الناتو بعد انسحاب ترامب؟

مدة القراءة 7 د

يشكّل إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب احتمال انسحاب بلاده من حلف شماليّ الأطلسيّ تخلّياً عن “الابن” الذي رعته واشنطن لعقود ليغدو عصب التوازنات العسكريّة والأمنيّة في العالم. لكنّه في الوقت ذاته اختبار حقيقيّ لمستقبل تحالف دفاعيّ يقترب عمره من ثمانية عقود، في لحظة يبدو فيها وكأنّ “الأب الروحيّ” يعيد النظر في التزاماته التاريخيّة.

 

يتحدّث ترامب باستمرار عن تقاعس بعض الشركاء عن رفع مساهماتهم الماليّة، لكنّه لا يخفي أيضاً امتعاضه من تردّد عدد من الدول الأوروبيّة في دعم العمليّات الأميركيّة، كما حدث في فنزويلّا، ويتكرّر اليوم في ملفّ إيران ومضيق هرمز.

من هنا تتزايد التساؤلات عن دوافع هذا الموقف: هل هو ردّ فعل عابر على رفض أوروبيّ للانخراط العسكريّ أم محاولة ضغط لإعادة ترتيب أولويّات الحلف بما يخدم المصالح الأميركيّة قبل كلّ شيء أم نحن أمام إعادة صياغة شاملة لدور الولايات المتّحدة في منظومة التحالفات الدوليّة، مع فتح الباب أمام شركاء جدد مثل إسرائيل والهند؟

يشكّل إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب احتمال انسحاب بلاده من حلف شماليّ الأطلسيّ تخلّياً عن “الابن” الذي رعته واشنطن لعقود ليغدو عصب التوازنات العسكريّة والأمنيّة في العالم

ليس قراراً سهلاً

يحمل هذا التهديد رسائل سياسيّة وعسكريّة معقّدة تتجاوز حدود الخطاب الإعلاميّ، فهو يكشف هشاشةً في ثبات الموقف الأميركيّ ويفتح الباب أمام سيناريوات جديدة للأمن الأوروبيّ والإقليميّ تعود فيها روسيا والصين إلى الواجهة، وتتصاعد أدوار قوى إقليميّة، وفي مقدَّمها تركيا، لتكون عناصر فاعلة في ملء الفراغات وإعادة تشكيل التوازنات.

يعيد هذا الطرح تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الولايات المتّحدة وحلفائها، ويمهّد لولادة معادلات جديدة: أوروبا قد تجد نفسها مضطرّة إلى تعزيز قدراتها الدفاعيّة الذاتيّة، فيما تتحوّل دول إقليميّة إلى لاعبين محوريِّين في إدارة الأزمات الكبرى، مع احتمال نشوء تحالفات أكثر مرونة وتعدّداً.

بين دوافع ترامب والتعقيدات التي تعترض أيّ انسحاب أميركيّ من الحلف وكيفيّة تعامل الشركاء مع تداعيات هذا التهديد، يتمحور النقاش الذي يسبق القمّة الأطلسيّة المرتقبة في تركيا، حيث قد تتبلور ملامح مرحلة جديدة في تاريخ التحالف.

على الرغم من قوّة التهديد الإعلاميّ، ليس انسحاب الولايات المتّحدة من حلف شماليّ الأطلسيّ قراراً سهل التنفيذ. لا يتعلّق الأمر بإرادة الرئيس وحده، بل يتقاطع مع قيود دستوريّة ومؤسّساتيّة معقّدة. صحيح أنّ الرئيس يمتلك هامشاً واسعاً في إدارة السياسة الخارجيّة، لكنّ المعاهدات الدوليّة التي أقرّها مجلس الشيوخ تضع الانسحاب منها في منطقة قانونيّة رماديّة تفتح الباب أمام صراع صلاحيّات مع الكونغرس، الذي سعى في السنوات الأخيرة إلى تقييد أيّ خطوة أحاديّة في هذا الاتّجاه.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل موقف المؤسّسات العسكريّة والاستخباريّة الأميركيّة، التي تنظر إلى الناتو بوصفه ركيزة أساسيّة في منظومة الردع العالميّة. ليست المادّة الخامسة التزاماً سياسيّاً فحسب، بل إطار عمليّاتيّ متكامل يقوم على تنسيق عسكريّ عميق، وهو ما يجعل أيّ انسحاب مفاجئ خطوة محفوفة بمخاطر استراتيجيّة تتجاوز الساحة الأوروبيّة.

على الصعيد العسكريّ، ترتبط القوّات الأميركيّة المنتشرة في أوروبا بشبكة معقّدة من ترتيبات الدفاع الجماعيّ، وهو ما يجعل أيّ تغيير جذريّ يهدّد الجاهزيّة العمليّاتيّة ويقوّض تماسك التحالفات الأخرى، وأيّ خطوة أحاديّة بهذا الحجم قد تضع واشنطن أمام ارتدادات أمنيّة واستراتيجيّة مباشرة، وتضعف صدقيّة سياسة الردع التي تعتمد عليها في إدارة التوازنات الدوليّة.

من هنا يبدو التهديد بالانسحاب أقرب إلى أداة ضغط سياسيّة منه إلى خيار قابل للتنفيذ الفوريّ، ويعكس فجوة واضحة بين خطاب القوّة الذي يتبنّاه الرئيس، والقيود البنيويّة التي تحكم النظام الأميركيّ والتحالفات الدوليّة.

