الاقتصاد اللّبنانيّ: مواجهة الأزمة أو الانتحار البطيء

مدة القراءة 7 د

مع انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة نالت بركة الشعب اللبناني والأسرة الدوليّة، واكتمال التعيينات في السلطة النقديّة من نوّاب حاكم مصرف لبنان إلى رئيس وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف، يظنّ البعض أنّ لبنان استعاد مؤسّساته التنفيذية والتشريعية والرقابية. لكنّ الواقع الماليّ والمصرفيّ يشي بعكس ذلك تماماً: الاقتصاد يراوح مكانه، والمصارف ما زالت في حالة إنكار، والمودع هو الخاسر الأكبر، إذ يتحمّل وحده تداعيات أزمة تجاوزت عامها الخامس.

 

المصارف اللبنانية، بما فيها تلك التي أعادت تكوين جزء كبير من سيولتها الخارجية من خلال الفوائد المرتفعة على الدولار في السنوات الماضية، ما تزال تتصرّف كأنّ الأزمة لا تعنيها:

  • احتجاز الودائع وتقييد الخدمات.
  • التذرّع بالقيود الدولية بعد إدراج لبنان على اللائحة الرمادية (FATF) واللائحة السوداء (الاتّحاد الأوروبي).
  • الاكتفاء بالحياد السلبي بدل تصويب الأداء، وأن تكون شريكاً في إعادة هيكلة ذاتها وتفعيل عمل النظام الماليّ.

في المقابل، نمت مؤسّسات تحويل الأموال مثلOMT  وWhish Money  بشكل غير مسبوق. ولكنّ هذا النموّ لا يعكس نجاحاً بقدر ما هو مرآة لفشل القطاع المصرفي الرسمي في تلبية حاجات مكوّنات المجتمع اللبناني من أفراد ومؤسّسات.

منذ إعلان لبنان التوقّف عن خدمة الدين العامّ في آذار 2020، بقي البلد في خانة “التعثّر الائتمانيّ” لدى مؤسّسات التصنيف العالمية مثل Moody’s وFitch وS&P، بلا أيّ أفق للخروج

العجز السّياديّ

منذ إعلان لبنان التوقّف عن خدمة الدين العامّ في آذار 2020، بقي البلد في خانة “التعثّر الائتمانيّ” لدى مؤسّسات التصنيف العالمية مثل Moody’s وFitch وS&P، بلا أيّ أفق للخروج. حتّى الاتّفاق المبدئيّ مع صندوق النقد في نيسان 2022، لم يتحوّل إلى برنامج إنقاذ فعليّ، بعدما اصطدم بجدار العجز، أو ربّما تعمُّد التهرّب من الإصلاحات البنيويّة. وإلى جانب هذا الشلل الماليّ، يستمرّ الفراغ القانونيّ: “الحزب” يحتكر قرار الحرب والسلم، فيما جمعيّة “القرض الحسن” تواصل تقديم خدمات مصرفيّة موازية بلا أيّ رقابة أو التزام القوانين، في مشهد يبدّد ما بقي من ثقة الداخل والخارج على السواء. وزاد الطين بلّة أنّ التحدّيات الأمنيّة المرتبطة بتطبيق القرار 1701 وفتح الجبهة الجنوبية، ثمّ العجز عن إدارة مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، جمّدا أيّ إمكان لإطلاق إعادة الإعمار. ومع استمرار إدراج لبنان على اللوائح الرماديّة والسوداء، وجد نفسه محاصَراً في عزلة ماليّة خانقة، عنوانها العجز السياديّ وفقدان القدرة على المبادرة.

