الشّرع إلى برلين: من يسعى لاغتياله؟

مدة القراءة 5 د

تأتي زيارة الرئيس السوريّ لبرلين في لحظة دقيقة تحاول فيها دمشق إعادة تعريف موقعها: دولة تسعى إلى التعافي الاقتصاديّ والانفتاح الخارجيّ، لكنّها ما تزال محاطة بتحدّيات أمنيّة ثقيلة. بين هذين المسارين، تتبلور ملامح مرحلة سوريّة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة.

 

يتوجّه الرئيس السوريّ أحمد الشرع غداً الإثنين إلى برلين، حيث يلتقي المستشار الألمانيّ فريدريش ميرتس، في زيارة تضع العلاقات مع أوروبا في واجهة التحرّك السوريّ. تأتي هذه الخطوة في سياق انفتاح ألمانيّ تدريجيّ على الحكومة السوريّة الجديدة، بالتوازي مع تركيز دمشق على الملفّ الاقتصاديّ، العنوان الرئيس لخطابها السياسيّ في المرحلة الراهنة.

من إدارة الحرب إلى إدارة الدّولة

في الداخل السوريّ، برز الاقتصاد خلال الأسابيع الأخيرة كأولويّة واضحة في خطاب السلطة. في 20 آذار، أعلن الشرع أنّ موازنة عام 2026 ستبلغ نحو 10.5 مليارات دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف موازنة العام السابق، مع توجيه الإنفاق نحو إعادة الإعمار، الخدمات، وملفّ عودة النازحين.

لا يبدو هذا التحوّل في الخطاب تقنيّاً فحسب، بل يعكس محاولة سياسيّة لإعادة تقديم الدولة السوريّة بوصفها انتقلت من إدارة الصراع إلى إدارة المؤسّسات. يشير مراقبون لـ”أساس” إلى أنّ هذا الإعلان يندرج ضمن مسعى أوسع لتثبيت صورة “الدولة القادرة” على إدارة الشأنين الماليّ والخدميّ.

تأتي زيارة الرئيس السوريّ لبرلين في لحظة دقيقة تحاول فيها دمشق إعادة تعريف موقعها

تزامن هذا التوجّه مع تقويم دوليّ لافت صادر عن صندوق النقد الدوليّ، أشار، عقب زيارة لدمشق في 25 شباط، إلى استمرار تعافي الاقتصاد السوريّ. لفت الصندوق إلى تسارع النشاط الاقتصاديّ خلال الأشهر الماضية، مدفوعاً بتحسّن ثقة المستهلكين والمستثمرين، ارتفاع التغذية الكهربائيّة، واستمرار عودة اللاجئين، إلى جانب التقدّم في إعادة دمج سوريا ضمن الاقتصادين الإقليميّ والدوليّ. أشار أيضاً إلى وجود مشاريع استثمارية كبيرة تدعم آفاق النموّ في 2026 وما بعدها.

على المستوى العمليّ، بدأت دمشق الترويج لسلسلة من الاتّفاقات الاقتصاديّة للدلالة على إعادة فتح الأسواق. في أيّار 2025، وقّعت اتّفاقاً بقيمة 800 مليون دولار مع شركة “دي بي وورلد” لتطوير مرفأ طرطوس والبنية اللوجستيّة المرتبطة به، في خطوة تهدف إلى إعادة تنشيط الموانئ وتعزيز قطاع النقل والشحن.

إلى ذلك برزت استثمارات سعوديّة بنحو مليارَي دولار أُعلنت في شباط 2026، وشملت قطاعات الطيران والطاقة والعقارات والاتّصالات، بما في ذلك تطوير مطارَين في حلب وإطلاق شركة طيران جديدة. وتقدّم دمشق هذه المشاريع بوصفها مؤشّراً إلى عودة الرساميل العربيّة إلى السوق السوريّة.

الشرع

في السياق نفسه، تعزّزت مؤشّرات الانفتاح العربيّ عبر اتّصالات سياسيّة، من بينها التواصل بين وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبدالعاطي ونظيره السوريّ أسعد الشيباني لبحث سبل تطوير العلاقات الاقتصاديّة والتجاريّة، إلى جانب التطوّرات الإقليميّة. يعكس هذا المسار محاولة واضحة من سورية لوضع الاقتصاد في صدارة حركتها الدبلوماسيّة، بالتوازي مع توسيع شبكة علاقاتها العربيّة في مرحلة إعادة الإعمار.

