نزع “ثروات الأزمة” أصعب من نزع السلاح

مدة القراءة 5 د

مرّ الوقت سريعاً منذ نيسان الماضي. كانت “اجتماعات الربيع” لصندوق النقد والبنك الدوليين حينها أوّل إطلالة مالية دولية لعهد الرئيس جوزاف عون وحكومته الأولى. ذهب حينها وفد من أكبر وفود الدول على الإطلاق ليقدّم لبنان بصورة العازم على تغيير صورته، وأنجده مجلس النواب بإقرار قانون السريّة المصرفية كدفعةٍ على حساب حسن النيّة.

 

 

مع دخول الأسبوع الثاني من أيلول، يقترب الموعد الداهم لاجتماعات الخريف في 18 تشرين الثاني المقبل، أي بعد نحو خمس أسابيع ، ومعها تنتهي فترة السماح ويبدأ اختبار الفصل بين “قولنا” و”العمل”.

منذ اليوم الأول، كان من الواضح أن نجاح العهد من عدمه يحدده ملفان محكومان بالجمود من عقودٍ أو سنوات: سلاح “حزب الله” وآثار العدوان الإسرائيلي من جهة، والأزمة المالية المصرفية من جهة أخرى.

في الملف الأول، يُحسب للعهد إنهاء شرعية السلاح في الخطاب الرسمي، بإسقاطه ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” من خطاب القسم والبيان الوزاري، وإحلال مبدأ “حصر السلاح” بيد الدولة. لكن مسار التنفيذ يسلك طريقاً وعرة. أما الملف الثاني، فقد بدا الآن أن تحقيق الاختراق فيه ليس أقل صعوبة، بل إن نزع الأموال التي حصدها “أثرياء الأزمة” يكاد لا يقل صعوبة عن نزع السلاح، لما لهم من نفوذ وامتدادات في الداخل والخارج.

مرّ الوقت سريعاً منذ نيسان الماضي. كانت “اجتماعات الربيع” لصندوق النقد والبنك الدوليين حينها أوّل إطلالة مالية دولية لعهد الرئيس جوزاف عون وحكومته الأولى

يُحسب للعهد وحكومته الأولى أنهما رسما خريطة طريقٍ بدأت بإقرار قانون السريّة المصرفية، بما يلبّي ما تيسّر من شروط صندوق النقد الدولي، ثم بإقرار قانون معالجة أوضاع المصارف، بولادةٍ من الخاصرة تبقى معلّقةً على الخطوة الثالثة والأهم، وهي إقرار ما يُعرف باسم “قانون الفجوة المالية”.

غير أن الخطوة المفصليّة محكومة بموعد اجتماعات الخريف في واشنطن. إذ من المنتظر أن يتمثّل لبنان بوفد عريض مماثل للوفد الذي شارك في اجتماعات الربيع. وإذا كان إقرار قانون السريّة المصرفية قد سمح للوفد اللبناني حينها بالحديث إلى صندوق النقد والمؤسسات الدولية من موقع الواثق والواعد، فإن ما تحقق منذ ذلك الحين هزيلٌ وغير كافٍ لتقديم أوراق اعتمادٍ تسمح بإطلاق مفاوضات جدية مع الصندوق، تعيد لبنان إلى أسواق رأس المال الدولية، وتنهي الوضع الاستثنائي للمالية العامة. بل إن عدم تحقيق تقدّم رغم وجود كفاءات اقتصادية ومالية على مستوى دولي رفيع في الحكومة، يطرح علامات استفهامٍ حول عمق المعوقات التي تواجههم. إذ من المؤكد أن العائق ليس نقصاً في الخبرات أو في الرغبة والإرادة.

من الواضح أن تأخر إقرار قانون الفجوة المالية ليس مسألة تقنية، بل هو ناتج عن الصراع بين مراكز القوى النافذة، ليس فقط على كيفية توزيع الخسائر، بل على مكاسبها والثروات التي حصدها “أثرياء الأزمة” وما يزالون، بعشرات مليارات الدولارات. فهؤلاء يريدون إبعاد النقاش عن ثرواتهم بوصفها حقوقاً مكتسبة أو شطارةً في الاستفادة من فجوات القانون الذي لا يحمي المغفلين. وبذلك يُعاد تعريف المتضررين من الأزمة كـ”مغفلين”، وأثرياء الأزمة كـ”شُطّار”.