حلول واقعيّة لا مثاليّة

لقد انهار الوهم، وسقطت كلّ محاولات التسويف. لا مكان بعد اليوم للشعارات ولا للخطط الفضفاضة التي لا تغادر الأدراج. ليس المطلوب حلولاً مثاليّة، فلبنان لم يعد يحتمل رفاهية الأحلام، بل خطوات واقعيّة، قاسية أحياناً، لكنّها الطريق الوحيد لإعادة رسم الخريطة الماليّة والاقتصادية. إنّها وصفة إنقاذ ممكنة، إذا توافرت الإرادة السياسية والجرأة على مواجهة الحقيقة:

  1. إعادة هيكلة مصرفيّة جادّة وشفّافة:

    • فرض كشف شفّاف على أوضاع المصارف، وخصوصاً لجهة الموجودات (Asset Quality Review).
    • فرز المصارف القابلة للحياة عن تلك المتعثّرة، وهذا يعني ترجمة إقرار قانون إصلاح المصارف بأفعال والبدء بتنفيذه بشفافيّة ومهنيّة وموضوعيّة.
    • تأسيس صندوق وطنيّ للتعويض على المودعين الصغار والمتوسّطين، بتمويل من مساهمي المصارف والدولة وموجودات القطاع العامّ القابلة للتسييل.
  1. إعادة الاعتبار للمصرف المركزيّ والرّقابة:

    • تطبيق صارم للمعايير الدولية IFRS9، CAMELS، وتوصيات لجنة بازل 2 و3.
    • تفعيل دور لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصّة بعد جعلهما سلطات مستقلّة لا تابعة للمصالح السياسية.

3.   تسريع الإصلاحات المرتبطة بصندوق النّقد الدّوليّ:

  • اعتماد خطّة إنقاذ معدّلة وواقعيّة تعترف بحجم الفجوة الماليّة وتوزيع عادل وشفّاف للمسؤوليّة.
  • تفاوض جدّي في آليّات تقاسم الخسائر (Burden Sharing) بين الدولة، المصارف وكبار المودعين، مع حماية الفئات الأضعف.

وهنا لا بدّ من تحديد المقصود بـ”كبار المودعين”: ففي النقاشات اللبنانية والدولية، جرى التمييز بين ثلاث فئات رئيسة:

  • صغار المودعين. أقلّ من 100 ألف دولار، وهؤلاء يجب أن تُصان حقوقهم كاملة بلا مساس.
  • المودعون المتوسّطون. ما بين 100 ألف و500 ألف دولار، ويمكن أن تُعتمد تسويات مرنة معهم بما يحفظ جزءاً كبيراً من ودائعهم.
  • كبار المودعين. من مليون دولار وما فوق، وهؤلاء يتحمّلون القسط الأكبر من الخسائر عبر اقتطاعات جزئيّة، أو تحويل جزء من ودائعهم إلى أسهم مصرفيّة أو أدوات ماليّة طويلة الأجل.

ليس هذا التصنيف تفصيلاً تقنيّاً، بل شرط أساسيّ لإرساء العدالة وضمان توزيع الأعباء بطريقة تمنع تحميل المودع الصغير ما لا يحتمل وتُلزم أصحاب الرساميل الكبرى بدورهم في تمويل الإنقاذ.

لبنان اليوم هو أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الاستمرار في المراوحة فيتسارع الانهيار ويتضاعف الألم، أو الانطلاق في خطوات عمليّة تُترجم صدق النوايا بالإنقاذ

  1. تنظيم قطاع التّمويل الموازي:

    • إدماج أنشطة تحويل الأموال ضمن رقابة فعليّة وبنية ماليّة حديثة.
    • إخضاع الجمعيّات التي تمارس نشاطاً مصرفيّاً (مثل “القرض الحسن”) لإطار قانونيّ واضح، أو وقف نشاطاتها غير المرخّصة.
  1. استراتيجية ماليّة – دبلوماسيّة للخروج من العزلة:

    • خطّة وطنيّة للامتثال لمتطلّبات FATF والاتّحاد الأوروبيّ بإجراءات فعليّة لا وعود.
    • استعادة الثقة عبر آليّات شفّافة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وربط ذلك بخطط إعادة الإعمار.
  1. فصل الملفّ الماليّ عن الصّراعات السّياسيّة:

    • تحييد السياسة النقديّة والماليّة عن التجاذبات الإقليميّة.
    • تفعيل مبدأ “السياسة الماليّة لخدمة الاقتصاد” لا “السياسة الماليّة لخدمة الأحزاب”.

