير وفق سلّم تصعيديّ. إذ تُعرض على صانعي القرار خطوات متدرّجة، تحمل كلّ منها مخاطرها وعواقبها المحتملة، مشيراً إلى أنّ أيّ مسار عمل سيعتمد اعتماداً كبيراً على المعلومات الاستخباريّة من مصادر بشريّة، اتّصالات مُعترَضة، صور الأقمار الصناعيّة، وتقارير المصادر المفتوحة، على الرغم من أنّه نادراً ما تكون المعلومات الاستخباريّة كاملة أو موثوقة تماماً.
حذّر بترايوس من أنّ غموض المداولات الداخليّة الإيرانيّة قد يؤدّي الى سوء فهم النوايا، وبالتالي إلى عواقب وخيمة. وتزيد التسريبات، التلميحات السياسيّة، والخطابات العامّة من ضبابيّة التقويمات.
حتّى لو كانت الخيارات العسكريّة ممكنة، لكنّها ليست بلا قيود، بحسب بترايوس الذي نبّه إلى محدوديّة الوصول إلى القواعد العسكريّة الإقليميّة، وحذّر حلفاء الولايات المتّحدة من الانجرار إلى صراع أوسع، سيما أنّ هناك عوامل لوجستيّة، حقوق التحليق، والدعم الدبلوماسيّ ستؤثّر على ما يمكن تحقيقه واقعيّاً، إلى جانب احتمال لجوء إيران إلى أدواتها والعمل عبر وكلاء إقليميّين، وشنّ ضربات صاروخيّة، وتنفيذ عمليّات إلكترونيّة، أو تعطيل حركة الملاحة البحريّة. وبالتالي أيّ ضربة أميركيّة حتّى لو كانت ناجحة تكتيكيّاً قد تُثير ردود فعل انتقاميّة على جبهات متعدّدة من العراق وسوريا إلى الخليج.
رأى بترايوس أنّ ترامب كان محظوظاً لأنّ العمليّات العسكريّة الكبرى خلال ولايته الثانية لم تسفر حتّى الآن عن خسائر كبيرة في صفوف القوّات الأميركيّة
ما الهدف؟
نبّه بترايوس إلى خطر الآثار الثانويّة. فقد تتحوّل عمليّة تهدف إلى إرسال إشارة محدودة إلى تبادل مستمرّ للهجمات. وقد تتدخّل جهات إقليميّة فاعلة. وقد تشهد أسواق الطاقة ردود فعل حادّة. قد تُضيّق الضغوط السياسيّة الداخليّة من جميع الأطراف هامش خفض التصعيد. قال إنّ السؤال لا يقتصر على ما يمكن للولايات المتّحدة ضربه، بل يتعدّاه إلى ما يلي الضربة. فما هو الهدف السياسيّ؟ هل الهدف هو العقاب؟ الردع؟ إجبار الطرف الآخر على تغيير سلوكه؟ أم إضعاف النظام نفسه؟
في رأيه، من دون هدف نهائيّ واضح المعالم، حتّى العمليّة العسكريّة الناجحة تُخاطر بالفشل الاستراتيجيّ، فالنجاح التكتيكيّ لا يُترجَم تلقائيّاً إلى استقرار طويل الأمد. لم يدعُ بترايوس إلى مسار عمل مُحدّد، بل شدّد على الحذر، وضوح الهدف، وإدراك التعقيد، وألمح إلى أنّ أهمّ القرارات في المواجهات بين الدول غالباً ما تكون تلك التي تُتّخذ بعد الخطوة الأولى.
رأى بترايوس أنّ ترامب كان محظوظاً لأنّ العمليّات العسكريّة الكبرى خلال ولايته الثانية لم تسفر حتّى الآن عن خسائر كبيرة في صفوف القوّات الأميركيّة. وأوضح أنّ عمليّة القبض على مادورو كانت “أكثر خطورة ممّا يدركه الناس”. وتابع: “بالمقارنة مع عمليّة أسامة بن لادن التي كنت خلالها قائداً للقوّات في أفغانستان، أي أنّني كنت شاهداً على كلّ شيء، كانت هذه العمليّة محفوفة بالمخاطر كثيراً. فخلال عمليّة مادورو، أفادت التقارير أنّ مروحيّة من طراز MH-47 شينوك، تقلّ عناصر من قوّات دلتا التابعة للجيش الأميركيّ، تعرّضت لإطلاق نار. أُصيب الطيّار، الذي ساهم في تخطيط العمليّة، بثلاث رصاصات في ساقه، وكافح للحفاظ على تحليق المروحيّة، وتمكّن في نهاية المطاف من إتمام المهمّة، إلّا أنّ الإصابات التي لحقت به والأضرار التي لحقت بمروحيّة شينوك تُشير إلى المخاطر التي واجهتها القوّات الأميركيّة المشاركة في هذه الغارة الجريئة.
