التطبيع السوري بالشروط السعودية؟

مدة القراءة 3 د

مع أنه رئيس أقوى دولةٍ في العالم، ويمتلك صلاحيات استثنائية في استخدام القوة، إلا أنه من جهةٍ أخرى، يفتقر إلى الدقة السياسية في أقواله وتغريداته.

في هذه الأيام وبينما الرئيس ترامب منشغلٌ في إثبات أنه انتصر، وأنه دمّر بصورةٍ نهائية المفاعلات النووية الإيرانية، وذلك على عكس التقارير الاستخبارية ومنها الأمريكية.

في هذه الأيام يُكثر من القول بأن مسار أبراهام الذي أنتج تطبيعاً إسرائيلياً مع العديد من الدول العربية سوف يتواصل وسوف تنضم إليه دولٌ أخرى، وفي هذا الصدد يكثر من التلميح وأحياناً التصريح عن أن سوريا هي المرشحة لتطبيعٍ عاجلٍ مع إسرائيل، ويترافق ذلك مع محادثاتٍ تجري بين السوريين والإسرائيليين لترتيب أوضاع الحدود الجنوبية، التي شهدت توسعاً عسكرياً إسرائيلياً فيها، منذ الإطاحة بنظام الأسد وتولي الشرع القيادة من بعده.

أن تجري محادثات مباشرة سرية أو علنية بشأن ترتيبات الحدود، فهذا أمرٌ بديهي إذ حدث مثله كثيراً في مجال الترتيبات الأمنية المتبادلة بين دولٍ لا تقيم فيما بينها علاقاتٍ ديبلوماسية، إلا أن ما يتردد من تطبيعٍ شامل يتجاوز ترتيبات الحدود، بما في ذلك انتشار قولٍ يشير إلى استعداد النظام الجديد في سوريا، للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان لقاء الاعتراف به، فيه قدرٌ كبيرٌ من الشطط والمبالغة وحتى الابتعاد عن المنطق.

مع أنه رئيس أقوى دولةٍ في العالم، ويمتلك صلاحيات استثنائية في استخدام القوة، إلا أنه من جهةٍ أخرى، يفتقر إلى الدقة السياسية في أقواله وتغريداته

النظام السوري الجديد المرحب به إقليمياً ودولياً والذي يعمل على استكمال شرعيته بصعوبة داخل سوريا، ما يزال غير مؤهلٍ موضوعياً وذاتياً للإقدام على خطوة كبيرة كهذه، يرى فيها كثيرون وخصوصاً من داخل سوريا انتحاراً مسبقاً لشرعية النظام، ثم إن المقابل لاعترافٍ خطير كهذا يبدو رمزياً وضئيلاً بالقياس للتنازل الذي يجري الحديث عنه، ولما يحمله من ارتداداتٍ داخلية، لا يقوى النظام طري العود، على احتواءها ومعالجتها.

إذا كان الرئيس ترامب معني حقاً بتطبيع إضافي يستكمل التطبيع الذي بدأ، فليس أمامه سوى التخلي عن العمل بالقطعة، ليذهب إلى الجذور وليس إلى الجوانب والقشور.

الجذور يعرفها جيداً وقد عرّفته عليها السعودية التي طرحت شروطها منذ اليوم الأول لبداية مسار التطبيع، هذا المسار رغم كل ما أنجز إلا أنه لم يحقق الهدوء والاستقرار في المنطقة، وذلك لعدم الانطلاق من أساس قيام الدولة الفلسطينية، وهذا لم يعد شرطاً سعودياً فقط بل تقف وراءه جميع دول العالم التي أدركت مبكرةً أو متأخرة، بأن حل القضية الفلسطينية بما يرضي أصحابها قبل العالم هو الوصفة الوحيدة والممر الإجباري لمعالجةٍ فعالةٍ لقضايا المنطقة، حتى التطبيع الذي تم بمشاركة دولٍ  عربيةٍ عديدةٍ لم يسجل تقدماً يعتد به نحو استقرارٍ وهدوءٍ في المنطقة، وما ينطبق على السعودية في هذا الشأن يفترض أن ينطبق على سوريا وغيرها من الدول التي يبشر ترمب بقرب التطبيع معها.

التطبيع أخيراً لكي يكون جدياً ومؤثراً ففرصته الحقيقية هو حل إقليمي يكون أساسه الحل الفلسطيني وهذا ما يجري التلميح له دون رؤية مقدماتٍ جديةٍ واضحةٍ نحو تحقيقه.

مواضيع ذات صلة

إيران… كوبا الكبرى في الشّرق الأوسط

ما هو شكل النصر على إيران فعليّاً؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يؤرّق غرف العمليّات من واشنطن إلى تل أبيب ومن الخليج إلى الصين وأوروبا…

الأردن: لا تصعيد بل ردع وحماية الحدود..

يدرك الأردن جيّداً أنّه يعيش في منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً. كلّما هدأت جبهة اشتعلت أخرى، وكلّما بدا أنّ التوتّر يتراجع، ظهرت تهديدات جديدة بأشكال…

انتهت الحروب بالوكالة… هل يعود الإرهاب؟

على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت الحروب بالوكالة إحدى السمات الأكثر ثباتاً في صراعات الشرق الأوسط. بدلاً من المواجهة المباشرة بين الدول، اعتمدت قوى…

انهيار النظام الإيرانيّ حتميّ… وهذه مؤشّراته

بعيداً عن التمنّيات، تشير الوقائع والأدلّة إلى أنّها “الجولة الأخيرة” في المعركة الطويلة مع النظام الإيرانيّ، لا لأنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قال ذلك، ولا…