أتمّت إسرائيل معظم الإنجازات العسكرية الممكنة في قطاع غزة، ومن الآن فصاعداً، لن يكون استمرار القتال سوى “تخبّط” وغرق في المستنقع الغزاوي، وسيكون مقروناً بتكاليف باهظة، من حيث الخسائر البشرية، من دون فائدة أمنية حقيقية، بل قد يقود إلى احتلال كامل للقطاع. لقد تم تفكيك “حماس”، كجيش “إرهابي” في ساحة المعركة، والتي فقدت معظم قوتها، وتمت تصفية كل قياداتها تقريباً، بينما باتت بنيتها التحتية العسكرية والمدنية مدمرة، وتقتصر قدرتها على تنفيذ عمليات “إرهابية” وحرب عصابات متفرقة. أمّا فيما يتعلق بملف الأسرى، والذي يُعتبر جرحاً مفتوحاً في قلب الشعب في إسرائيل، فلم يتغيّر شيء منذ شهرين تقريباً على انطلاق عملية “مركبات جدعون”. بناءً عليه، من الأفضل لإسرائيل أن تستثمر إنجازات القتال، سواء في القطاع، أو في مواجهة إيران بصورة خاصة، كرافعة لتحرك سياسي يفضي إلى تحرير الأسرى قريباً وإنهاء الحرب.
إن البنية التحتية لهذا التحرك السياسي موجودة مسبقاً، وهي متمثلة في المبادرة التي طرحتها مصر على جدول الأعمال، والتي حظيت بدعم من الدول العربية والإسلامية. وتشمل المبادرة المصرية شروطاً لإنهاءٍ كامل للحرب في غزة، وانسحاب إسرائيلي من أراضي القطاع بالتدريج، في مقابل استعادة الأسرى وتشكيل نظام حُكم جديد، يضمن عدم عودة “حماس” إلى السلطة، إلى جانب إعادة الإعمار على المستويَين المدني والاقتصادي.
أتمّت إسرائيل معظم الإنجازات العسكرية الممكنة في قطاع غزة، ومن الآن فصاعداً، لن يكون استمرار القتال سوى “تخبّط” وغرق في المستنقع الغزاوي
وفي الوقت نفسه، على إسرائيل أن تستثمر التغيّر الجذري الذي طرأ على المشهد الاستراتيجي الإقليمي عقب جولة القتال مع إيران: فقدت “حماس” راعيها، وأصبحت إيران ومحور المقاومة أضعف كثيراً، كذلك خسرت “حماس” مكانتها كعضو رفيع في “حركة مقاومة إقليمية”، وأصبحت منظمة محاصرة، تعتمد على رحمة الآخرين، وجفّت طرق تحويل الأموال وتهريب الأسلحة إلى المنظمة في قطاع غزة، كما تم إظهار تحالف أمني – سياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تخشى القاهرة والرياض وأبو ظبي وعُمان والدوحة من الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة (وخصوصاً ما دامت الحكومة اليمينية المتطرفة على رأس السلطة)، لكنهم مستعدون للانخراط في المستنقع الغزاوي من أجل دفع عجلة إنهاء الحرب، وهم أكثر جاهزيةً اليوم لطرح وتنفيذ آلية لنزع سلاح القطاع، كما سئم الرأي العام الغزاوي من استمرار الحرب، ومن خطوات “حماس”، ولم يعد يخشى، مثلما كان في السابق، من أجهزة أمنها الداخلي ووحدات “السهم” التابعة للتنظيم. في الواقع، تقف “حماس” عند مفترق طرق بين الاستمرار في “المقاومة” والكفاح المسلح، والذي يعني مخاطرة وجودية فورية لبقائها، وبين التخلي عن الحكم وتسليم السلاح بالتدريج، الأمر الذي سيسمح لها بالاستمرار كحركة سياسية، ويساهم في إعادة إعمار القطاع…
بالنسبة إلى إسرائيل، إن وقف القتال حالياً والسير نحو تسوية ليس “خضوعاً لشروط حماس”، حسبما يصوّر معارضو إنهاء الحرب داخل إسرائيل، بل هو خيار منطقي نحو بديل أفضل. لقد اضطرت “حماس” إلى التنازل عن سلطتها، وتضررت كثيراً قدرتها على إعادة بناء قوتها، بينما تمتلك إسرائيل الأدوات اللازمة لمنع تسلُّحها وتصاعُد قوتها مجدداً، سواء عبر سدّ قنوات تهريب السلاح وتحويل الأموال، أو من خلال أدوات الإنفاذ وحرية العمل العسكري التي ستُستخدم لإحباط أي تهديد “إرهابي”، أو أيّ محاولة لإعادة بناء البنية التحتية للمقاومة في القطاع. لكن المعيار ليس في تصريحات النصر التي تطلقها “حماس”، بل في الواقع الميداني: لقد أزيحت الحركة من موقع القوة فعلياً، واضطرت إلى التنازل عن السيطرة على الحكم، وعن رؤيتها للتحرير الفوري لفلسطين، حسبما عبّر قادتها قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