ليس من المبالغة المقارنة بين صعوبة نزع السلاح وصعوبة نزع الأموال من أثرياء الأزمة. فتوزيع الخسائر يعني تحديد الخاسرين والفائزين داخل النظام

فما هي اللوبيات التي تشد الحبال في المرحلة الحرجة؟

  1. لوبيات المصارف: التي لا تريد أن يتحمل مساهموها عبء ضخ رساميل جديدة لإطفاء الخسائر في إطار عملية إعادة الهيكلة. بل تضغط لتوزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمودعين.
  2. لوبيات كبار المقترضين: الذين استفادوا من سداد عشرات مليارات الدولارات بمبالغ بخسة، إما بالاستفادة من هرطقة السماح بسداد القروض الدولارية بالليرة اللبنانية على سعر الصرف القديم، وإما عبر تجارة الشيكات الجائرة. وهؤلاء يقاومون كل الصيغ المطروحة لاستعادة مكاسبهم أو جزءٍ منها، أو حتى إخضاعها لضريبةٍ استثنائية (windfall tax) بأثر رجعي.
  3. لوبيات التجار: الذين استفادوا من الفساد الواضح في سداد ضريبة القيمة المضافة على أساس سعر الصرف الرسمي القديم، في حين أنهم كانوا يبيعون منتجاتهم المستوردة على أساس سعر صرف السائد في السوق. والفضيحة الكبرى في هذا المجال واضحة للعيان في قطاع المحروقات، ومن السهل- تقنياً- إقرار تشريع لاستعادة تلك المبالغ التي تم تفويتها على الخزينة بتواطؤٍ أو تكاسل عن حماية المال العام.
  4. وأخيراً، “اليسار الجديد”: الذي يتمسك “بدوغمائية” بتحييد الدولة عن المسؤولية، ويريد توزيع الخسائر بين أصحاب المصارف والمودعين، متجاهلاً أن الدولة جنت من الأزمة مكاسب لا تقلّ عن مئة مليار دولار حتى اليوم، من خلال تذويب نحو 60 مليار دولار من قيمة الدين العام بالليرة، وتوقفها عن خدمة فوائد اليوروبوندز، وتآكل قيمة الرواتب والأجور في القطاع العام.

إقرأ أيضاً: الاقتصاد اللّبنانيّ: مواجهة الأزمة أو الانتحار البطيء

في مواجهة هذه اللوبيات، ليس من المبالغة المقارنة بين صعوبة نزع السلاح وصعوبة نزع الأموال من أثرياء الأزمة. فتوزيع الخسائر يعني تحديد الخاسرين والفائزين داخل النظام، بين قوى السلطة (الدولة) والمصارف والمودعين ومصرف لبنان. وإذا كان من الصعب على من التكنوقراط أن يحسموا صراعاً يتجاوز ما هو تقني، فإن حسم صراعٍ كهذا يصبح أكثر صعوبة كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية.

مواضيع ذات صلة

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

استيقظت طهران صباح السبت لتكتشف أنّ إمبراطوريّة “العمق الاستراتيجيّ” التي بناها الحرس الثوريّ عبر خمس مناطق زمنيّة، من المقرّات الخاصّة في بيروت إلى القصر الرئاسيّ…

“غزوة كراكاس”: عالم بلا خطوط حمر؟

في عتمة الليل فوق كراكاس، تسلّلت وحدات كوماندوس أميركيّة نخبويّة إلى قصر الرئيس الفنزويلّيّ لتخرج بعد ساعات بالغنيمة القصوى: نيكولاس مادورو، الرجل القويّ في فنزويلّا…

تقسيم المقسَّم من السّودان إلى اليمن

يدخل العالم العربيّ من المحيط الأطلسيّ إلى الخليج العربيّ مرحلة جديدة من مراحل عمليّة “تقسيم المقسَّم وتجزئة المُجزَّأ”. هناك ثلاث دول عربيّة تخضع في الوقت…

تفكيك اليمن… مقامرة انتحاريّة؟

وسط انهيار التوازنات في الإقليم وتسارع مشاريع التفكيك، لم يعد العبث بوحدة الدول احتمالاً نظريّاً أو ورقة ضغط تفاوضيّة، بل بات فعلاً سياسيّاً مكتمل الأركان….