يقترب شهر أيلول، وتتضخّم معه فرق التشويه معارضة ولادة الدولة الفلسطينية. ازداد عدد الرويبضيّين والطفيليّين، وهم الذين عاشوا حياتهم في المكر والتشويه. بنوا أمجادهم على عقائد سفيهة، ومزاعم من قوّة الولايات الوهميّة، والمدركات غير المتّزنة. تخدشهم حركة العقلاء الواقعية. وتظهر انفصاماتهم السياسية. أضحوا موتورين ومتوتّرين إلى درجة الذروة. ينطبق عليهم قول رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد بك جنبلاط: “القافلة تسير والكلاب تنبح”.
تزعجهم قيادة المملكة العربية السعودية لحركة دولية قانونية منتجة، وأممية دبلوماسية موثوقة. يركّزون على عرقلة مبادرة حلّ الدولتين، وهي خطّ الصراط الوحيد والمساعد في ولادة الدولة الفلسطينية. يخافون على استثماراتهم الكبرى. استمرّوا في استهلاكها إلى حدّ الزوال، في خدمة مصالحهم وسياساتهم وولايتهم. استغلّوها في سبيل علوّهم الماكر (الإسرائيلي والإيراني) من أجل ضرب الجغرافيا العربية. سيكون شهر أيلول بداية أيّامهم المبلولة. فلماذا كلّ هذه الانفعالات؟ هل تزعجهم ولادة الدولة الفلسطينية؟ ولماذا يخافون من أمميّة كرسي الاعتراف السعودي؟
تعمل السعودية مع حلّ الدولتين على وضع حدّ للاعتداءات الإسرئيلية السباعيّة الجبهات، عبر اتّفاق واحد يضمن الاستقرار في المنطقة العربية وتقطع به كلّ ذرائع الاستمرار بالسلوكيّات القديمة الإجراميّة الإسرائيليّة، والإيرانيّة المخادعة والاستثمارية. بعدما قضمت الأولى الأراضي العربية، وسرقت الثانية من العرب قضيّتهم الأولى، في سبيل إعلاء شأنها وتحصين مصالحها، وحجز مقعد إقليمي لها، تريد سلامة نظامها الثيوقراطي بالقتال خارج مربّعها، وتروّج لتفاوض مع نظامها السياسي داخليّاً.
تسلك الدولة الفلسطينية طريقها الصعب إلى الولادة، من خلال جهد سعودي وعربي واسع يترافق مع تعاون دوليّ كبير
حرب سعوديّة بسلاحهما
تحارب السعودية أميركا وإسرائيل بسلاحهما. تعتبر الاعتراف بالدولة هو الأهمّ بالدرجة الأولى، ويعدّ إيجادها هو الأولويّة. فيما تبقى مسألة الحدود غير ثابتة وغير مهمّة، حيث يصار الاتّفاق عليها عمليّاً فيما بعد. تركّز المبادرة الفرنسية- الأوروبية بالتعاون مع المملكة العربية السعودية على هدف المحافظة على أوروبيّة سايكس بيكو. هذا وشدّت المملكة العربية السعودية ببراعة سياسية بريطانيا إلى قافلة المبادرة. ستجلس المملكة المتّحدة حاملة قلم وعد بلفور، على كرسي الاعتراف السعودي بالدولة الفلسطينية. تريد بريطانيا تصحيحاً فارقاً للقضيّة الفلسطينية من بوّابة وعدها، الذي ضمن في طيّاته حقوق غير اليهود بالطريقة التي يريدونها. اقتنعت مع تغيّر الظروف بضرورة تخلّصها من تاريخ ثقيل، عبر دعم المبادرة السعودية الفرنسية وتأكيد رؤية الدولتين.
رؤية الدّولتين ليست صدفة
بقيت فكرة الدولتين الأصل في البال السعودي، خاصة في الفترة الزمنية التي لحقت صدور القرار 181، والذي قسّم فلسطين في عام 1947. مُنحت آنذاك الدولة العربية الفلسطينية 44% من مساحة فلسطين، فرفض العرب القرار، وقبل به زعماء اليهود وعلى رأسهم بن غوريون مؤسّس كيانهم. حاولت المملكة العربية السعودية على مراحل إعادة إنتاج الفكرة نفسها، من قمّة فاس في عام 1982 إلى قمّة بيروت سنة 2002. كانت قد توسّطت هاتين المحاولتين تجربةُ أوسلو في عام 1993. فشلوا جميعهم لأنّ البيئات المحلّية والدولية والإقليمية غير ناضجة وجاهزة، سيما مع الإجرام الإسرائيلي ونواياه التهويديّة.
