مواكبة برّي تصعيد “الحزب” استعجلت التّسوية على السّلاح

مدة القراءة 6 د

يقول دبلوماسي أوروبي مضت على خدمته في لبنان زهاء 19 سنة إنّه معجب بقدرة قادة البلد على المشي على الحبل المشدود، على الرغم من المخاطرة. كان يعلّق لـ”أساس”، غداة جلسة مجلس الوزراء الجمعة الماضي، على المخرج الذي توصّل إليه أركان الحكم في شأن خطّة الجيش لسحب سلاح “الحزب”، والذي نزع فتيل تفاقم الخلافات بين الثّنائي الشيعي وأكثريّة الحكومة.

 

امتدح الدبلوماسي نفسه، المتابِع دوليّاً ومحليّاً لعقدة سحب السلاح وتطبيق القرارات الدولية، قدرة اللبنانيّين على ابتكار التسويات لتذليل الصعوبات التي تواجه تنفيذ قرار الحكومة، على الرغم من رفض “الحزب”، وهو يدرك أنّه لا بدّ للبنان أن يتنفّس قليلاً من الضغوط، ولو جرى تمديد المهل.

خيوط التّسوية انطلقت من خطّة الجيش

حيكت خيوط التسوية بين رؤساء الجمهوريّة جوزف عون والبرلمان نبيه برّي والحكومة نوّاف سلام، مع نائبه الدكتور طارق متري ومستشاري ومعاوني الرؤساء. شارك في نقل الرسائل عن صيغتها نائب رئيس البرلمان الياس بوصعب والمدير العامّ للأمن العام اللواء حسن شقير.

خلافاً للتكهّنات بحصول تصلّب متبادَل، بدا المعنيّون على عجلة من أمرهم لتدوير الزوايا الذي انتهى بـ”ترحيب” مجلس الوزراء بخطّة الجيش، وفق “الإمكانات المتاحة”، كما قال وزير الإعلام بول مرقص. فهناك ما سمّته خطّة الجيش “تقييدات” تحتاج إلى معالجة. وقضت الصيغة بخروج وزراء الثنائي الأربعة والوزير الشيعي الخامس فادي مكّي، من دون صدام كلاميّ، وبتفهّم من باقي المكوّنات. الأهمّ أنّ الجانب الأميركي اعترف بالحاجة إلى تمكين الجيش ليقوم بالمهمّة. أبدى قائد المنطقة الوسطى الجنرال الأميركي براد كوبر في اجتماعه مع عون استعداده لتزويد الجيش ببعض الإمكانات.

ترى أوساط سياسيّة لبنانية سياديّة أو مطّلعة على الإجازة الأميركية لإسرائيل بحرّيّة الحركة، أنّ نتنياهو يعتبر نفسه منتصراً على “الحزب”

خطّة سحب السّلاح سبقت انتخاب عون؟

بدأ ابتداع التسوية بالتفاهم على جدول أعمال اجتماع مجلس الوزراء. طلب برّي باسم الثنائي ألّا يقتصر على بحث خطّة الجيش، فلعب الرئيس عون مع نائب رئيس الحكومة طارق متري، بالتواصل مع سلام، دوراً في إضافة بنود ماليّة وبيئيّة، لضمان حضور وزراء الثنائي. قيل إنّ سلام عاند بدايةً ثمّ وافق. وأمكن تفهّم معاندته حتّى لا تحصل سابقة الافتئات على صلاحيّته الدستورية في وضع جدول أعمال الجلسات بالتفاهم مع رئيس الجمهورية. صيغة “ترحيب” مجلس الوزراء بخطّة الجيش طُرحت أثناء التفتيش عن ضمان النصاب الكامل للجلسة، من بين 3 صيغ أخرى.

حكمت مناخ التسوية جملة عوامل، تخالف أجواء التشنّج التي سبقتها، والتهديدات التي نُقِلت عن الجانب الإسرائيلي بأنّه يهيّئ لحملة عسكرية جديدة ضدّ “الحزب” والبلد، في حال تردّد لبنان بتنفيذ قرارَي 5 و7 آب الماضي.

من العوامل:

  • قاعدة التوافق كانت ألّا يكون هناك جدول زمنيّ لمراحل خطّة الجيش. حتّى القوى المتشدّدة في الحكومة لجهة ضرورة المضيّ بقرار سحب السلاح تفهّمت ذلك. وزراء حزب “القوّات اللبنانية” وغيره أبدوا ليونة حيال الأمر حسب مصدر وزاريّ لـ”أساس”. ملامح الخطّة جاهزة منذ كان العماد جوزف عون قائداً للجيش، بُعَيد اتّفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني الماضي، قبل نحو 45 يوماً من انتخابه رئيساً. وكان مفهوماً أنّ جدولتها الزمنيّة بدءاً من جنوب الليطاني تتوقّف على انسحاب إسرائيل. فكيف ينتشر الجيش ويفكّك بنى “الحزب” العسكريّة بلا انسحاب إسرائيل من التلال الخمس بعد وقف النار؟

الفارق بين برّي و”الحزب”… وخطاب جعجع  

  • لا تراجع عن قرارَي الحكومة سحب السلاح مهما كان اعتراض “الحزب”. ومع أنّ إعلام “الحزب” روّج بأنّ الرئيس برّي انضمّ إلى مطلبه عودة الحكومة عمّا سمّاه “خطيئة” قرارَي 5 و7 آب، لم ينطق رئيس البرلمان بهذا المطلب. وجب هنا التمييز بين اعتراضَي برّي و”الحزب”. حجّة الأوّل أنّه كان يفترض انتظار خطّة الجيش قبل القرار، فيما صعّد “الحزب” وهدّد بالويل والثبور. وحين رأى برّي أنّ سلاح المقاومة “عزّة وشرف” للبنان، في الذكرى الـ47 لتغييب الإمام موسى الصدر، راعى شعور الجمهور الشيعي باستضعاف الطائفة، جرّاء استمرار العدوانية الإسرائيلية المانعة لعودة النازحين ولو لترميم بعض من مساكنهم كي يخفّفوا من وطأة الضائقة والتهجير القاتل… ويمكن القول إنّ خطاب رئيس “القوّات” سمير جعجع الذي خاطب الطائفة باعتبارها مكوّناً رئيساً في الكيان يلاقي مساعي تبديد أجواء التشنّج الشيعي الذي يغذّيه إجرام إسرائيل، وحاجة إيران إلى بقائه ورقة في يدها.
  • كان برّي يواكب “الحزب” في تشدّده، لأسباب معنويّة، لكنّه لم يغادر للحظة رغبته الشديدة بالتوصّل إلى التسوية-المخرج، تنفيساً للاحتقان. الدليل رفضه الغاضب لتظاهرات الدرّاجات الناريّة الاحتجاجيّة. القاعدة لديه منع الاحتكاك الأهليّ بأيّ ثمن.

أكثر من عبّر عن الضيق الرسمي اللبناني كان نائب رئيس الحكومة طارق متري حين قال إنّ عدم موافقة إسرائيل أفقد الورقة قيمتها. ولم يكن الرئيسان عون وسلام منزعجين

الضّيق بالوعود الأميركيّة والعربيّة   

  • الرؤساء الثلاثة ومعظم مكوّنات الحكومة متّفقون ضمناً على إعطاء الجيش فسحة من الوقت من أجل تنفيذ خطّته. ويتلاقون، ولو بدرجات متفاوتة، على القناعة بأنّ الجانب الأميركي أخلّ بوعده بالضغط على إسرائيل لتقدّم شيئاً مقابلاً لقرارَي الحكومة في 5 و7 آب. لكنّه يضغط بشدّة على لبنان. هذا التفاوت في التعبير عن الضيق من الإخلال بالوعود الخارجية يعود إلى حرص بعضهم على بقاء واشنطن الجهة القادرة على الحؤول دون انفلات نتنياهو العسكريّ لأنّها الوحيدة القادرة على إجبار إسرائيل على الامتناع عن مزيد من التصعيد ضدّ البلد أكثر ممّا تفعله منذ اتّفاق 27 تشرين الثاني الماضي. ضاق أركان الحكم ذرعاً بالوعود الأميركية بممارسة ضغوط على إسرائيل للحصول على موافقتها على ورقة الوسيط الأميركي توم بارّاك المعدّلة لبنانيّاً، حسبما تنصّ عليه في آخر فقرة منها. وتشترط قبول لبنان وإسرائيل وسوريا بها. أكثر من عبّر عن الضيق الرسمي اللبناني كان نائب رئيس الحكومة طارق متري حين قال إنّ عدم موافقة إسرائيل أفقد الورقة قيمتها. ولم يكن الرئيسان عون وسلام منزعجين.

إقرأ أيضاً: تحالف عون- برّي يُنقذ “الحزب” من سلام..

ميزان القوى… إسرائيل لن تنفّذ؟

  • ترى أوساط سياسيّة لبنانية سياديّة أو مطّلعة على الإجازة الأميركية لإسرائيل بحرّيّة الحركة، أنّ نتنياهو يعتبر نفسه منتصراً على “الحزب”، وتعتقد أنّ ميزان القوى الواقعي لمصلحة إسرائيل بأشواط، وبالتالي لا يفضي إلى خطوات متوازنة بين لبنان وبين إسرائيل. إلّا أنّ ثمّة قناعة لدى أوساط أخرى بأنّ الأخيرة تقصف وتدمّر وتقتل منذ 27 تشرين الأوّل ولم ولن تتوقّف عن ذلك بعد قرار الحكومة.

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

نبيه برّي: حكمة القرار في زمن الصّوم الكبير

في تاريخ الأزمات اللبنانيّة، قلّما اجتمع ضغط الخارج مع انقسام الداخل كما اجتمعا في ثمانينيّات القرن المنصرم. يومها، وسط الحرب الأهليّة وتشظّي القرار، برز نبيه…

لماذا خسرت إيران المعركة قبل أن تبدأ؟

لا تُقاس الخسائر الاستراتيجيّة بالمعارك التي تُخاض فقط، بل بتلك التي فشلت الدول في منعها أو تجنّبها. لم تخطئ إيران في الحساب العسكريّ وحده، بل…

هل ينقذ الرّهان على الوقت النّظام الإيرانيّ؟

لم يعد القول إنّ إيران وشبكة حلفائها في المنطقة تلقّوا ضربات عسكريّة موجعة خلال المرحلة الماضية، موضع جدل. خرجت قيادات بارزة من المعادلة، تعطّلت مسارات…

من سيغيّر وجه إيران؟

“تمرّ عقودٌ أحياناً بالكاد أحداثها تذكَر، وثمّة أسابيع تتسارع فيها أحداث عقود”، قال ذلك يوماً فلاديمير إيليتش لينين. وهذا ينطبق على المستجدّات المتلاحقة ‫في إيران…