الدبلوماسية السعودية لا تصفق بل تحشد

مدة القراءة 5 د

نقل وليّ عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمّد بن سلمان القضية الفلسطينية من مرحلة الشعارات والتظاهرات والكتابة على الجدران إلى مرحلة المقاومة عبر المؤسّسات والاستراتيجيات المؤسّساتيّة.

 

تحوّلت القضية الفلسطينية مع الأمير محمد بن سلمان إلى مشروع واضح له وثيقته الدولية ولجانه وآليّات عمل تلك اللجان بالشراكة مع المجتمع الدولي ومؤسّساته وعلى رأسها الأمم المتّحدة، ومعها الاتّحاد الأوروبي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظّمة المؤتمر الإسلامي.

نقل الأمير محمّد بن سلمان القضيّة الأمّ عند العرب والمسلمين من مربّع المراوحة الشعبويّة المستندة إلى الخطابات والمهرجانات والشوارع وجدرانها والمذياع المحمول باليد، إلى الفعّالية المؤسّساتية سياسيّاً وقانونيّاً التي تضع الأهداف والخطط العاجلة والمتوسّطة والطويلة الأجل لتحقيق تلك الأهداف وترسيخها.

على صفحاته بوسائل التواصل الاجتماعي، وضع سفير خادم الحرمين الشريفين في لبنان الدكتور وليد بخاري، كما فعل معظم الشعب السعودي، ومعه الكثيرون من الناشطين العرب، صورة لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وقد احتشد ممثّلو دول العالم حوله في نيويورك خلال مؤتمر “حلّ الدولتين” وكُتِب فوق الصورة: “الدبلوماسية السعودية لا تصفّق بل تحشد”.

نقل محمّد بن سلمان القضية الفلسطينية من مرحلة الشعارات والتظاهرات والكتابة على الجدران إلى مرحلة المقاومة عبر المؤسّسات والاستراتيجيات المؤسّساتيّة

السّطو على القضيّة

لقد حاول الغرب والعجم ومدّعو الثورات والنضال أنظمةً وأحزاباً وتيّاراتٍ طوال عشرات السنوات السطو على العرب ومجتمعاتهم وكياناتهم السياسية، عبر السطو على القضيّة الفلسطينية لِما لها من عمق وجداني وإيماني عند العرب والمسلمين. وهو سطو ليس بهدف تحقيق إنجاز للقضيّة وأهلها. ما كان السطو يوماً بتغيير المعادلات بقدر ما كان ينتهي إلى بيع وشراء بثمن بخس أقلّ بكثير من قيمة المعروض للبيع. كلّ تلك السنوات السابقة لم ينتج السطو على القضيّة الفلسطينية سوى سجن باسمها عند مدخل العاصمة السوريّة دمشق، نزلاؤه أكثريّتهم من الفلسطينيين أو من المناضلين العرب الذين التزموا قضيّة فلسطين. التهمة الرئيسية التي تتقدّم باقي التهم في ذاك السجن اللعين هي تهمة “عرفاتيّ”، نسبة إلى رئيس منظّمة التحرير الفلسطينية ومؤسّسها الرمز الراحل ياسر عرفات “أبي عمّار”. أمّا الإنجاز الثاني فكان فيلقاً ميليشياويّاً اسمه “فيلق القدس” لم يحارب يوماً على طريق القدس أو على تخوم المدينة التي غنّت لها فيروز يوماً بصوت ملائكيّ يشبه ملامح مغارة المسيح والقبّة الذهبيّة في مسجد الصخرة.

حارب فيلق القدس في كلّ شوارع العواصم العربية، إلّا في شوارع فلسطين. تعهّد بتحرير حواضر العرب من العرب، ونسي تحرير فلسطين من الإسرائيليين. حتّى إنّ قادته عندما اندلعت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 ادّعوا أنّ يحيى السنوار لم ينسّق معهم.