تركّز السعودية على ما تضمّنه الوعد، وما تهاونت به الظروف. تبدأ من قرار التقسيم، لا سيما من جهة تثبيت حقوق المواطنين الفلسطينيّين غير اليهود، وقدسيّة حفظ حقوقهم وأوضاعهم وطموحاتهم. نصّ الوعد على تكريس الحقوق نفسها لغير اليهود والسكّان الأصليّين بشكل مستقلّ عن القسم المنفصل. تحارب المملكة العربية السعودية إسرائيل بسلاحها ووعدها، مع إشارة امتعاضيّة وتقليديّة إلى كونه منقوصاً. وتلعب اللعبة بطريقة عكسية.
انطلقت من قرار التقسيم الذي قبلت به إسرائيل حينها ورفضه العرب. وهو ما يقبل به العرب وكلّ دول العالم اليوم، فيما تعارضه كلّ من إسرائيل وأميركا. في حين تصرّ السعوديّة على أنّ أساس فكرة الدولتين هو قبول دولة الكيان العبريّ في مقابل الدولة العربية، وإلّا فسيكون هنالك كيان عبريّ محتلّ في منطقة غير مستقرّة ودائمة التحارب كما هو اليوم.
تحارب السعودية أميركا وإسرائيل بسلاحهما. تعتبر الاعتراف بالدولة هو الأهمّ بالدرجة الأولى، ويعدّ إيجادها هو الأولويّة
تعيد السعوديّة الزمن السياسي إلى مرحلة البدايات. وترجع بالجغرافيا إلى ما قبل قرار التقسيم، وكأنّه لم يكن. تطالب بفرض حلّ الدولتين ليكون من صلب نصوص القانون الدولي، ومتون قرارات التقسيم التنفيذية. تسقي الكيان الإسرائيلي من سمّه. تريد حفظ التضحيات والخسائر الفلسطينية والعربية، ولا توجد طريقة تحفظها غير ولادة الدولة، التي تتجسّد رؤية السعودية في كون قيامها طريق السلام الكامل للمنطقة بأكملها، ضمن قاعدة التكامل الإقليمي. إنّها العودة إلى ماضٍ من القرارات السياسية الضائعة، مع تغيير في الظروف الحاضرة للاستفادة منها. تصحّح السعودية ما فشل فيه العرب في السابق، وتبدّد كلّ الموانع الدولية لدفع المجتمع الدولي وإسرائيل إلى القبول.
تسلك الدولة الفلسطينية طريقها الصعب إلى الولادة، من خلال جهد سعودي وعربي واسع يترافق مع تعاون دوليّ كبير. يجب أن يكتمل مع التفاف وحدويّ فلسطينيّ داخليّ وخارجيّ. ولن يمرّ من دون نقد ذاتيّ للمغامرات الفاشلة للمجموعات اللادولتية والفاقدة للشرعية كـ”حماس” و”الجهاد”.
إقرأ أيضاً: بن سلمان يستعيد علم فلسطين من طهران..
فشل هذا النهج على مدى أربعة عقود من تحرير فلسطين بالقوّة العسكرية. لن يتمكّن من تحرير شبر من مساحتها، وذرّة من ترابها. تركّز المملكة على تصحيح مسار أوسلو وردم ثغرات فشله. يتبلور ذلك بعد اعترافات أيلول الأمميّة، وانطلاق عجلة المرحلة الثانية من فعّالية نيويورك السعوديّة في المضيّ نحو ولادة الدولة في خلال فترة زمنية معقولة. يتمّ سبك المسار الأمميّ عبر اتّباع طريقة مغايرة لا تشبه في تفصيلها المراحل السالفة، تستخدم فيها الضغوط البراغماتيّة مع عزل كلّ من يخاصم هذه المبادرة من إسرائيل إلى أميركا. إنّه وعد سعودي قويّ يعادل بلفور البريطاني، ومصمِّم على ولادة الدولة الفلسطينية. تصطحب المملكة السعودية معها إلى نيويورك كرسي الاعتراف، وستُجلس عليه الجميع.