قال بترايوس إنّه كان واضحاً وقوع “اشتباكات عنيفة” خلال غارة مادورو، ومقتل أكثر من 30 عنصراً من القوّات الخاصّة الكوبيّة خلال العمليّة، وأشار إلى أنّه على الرغم من أنّ القوّات الأميركيّة هي “الأفضل في العالم في هذا النوع من العمليّات”، إلّا أنّ هناك حالات “يُساعد فيها الحظّ”.
أعرب رئيس هيئة الأركان الأميركيّة المشتركة المتقاعد الجنرال دان كين عن مخاوفه بشأن حجم المهمّة العسكريّة المحتملة ضدّ إيران وتعقيدها، واحتماليّة وقوع خسائر بشريّة أميركيّة فيها، وشدّد كين على أنّ أيّ هجوم على إيران ينطوي على “احتمال التورّط في صراع طويل الأمد”، مؤكّداً أنّ “فرص النجاح غير مؤكّدة”.
حذّر كين “من مخاطر انزلاق الولايات المتّحدة إلى صراع إقليميّ ممتدّ قد يتجاوز استهداف البرنامج النوويّ الإيرانيّ، ويستنزف القدرات العسكريّة الأميركيّة في وقت تواجه فيه واشنطن التزامات عسكريّة أخرى”. وأشار كين إلى أنّ “النقص في الأسلحة الرئيسة ومحدوديّة دعم الحلفاء عوامل خطر كبيرة لأيّ عمليّة وللأفراد الأميركيّين”.
أشار ستافريديس إلى أنّ ترامب يدرس شنّ ضربات جديدة على إيران، مستنداً إلى نجاح العمليّات العسكريّة التي نفّذها خلال العام الماضي
وافق الفريق المتقاعد بن هودجز، القائد العامّ السابق لجيش الولايات المتّحدة في أوروبا، على أنّ “الحظّ يلعب دوراً في أيّ عمليّة عسكريّة”، وعزا نجاح العمليّات العسكريّة في عهد ترامب الثاني حتّى الآن إلى “احترافيّة القوّات المشاركة، إلى جانب الحظّ”.
أمّا الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لقوّات حلف شمال الأطلسيّ (الناتو)، فأوضح أنّه يفضَّل أن تكون الهجمات مفاجئة، محذّراً من أنّ “احتمالات خسارة الطائرات بشكلٍ كبير ستتضاعف عندما يكون الهجوم مُعلناً بوضوحٍ تامّ”.
رأى أنّ قدرات الدفاع الجوّيّ الإيرانيّة، على الرغم من تراجعها وضعفها بشكلٍ كبير، لا تزال قادرة على إسقاط الطائرات المهاجمة إذا لم نُضعفها تماماً في الوقت الفعليّ استعداداً للضربات المقبلة. وهذا يعني استخدام أنظمةٍ غير مأهولةٍ للهجوم أوّلاً، استخدام الفضاء الإلكتروني لتعطيل قدراتها، نشر طائرات تشويش إلكترونيّ، واستخدام صواريخ مضادّة للإشعاع لتدمير راداراتها.
إقرأ أيضاً: الحمام المسيّر أحدث أسلحة بوتين ضدّ أوكرانيا
أشار ستافريديس إلى أنّ ترامب يدرس شنّ ضربات جديدة على إيران، مستنداً إلى نجاح العمليّات العسكريّة التي نفّذها خلال العام الماضي، وضربات حزيران الماضي على مواقع نوويّة رئيسة في إيران، وعلى نجاح العمليّة التي جرت في كانون الثاني الماضي وأسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويليّ نيكولاس مادورو. لكنّ هذا، في رأيه، يثير تساؤلات عمّا إذا كان الرئيس، الذي يتباهى باستمرار بنتائج هذه العمليّات، مفرط الثقة قبل الإقدام على عمل عسكريّ محتمل آخر.
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