بعد ويلات 7 أكتوبر وتعنّت المتعنّتين على الرغم من الدمار المهول في غزّة التي ما بقي منها إلّا أطفال يأكلهم الجوع، وأرامل تبحث عن معيل، وثلّة من المقاومين. بات الأمر يحتاج إلى مبادرة تتقدّم ارتكابات وأخطاء الجميع. فكانت مبادرة الأمير محمّد بن سلمان وسط جنون السلاح والدمار ودماء الأبرياء المساكين. لا حلّ إلّا بقيام دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل. هو “حلّ الدولتين” الذي استوطن في نصوص القرارات الدولية إلّا أنّ غياب الجرأة منعت الكثيرين من الاقتراب منه عبر كلّ تلك السنين.

فعلها الأمير محمّد بن سلمان، وسيذكر التاريخ والحاضر والمستقبل ذلك. سيذكر أنّ السعوديّة مع الأمير محمّد بن سلمان لا تصفّق بل تحشد

وثيقة نيويورك

شكّلت “وثيقة نيويورك” التي اعتمدتها الدول المشاركة في مؤتمر “حلّ الدولتين” منصّة الانطلاق لترسيخ الاستقرار والأمن في العالم. ربّما في ذلك جوهر الإنجاز الكبير عبر ربط السلام الدولي بحلّ قضيّة فلسطين.

أهميّة “وثيقة نيويورك” أنّها وضعت خارطة طريق محدّدة المدّة لترسيخ هذا الحلّ عبر ثماني لجان تعنى بكلّ تفصيل من الأمن وصولاً إلى إعادة الإعمار، مرسِّخة في بندها الـ42 جملة من الثوابت:

  • إنهاء الحرب على غزّة عبر تسوية عادلة ودائمة تقوم على التنفيذ الفعّال لحلّ الدولتين.
  • رفض استهداف المدنيين عند كلّ الأطراف قتلاً أو احتجازاً أو خطفاً.
  • الاندماج الإقليمي لمصلحة جميع شعوب المنطقة بعد كفالة أمن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وسيادة الدولتين.
  • وضع جدول زمنيّ لهذا المسار كسبيل لطمأنة الجميع.

إقرأ أيضاً: مؤتمر حلّ الدّولتين: السعودية تُقلق إسرائيل

فعلها الأمير محمّد بن سلمان، وسيذكر التاريخ والحاضر والمستقبل ذلك. سيذكر أنّ السعوديّة مع الأمير محمّد بن سلمان لا تصفّق بل تحشد. لا تكتب على الجدران بل تصنع الوثائق المؤسِّسة للحلول، التي تغيّر المعادلات المفروضة دون ضجيج، وتُحصّل الحقوق دون مواربة أو استعراض رخيص.

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

إيران… كوبا الكبرى في الشّرق الأوسط

ما هو شكل النصر على إيران فعليّاً؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يؤرّق غرف العمليّات من واشنطن إلى تل أبيب ومن الخليج إلى الصين وأوروبا…

الأردن: لا تصعيد بل ردع وحماية الحدود..

يدرك الأردن جيّداً أنّه يعيش في منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً. كلّما هدأت جبهة اشتعلت أخرى، وكلّما بدا أنّ التوتّر يتراجع، ظهرت تهديدات جديدة بأشكال…

انتهت الحروب بالوكالة… هل يعود الإرهاب؟

على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت الحروب بالوكالة إحدى السمات الأكثر ثباتاً في صراعات الشرق الأوسط. بدلاً من المواجهة المباشرة بين الدول، اعتمدت قوى…

انهيار النظام الإيرانيّ حتميّ… وهذه مؤشّراته

بعيداً عن التمنّيات، تشير الوقائع والأدلّة إلى أنّها “الجولة الأخيرة” في المعركة الطويلة مع النظام الإيرانيّ، لا لأنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قال ذلك، ولا…