في المقابل، تكشف ردود الفعل الأوروبيّة عن مقاربة أكثر حذراً من التصعيد، لكنّها لا تخفي في الوقت نفسه رغبة متزايدة في إعادة التوازن داخل الحلف. إذ تعيد إلى الواجهة فكرة تعزيز القدرات الدفاعيّة الأوروبيّة المستقلّة، بما في ذلك إحياء مشاريع “الجيش الأوروبيّ”، في خطوة قد تدفع نحو إعادة تشكيل التوازنات داخل الناتو، وتقود إلى ترتيبات أمنيّة تثير قدراً كبيراً من القلق في واشنطن.

يكشف تهديد ترامب أنّ القوّة الأميركيّة داخل حلف شماليّ الأطلسيّ ليست مطلقة كما تبدو، وأنّ أيّ محاولة لفرض مسار أحاديّ ستصطدم بعقبات مؤسّساتيّة وسياسيّة معقّدة. من هنا، يبدو التهديد أقرب إلى أداة ضغط استراتيجيّة منه إلى سيناريو قابل للتنفيذ، في ظلّ توازنات داخليّة وخارجيّة تحدّ من حرّية الحركة الأميركيّة.

تفتح هذه الديناميكيّة المجال أمام قوى إقليمية، وفي مقدَّمها تركيا، للعب أدوار أكثر استقلاليّة، بما في ذلك الوساطة وتقليل الاعتماد الكلّيّ على واشنطن، وهو ما يعيد تدريجاً رسم موازين القوى داخل التحالف وخارجه.

في السياق الأوروبيّ، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. عادت فرنسا، التي سبق أن تحدّثت عن “موت دماغيّ” للحلف، إلى التمسّك به كضرورة استراتيجيّة، فيما تواصل دول مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا التحفّظ على الانخراط في بعض السياسات والعمليّات الأميركيّة، وخصوصاً في الملفّات الحسّاسة كإيران. يعكس هذا التباين فجوة مستمرّة بين أولويّات الضفّتين، على الرغم من بقاء المظلّة الأطلسيّة قائمة.

لكنّ التحوّل الأبرز قد يتمثّل في الدور التركيّ الصاعد. تركيا مرشّحة لتكون لاعباً محوريّاً قادراً على المناورة بين واشنطن وحلفاء الناتو، بما يحقّق توازناً دقيقاً بين التزاماتها الأطلسيّة ومصالحها الاستراتيجيّة الخاصّة.

يعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة عام 2003، حين رفضت أنقرة السماح للقوّات الأميركيّة باستخدام أراضيها لفتح جبهة شماليّة في العراق، وهو ما عطّل جزءاً أساسيّاً من الخطّة العسكريّة وأجبر واشنطن على إعادة حساباتها. يومها، كشفت تركيا حدود القدرة الأميركيّة على فرض إرادتها على الدول حتّى حلفائها المقرّبين.

لا يعكس تهديد ترامب خلافاً عابراً داخل الحلف وحسب، بل يكشف عن تحوّلات أعمق في بنية النظام الدفاعيّ الغربيّ

أداة ضغط على الحلفاء؟

يعود اليوم احتمال تكرار هذا السيناريو إلى الواجهة، لكن في بيئة إقليميّة ودوليّة أكثر تعقيداً وتشابكاً. هنا يبرز سؤال حاسم: على من يمكن أن يعوّل ترامب إذا قرّر الذهاب نحو تصعيد عسكريّ واسع، وخصوصاً في سيناريو عمليّة بريّة ضدّ إيران؟

في هذا السياق، لا يبدو الحديث عن انسحاب أميركيّ من الناتو تهديداً عابراً وحسب، بل عامل ودافع رئيس لإعادة تشكيل التوازنات داخل الحلف وخارجه. يمنح الانسحاب، سواء تحقّق جزئيّاً أو بقي في إطار التلويح، أوروبا فرصة متزايدة لتعزيز قدراتها الدفاعيّة المستقلّة، ويدفعها نحو التفكير الجدّيّ في تقليص الاعتماد الأمنيّ على واشنطن.

في موازاة ذلك، تتصاعد أهميّة القوى الإقليميّة، وفي مقدَّمها تركيا، التي تملك موقعاً فريداً يؤهّلها للعب أدوار مركّبة: شريك أطلسيّ، قوّة إقليميّة مستقلّة، ووسيط محتمل بين أطراف متنافسة. يجعل هذا التوازن بين الارتباط بالحلف والاستقلال عنه من أنقرة عنصراً حاسماً في أيّ معادلة أمنيّة أوروبيّة–إقليميّة مقبلة، ويزيد من تعقيد حسابات واشنطن.

إقرأ أيضاً: إيران: صفقة مع أميركا و”تنمّر” على الخليج؟

تفتح تهديدات ترامب الباب أمام ثلاثة سيناريوات رئيسة: انسحاب جزئيّ يحافظ على الحدّ الأدنى من الالتزامات، انسحاب كامل يخلق فراغاً أمنيّاً في أوروبا، أو استمرار استخدام ورقة الانسحاب كأداة ضغط لإعادة ضبط سلوك الحلفاء. في جميع هذه الحالات، تتّجه أوروبا نحو تعزيز قدراتها الذاتيّة، مع احتمال البحث عن ترتيبات أمنيّة أكثر مرونة، لا تستبعد قنوات تواصل أوسع مع قوى دوليّة أخرى.

في المحصّلة، لا يعكس تهديد ترامب خلافاً عابراً داخل الحلف وحسب، بل يكشف عن تحوّلات أعمق في بنية النظام الدفاعيّ الغربيّ. إنّه اختبار مزدوج لقدرة أوروبا على التحرّك الاستراتيجيّ المستقلّ، ولدور تركيا في إدارة التوازنات الدقيقة، ولمدى استعداد الولايات المتّحدة للانتقال من نمط الهيمنة المباشرة إلى أدوات ضغط ومقايضة أكثر مرونة في سعيها إلى تحقيق أهدافها الطويلة المدى.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…