عاد ملفّ الطاقة والعبور الإقليميّ إلى الواجهة، مع طرح مشاريع لربط تدفّقات النفط عبر سوريا بخطّ العراق – تركيا، في إطار مساعٍ تركيّة لتأمين الإمدادات وتقليل المخاطر الإقليميّة. يضيف هذا البعد موقعاً جديداً لسوريا كعقدة محتملة في شبكات الطاقة والتجارة بين الخليج وتركيا وأوروبا.

تفيد المعطيات بأنّ أحمد الشرع وعدداً من وزرائه كانوا أهدافاً لمحاولات اغتيال متعدّدة أُحبِطت جميعها، فيما لا يزال الخطر قائماً

تهديدات مستمرّة وتنسيق استخباريّ

على الرغم من هذا الزخم الاقتصاديّ، لا تزال التحدّيات الأمنيّة تفرض حضورها بقوّة. لقد كشفت تقارير في 6 آذار عن معلومات تفيد بطلب جهاز الاستخبارات التركيّ من إم آي 6 البريطانيّ لعب دور أكبر في حماية الرئيس السوريّ، على خلفيّة مخطّطات اغتيال، قبل أن تنفي أنقرة ذلك رسميّاً.

في المقابل، تشير مصادر مطّلعة لـ”أساس” إلى تصاعد التنسيق الاستخباريّ وتبادل المعلومات بين الأجهزة المعنيّة، عقب رصد مخطّط وُصف بأنّه عالي الخطورة، في ظلّ تنامي تهديد تنظيم داعش.

تفيد المعطيات بأنّ أحمد الشرع وعدداً من وزرائه كانوا أهدافاً لمحاولات اغتيال متعدّدة أُحبِطت جميعها، فيما لا يزال الخطر قائماً. لذا تحوّلت مسألة الحماية الشخصيّة إلى أولويّة قصوى، مع اعتماد مقاربة أمنيّة تقوم على الرصد الداخليّ والتنسيق الخارجيّ، حيث يبرز الدور التركيّ في المتابعة وتبادل المعلومات، إلى جانب مساهمة بريطانيّة في إحباط محاولات الاستهداف.

إقرأ أيضاً: موسكو- دمشق: الشّرع يثبّت الشّراكة

هكذا يتقدّم المشهد السوريّ على خطّين متوازيَين: اقتصاد يسعى إلى استعادة الثقة والانفتاح، وأمن لا يزال يفرض قيوده على المرحلة. بين هذين المسارين، تأتي زيارة برلين كاختبار سياسيّ ودبلوماسيّ لمحاولة دمشق تثبيت روايتها الجديدة: دولة في طور التعافي، لكنّها لم تتجاوز بعد تحدّياتها العميقة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

ما بعد “اليونيفيل”: منطقة عازلة من دون حضور أمميّ

تقترب مهلة انتهاء مهامّ قوّات “اليونيفيل” جنوب لبنان من دون التوصّل حتّى الآن إلى الصيغة التي ترعى أيّ وجود دوليّ محتمل “يرث” قوّات الطوارئ الدوليّة…

بنيامين نتنياهو: “السّاحر الشرير” الذي يلتهم خرائطه

​جلسَ الرّجلُ في مكتبِه المُحصّن في القدس. نظرَ إلى السّاعة، ثمّ إلى الخرائط المُمزّقة المُمدّدة أمامه كجُثثٍ جغرافيّة؛ خارطة لغزة أصدر أوامره للتو بسحقها والسيطرة…

الضاحية مقابل شمال اسرائيل.. وواشنطن على خط نتانياهو-الحزب

منذ انتهاء حرب 2024، تعاملت الولايات المتّحدة مع الساحة اللبنانيّة وفق معادلة واضحة: منح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرّك جنوباً، مقابل وضع “ضوء أحمر”على استهداف بيروت…

المساران الأمنيّ والسّياسيّ مكبّلان بالشّروط الإسرائيليّة

أيّام قليلة تَفصل بين اجتماع البنتاغون الأمنيّ وجولة المفاوضات “السياسيّة” الرابعة بين لبنان وإسرائيل المقرّرة غداً وبعد غد في وزارة الخارجيّة الأميركيّة. وما بين المحطتيّن، أعلن…