لم يذهب الملك تشارلز إلى واشنطن ليوقّع اتّفاقاً، ولا ليغيّر موقفاً بقرار ملكيّ. ذهب ليقوم بما تجيده الملكيّة البريطانيّة في لحظات التوتّر: أن تقول السياسة من دون أن تبدو سياسيّة، وأن تذكّر أميركا بتحالفاتها من فوق ضجيج البيت الأبيض، لا من داخله.
جاءت زيارة الملك البريطاني لواشنطن، وخطابه أمام الكونغرس، في لحظة حسّاسة: إدارة دونالد ترامب متوتّرة مع لندن، قلقة مع أوروبا، متشكّكة في الناتو، وباردة، إن لم تكن سلبيّة، تجاه أوكرانيا. لذلك لم يكن الخطاب احتفالاً بالعلاقة الخاصّة بين بريطانيا وأميركا، بل محاولة ناعمة لإعادة ترامب إلى فكرة قديمة، وهي أنّ قوّة أميركا لا تأتي فقط من تفوّقها العسكريّ، بل من شبكة التحالفات التي صنعت نفوذها بعد الحرب العالميّة الثانية.
لم يهاجم الملك ترامب. هذا ليس دوره. لكنّه فعل ما هو أذكى: تحدّث عن الناتو، أوكرانيا، الديمقراطيّة، الضوابط والتوازنات، والحاجة إلى عدم الانكفاء إلى الداخل. بكلام آخر، وضع أمام واشنطن مرآة التاريخ. قال للأميركيّين، ولترامب ضمناً: أنتم انتصرتم عندما قدتم العالم، لا عندما انسحبتم منه.

هنا تكمن أهميّة الدبلوماسيّة الملكيّة البريطانيّة. منذ وينستون تشرشل وفرنكلين روزفلت، مروراً بزيارة الملك جورج السادس لأميركا عام 1939، ثمّ دور الملكة إليزابيث الثانية في تلطيف العلاقات مع رؤساء أميركيّين من مدارس مختلفة، استخدمت لندن العائلة المالكة كقوّة ناعمة حين تعجز السياسة عن الكلام المباشر. لا يفاوض الملك، لكنّه يفتح الباب. لا يضغط، لكنّه يغيّر المزاج. لا يكتب السياسة، لكنّه يمنحها غطاءً عاطفيّاً وتاريخيّاً.
هل تكفي الزيارة لترميم العلاقة بين ترامب وبريطانيا؟
لم يذهب الملك تشارلز إلى واشنطن ليوقّع اتّفاقاً، ولا ليغيّر موقفاً بقرار ملكيّ. ذهب ليقوم بما تجيده الملكيّة البريطانيّة في لحظات التوتّر
لا. لكنّها قد تمنع العلاقة من الانزلاق أكثر. يحبّ ترامب الرمزيّة، يحبّ البروتوكول، ويستجيب لفكرة العظمة التاريخيّة. والملكيّة البريطانيّة تعرف كيف تخاطب هذا الجانب فيه: المجد، التاريخ، التحالفات، الاحتفال، والصورة الكبرى. لذلك قد لا تكون الزيارة مفيدة لأنّها تغيّر قناعات ترامب فوراً، بل لأنّها تمنحه مخرجاً مشرّفاً للعودة إلى بعض ثوابت السياسة الأطلسيّة من دون أن يبدو كأنّه تراجع.
أوروبا كلّها معنيّة
الأهمّ أنّ الرسالة لا تخصّ بريطانيا وحدها. أوروبا الغربيّة كلّها تراقب. إذا نجح الملك تشارلز في إعادة تذكير ترامب بأنّ الناتو ليس عبئاً ماليّاً فقط بل أداة نفوذ أميركيّ، تكون لندن قد لعبت مجدّداً دور الجسر بين واشنطن وأوروبا. هذا مهمّ وخصوصاً في ملفّ أوكرانيا التي يخشى الأوروبيّون أن ينظر ترامب إلى الحرب فيها كصفقة يمكن إنهاؤها بسرعة ولو بثمن استراتيجيّ كبير على حساب كييف والحلف الأطلسيّ.
لكنّ التفاؤل يجب أن يبقى حذراً. لا يغيّر ترامب عقيدته بسهولة. يرى التحالفات من زاوية الكلفة والفائدة، لا من زاوية الذاكرة والمؤسّسات. قد يصفّق للملك في الكونغرس ثمّ يعود في اليوم التالي إلى مطالبة الأوروبيّين بالدفع أكثر والتشكُّك في جدوى الالتزام الأميركيّ المفتوح.
إقرأ أيضاً: الانتخابات النّصفيّة تتحكّم بالعالم!
مع ذلك، في السياسة أحياناً، تبدأ التحوّلات من المشهد لا من النصّ، من صورة ملك بريطانيّ يخاطب الكونغرس، ويذكّر أميركا بدورها، ويقول لها بلغة مهذّبة إنّ العالم لا يزال بحاجة إلى قيادتها. ربّما لا تكون زيارة تشارلز قد أصلحت العلاقة بعدُ، لكنّها أعادت فتح الباب. في زمن ترامب، يكون فتح الباب أحياناً إنجازاً دبلوماسيّاً بحدّ ذاته.
لمتابعة الكاتب على X:
