لماذا منعت طهران وقف النار قبل سقوط الشقيف؟

مدة القراءة 6 د

انتقلت حرب إسرائيل ضدّ لبنان إلى مرحلة جديدة تحاكي اجتياحها عام 1982، وأبعد منه. إنّه عودٌ على بدء، مع فارق أنّ المواجهة قائمة مع “حرس الثورة” الإيرانيّ بدل الفصائل الفلسطينيّة. تدمير القرى وإفراغها من سكّانها يحولان دون نشوء مقاومة من داخلها، وإفشال طموحات بنيامين نتنياهو البعيدة المدى إلى ضمان أمن إسرائيل بالأحزمة الأمنيّة من غزّة إلى سوريا ولبنان يحتاج إلى اختبارات مديدة. أمّا إعلان “الحزب” استعداده لوقف النار بلسان رئيس البرلمان نبيه برّي فجاء متأخّراً.

 

لم تتردّد الأوساط الرئاسيّة اللبنانيّة في التعليق على إعلان الرئيس برّي أنّه يضمن “التزاماً كاملاً وشاملاً وفوريّاً لوقف إطلاق النار من قبل المقاومة” بالقول لـ”أساس”: “فات الأوان”.

مرحلة جديدة من الحرب

كانت الاتّصالات بين الرئيس جوزف عون ووزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو قبل أكثر من أسبوع، بشأن وقف إطلاق النار، قد أفضت إلى اقتراح الأوّل، عبر برّي، على “الحزب” أن يصدر بياناً بالتزام وقف النار إذا قبلت إسرائيل بتثبيته. كان الهدف اللبنانيّ الإفادة من عيد الأضحى لتحقيق نوع من الهدنة على الأقلّ، كي تجري محادثات المسار العسكريّ يوم الجمعة الماضي، ثمّ لقاءات المسار السياسيّ المقرّرة غداً الثلاثاء وبعده، في أجواء من خفض التصعيد. سبق لـ”أساس” أن أشارت إلى هذه الواقعة، وإلى أنّ جواب “الحزب” كان فيه التفاف على الاقتراح، إذ أبدى استعداداً لوقف النار إذا وافقت إسرائيل، لكن من دون إعلانه.

هكذا لم يُلزم “الحزب” نفسه بوقف النار لأنّه يرهن الأمر بمفاوضات إيران مع أميركا، وهي مفاوضات تسير وفق موجة ساخنة وأخرى باردة. أحبط امتناع “الحزب” (ومن خلفه إيران) المسعى الرئاسيّ مع واشنطن، فكان ما كان في عطلة نهاية الأسبوع، الذي شهد اندفاعة عسكريّة إسرائيليّة مفاجئة. إنّه نموذج من إهدار الفرص. عودة العسكر الإسرائيليّ إلى موقع قلعة الشقيف الاستراتيجيّ، الكاشف للجزء الأكبر من جنوب نهر الليطاني وشماله، لها ما بعدها عسكريّاً على أرض الجنوب. باتت العين على منطقتَي تلّة عليّ الطاهر المشرفة على النبطيّة والريحان شرقاً المتّصلة بإقليم التفّاح – البقاع الغربيّ، والتي هي خزّان ذخيرة وأسلحة ومقاتلين.

لم تتردّد الأوساط الرئاسيّة اللبنانيّة في التعليق على إعلان الرئيس برّي أنّه يضمن “التزاماً كاملاً وشاملاً وفوريّاً لوقف إطلاق النار من قبل المقاومة” بالقول لـ”أساس”: “فات الأوان”

تمسُّك عون وسلام بـ”الأقلّ كلفة

تبع ذلك قرار تل أبيب بالعودة إلى استهداف الضاحية الجنوبيّة للعاصمة، وسبقته السيطرة، على الأقلّ بالنار، على مدينتَي صور والنبطيّة، وفق خطّة توسيع احتلال المزيد في شمال الليطاني. يتجنّب الجيش الإسرائيليّ دخولهما حتّى إشعار آخر تجنّباً لعمليّات “الحزب” ضدّ وحداته.

كان الجانب اللبنانيّ تباحث في فكرة تعليق اشتراكه في مفاوضات واشنطن في ظلّ التصعيد الإسرائيليّ، الذي سوّغ دعوات “الحزب” إلى التخلّي عن التفاوض المباشر، فجاءته نصيحة الجانب الأميركيّ بالحضور لعلّه يساعد على خفض التصعيد. اتّفق عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام على التمسّك بحضور جلسات التفاوض لأنّه “أقلّ كلفة” كما قال الثاني في بيان أصدره عقب اجتماعهما، داعياً إلى وحدة الموقف حول الدولة لأنّه يعزّز موقعها التفاوضيّ. يطالب “الحزب” بـ”وحدة” الموقف اللبنانيّ على رفض التفاوض.

برّي ونداءا صور والنّبطيّة

استفظع الرئيس برّي الذي امتدح بيان سلام التطوّرات الميدانيّة، فخرج ببيان ضمانته لقبول “الحزب” بوقف النار لعلّه يفيد في جهود لبنان الرسميّ مع واشنطن. قام بذلك على الرغم من إدراكه للممانعة الإيرانيّة لأنّ هاجسه استدراك ما يمكن تحاشيه من خسائر الجنون الإسرائيليّ، بعدما قال نتنياهو إنّ جيشه سيبقى في المناطق التي احتلّها.

شاءت الصدف أن يأتي ذلك في أعقاب تفاعلات إصدار عشرات من المثقّفين والوجهاء ورجال الأعمال، في كلّ من صور والنبطيّة، نداءين يدعوان إلى جعلهما مدينتين مفتوحتين، خاليتين من السلاح، فأُصيب “الحزب” بنوع من الهستيريا لأنّ موقّعي كلّ من النداءين بلغوا مئتين، وهم خليط من الحياديّين والوسطيّين، وبعضهم لا ينتمي إلى المجموعات الشيعيّة المعارضة لـ”الحزب” منذ سنوات.

تبرز خشية من أنّ إعلان ترامب أنّه ليس مستعجلاً لإتمام اتّفاقه مع إيران يريح نتنياهو في “الوقت المستقطَع” في تجاوز خرقه الهدنة بين لبنان وإسرائيل لتحقيق مكتسبات ميدانيّة بعيدة المدى

كانت جرأة أكثر من 400 مواطن على معاكسة تعبئة “الحزب” للطائفة مؤشّراً إلى أنّ جزءاً من البيئة الشيعيّة يفلت من قبضته السياسيّة والأمنّية. أفلت “الحزب” في المقابل بعض مريديه على مواقع التواصل الاجتماعيّ ضدّ هؤلاء، وتلقّى بعضهم تهديدات لسحب تواقيعهم عن النداءين، فلم تستجِب سوى قلّة قليلة خوفاً. لكنّ اللافت أنّ النداءين لم يتعرّضا للهجوم من محيط حركة أمل، ولاحظ ناشطون شيعة ضدّ “الحزب” أنّه فشل في الردّ على النداءين بتظاهرة دعا إليها أنصاره في وسط بيروت لم يشارك فيها سوى 76 شخصاً حملوا أعلامه.

نتنياهو و”الوقت المستقطَع” من ترامب

لم تتأخّر طهران في تثبيت المعادلة الناجمة عن التحاق “الحزب” الكامل بقرارها، فأعلن المتحدّث باسم الخارجيّة الإيرانيّة إسماعيل بقائي أمس، ردّاً على جهود عون – روبيو، أنّ “وقف إطلاق النار في لبنان يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من أيّ اتّفاق يهدف إلى إنهاء الحرب”. كرّت سبحة الأسئلة: هل هذا يعني أنّ “الحزب” لا يجرؤ على التزام وقف النار حتّى لو ضغطت واشنطن على تل أبيب ما دامت طهران لا تريده أم تجيز واشنطن لنتنياهو التصعيد ردّاً على التعقيدات في إنجاز اتّفاق الإطار بينها وبين الجانب الإيرانيّ؟

إقرأ أيضاً: إسرائيل و”الحزب” يقوّضان مرجعيّات مفاوضات واشنطن

تبرز خشية من أنّ إعلان ترامب أنّه ليس مستعجلاً لإتمام اتّفاقه مع إيران يريح نتنياهو في “الوقت المستقطَع” في تجاوز خرقه الهدنة بين لبنان وإسرائيل لتحقيق مكتسبات ميدانيّة بعيدة المدى. هل سماحه لنتنياهو بالتوغّل في الجنوب واستهداف الضاحية هو ردّ على لعبة كسب الوقت التي تمارسها طهران، والتي تشمل إمساكها بورقة ذراعها اللبنانيّ؟ هل يستعيض ترامب عن استئناف الحرب ضدّ إيران بفعل صعوبة تنازل مفاوضيها، بضربات انتقائيّة لبعض مواقعها، وبإفلات يد نتنياهو، ولو جزئيّاً، في لبنان، فيكون الأخير ضحيّة تصلّب “الحرس” في طهران؟

بين الخبراء في أوضاع إيران الداخليّة مَن ينسب استخدام ترامب المستجدّ لميزة الصبر الإيرانيّة، إلى رهانه على تفاعلات صراع مراكز النفوذ الإيرانيّة. يتوقّف هؤلاء أمام إعلان الرئيس مسعود بزشكيان أنّ “إيران تواجه وضعاً حسّاساً جدّاً ويجب ألّا تنحصر إدارة البلد في دائرة محدودة من صانعي القرار”. بكلامه أخرج بزشكيان إلى العلن خلافه مع “الحرس”.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…