هذه ليست لائحة أمنيات، بل الحدّ الأدنى ممّا ينبغي فعله إذا أراد لبنان أن ينجو. فالوقت لا يعمل لمصلحته: كلّ يوم تأخير يعني خسارة أكبر للمودع، للمصرف وللاقتصاد. لا بدّ من خطّة واضحة تعيد الهيبة للمؤسّسات وتفتح الباب أمام الثقة الدوليّة. باختصار، الإصلاح لم يعُد خياراً، بل مسألة بقاء. إمّا أن يقرّر لبنان مواجهة أزمته بجدّيّة، أو يستسلم لانتحار جماعيّ بطيء لا يرحم أحداً.

في الختام لا بدّ من التأكيد أنّ لبنان اليوم هو أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الاستمرار في المراوحة فيتسارع الانهيار ويتضاعف الألم، أو الانطلاق في خطوات عمليّة تُترجم صدق النوايا بالإنقاذ. فالإصلاحات لم تعُد ترفاً، ولا هي “شروط خارجيّة” كما يروّج البعض، بل صارت شرط البقاء نفسه للبلد وللاقتصاد معاً. الطريق صعب ومليء بالتضحيات، لكنّ أيّ بديل عن هذه الإجراءات الواقعيّة لن يكون سوى انتحار جماعيّ للمودعين والمصارف وللاقتصاد برمّته.

لم تعُد المعادلة تحتمل المواربة: إمّا أن تتحمّل الدولة مسؤوليّاتها كاملةً وتبدأ بخطوات قاسية لكن ممكنة، أو أن يبقى اللبنانيون أسرى الانهيار، يراقبون مدّخراتهم تتبخّر وأحلامهم تُسرق. لبنان لا يستطيع أن ينتظر معجزة من الخارج، ولا أن يعلّق خلاصه على مؤتمرات مانحين أو وعود مؤسّسات دوليّة. فالإنقاذ ليس منحة ولا وصفة مفروضة، بل قرار لبناني سيادي أوّلاً وأخيراً.

إقرأ أيضاً: المصارف خسرت جوهر وجودها: كيف تستعيد الثّقة؟

المطلوب قرار يضع حدّاً لسياسة الإنكار، يواجه منظومة الفساد والتسيّب، ويعيد الاعتبار لدولة القانون والمؤسّسات، قرار يوقف الاستنزاف المستمرّ لما بقي من الرساميل والطاقات، ويفتح مجدّداً باب الثقة والاستثمار والإعمار.

من دون هذا القرار، سيبقى لبنان معلّقاً بين الماضي والحاضر، يذوي يوميّاً فيما العالم يمضي إلى الأمام. ومن دونه، لن يبقى بلدٌ يُنقذ، ولا مودع يستعيد حقّه، ولا اقتصاد يستعيد دوره. الإنقاذ إمّا أن يكون قراراً وطنيّاً الآن أو لا يكون أبداً.

* باحث مقيم في كلّيّة سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركيّة في بيروت (AUB).

مواضيع ذات صلة

فلتُفتَح الأبوابُ أمام المصارف الخارجيّة

على الرغم من الضجيج الذي يملأ الساحات حول مشروع قانون الانتظام الماليّ، سيكتشف اللبنانيّون، بكلّ أسف، أنّ هذا القانون الذي طال انتظاره لم يعد كافياً…

نقل معاكس للثروة: استعادة 30% من القروض المسددة بالليرة

سيظل النقاش ساخناً حول معادلة إعادة الودائع التي حملها مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، حتى بعد إقراره في مجلس الوزراء، لكن الجديد في النسخة…

“اختراق” المصارف للجان النيابية يعرقل حق المودعين

انقضى عامٌ من عمر الحكومة الحاليّة في لبنان ولم تتحقّق الآمال التي كانت معلّقة عليها. عمر هذه الحكومة، مبدئيّاً، هو ثمانية عشر شهراً تنتهي في…

البنوك في مواجهة “الفجوة”: نحن (الأمر) “الواقع”

استنفرت البنوك في مواجهة قانون الفجوة الماليّة، وأصدرت جمعيّة المصارف بياناً تضمّن جملة مفتاحيّة: “يجب التعامل مع الواقع”. والواقع في نظرها أنّ “إمكانات البنوك التجاريّة…