بالنسبة إلى إسرائيل، إن وقف القتال حالياً والسير نحو تسوية ليس “خضوعاً لشروط حماس”، بل هو خيار منطقي نحو بديل أفضل
إن وقف الحرب في هذه المرحلة قد يثمر إنجازات إضافية كبيرة لإسرائيل، لا يمكن للمسار العسكري وحده أن يحققها:
فرصة لإنقاذ الأسرى الأحياء: صرّحت حركة “حماس” بشكل علني، مراراً وتكراراً، منذ بداية الحرب، بأنها مستعدة للإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين، إذا ما أوقفت إسرائيل القتال وانسحبت من أراضي قطاع غزة. ومن جهة إسرائيل، لا يوجد ما تخسره إذا وضعت هذه التصريحات على المحك، فإذا استجابت إسرائيل بشكل إيجابي لهذا العرض، وأقدمت “حماس” فعلاً على تحرير جميع الأسرى، الأحياء والأموات، فإن إسرائيل ستكون قد حققت المكسب الأثمن، وستسحب من “حماس” ورقة المساومة الأساسية التي لا تزال بحوزتها، أمّا إذا تبيّن أن “حماس” تخدع، أو أنها غير قادرة على تسليم جميع الأسرى، ففي إمكان إسرائيل استئناف القتال من موقع محقّ، يحظى بشرعية واسعة. وبالنسبة إلى حكومة إسرائيل، التي تضع (على الأقل على المستوى التصريحي) إعادة الأسرى كهدف أعلى، فإن هذه الخطوة تُعتبر ضرورية للوفاء بالتزامها تجاه عائلاتهم والشعب في إسرائيل.
انعكاسات إقليمية إيجابية: العالم العربي، وعلى وجه الخصوص دول المحور الأساسية: السعودية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، بانتظار أن توقف إسرائيل إطلاق النار في غزة، من أجل الانخراط في إعادة إعمار القطاع، ومن أجل توسيع وتعميق “اتفاقيات أبراهام”. فالمملكة العربية السعودية تلمّح بشكل صريح إلى أن التقارب بينها وبين إسرائيل (تطبيع العلاقات وإقامتها رسمياً) ممكن فقط بعد انتهاء الحرب المدمرة في غزة، ورسم مسار لحلّ الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. الدول العربية المعتدلة مستعدة لاستثمار موارد مالية وسياسية في إعادة إعمار القطاع، والمشاركة بقوة في المهمة التي ستعمل على استقرار المنطقة، ثم العودة إلى مسار التطبيع وترسيخ علاقات استراتيجية مع إسرائيل.
استمرار التخبط سيؤدي إلى فوضى تجبر إسرائيل على احتلال القطاع: إذا وصلت إسرائيل إلى احتلال كامل لقطاع غزة (حتى لو لم يُعلن هذا الوضع رسمياً)، فلن تبادر أي دولة عربية إلى تقديم المساعدة لإسرائيل، أو لسكان غزة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المجتمع الدولي. ستتحمل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن المشكلة الغزاوية بجميع أبعادها، بما في ذلك إعادة الإعمار وتلبية حاجات نحو مليونَي نسمة، بتكلفة تُقدَّر بعشرات المليارات سنوياً. في هذا السياق، من المتوقع أن تشتد حدة الانتقادات الدولية الموجهة إلى إسرائيل.
مع انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع، سيتم نشر جهاز شرطة فلسطينية مرتبط بالسلطة الفلسطينية، إلى جانب قوة مهمات عربية مشتركة، للمساعدة في استقرار المنطقة
الوضع الداخلي في إسرائيل: إن الحرب الطويلة والمكلفة بشرياً تعمّق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وتُلحق الضرر بالاقتصاد، وتشتّت الانتباه عن الحاجة إلى ترميم منظومات الحكم الرسمية وغير الرسمية. قد يساهم وقف الحرب والإفراج عن الأسرى في استقرار الوضع الداخلي، ويتيحان للاقتصاد التعافي، ويعيدان الجيش الإسرائيلي إلى الجاهزية المطلوبة في ساحات أُخرى، والتركيز على التهديدات الاستراتيجية (بما في ذلك الحفاظ على الردع أمام حزب الله، ومنع تجديد المشروع النووي الإيراني، وتحجيم النفوذ التركي في سورية، والتصدي لـ”الإرهاب” في الضفة الغربية). وما دامت إسرائيل غارقة في قطاع غزة، فإن موارد ثمينة تحوَّل بالضرورة إلى هناك، على حساب الجاهزية لمواجهة التحديات القادمة.
آليات إنهاء الحرب والتسوية
في أعقاب التحول الجذري في ميزان القوى في المنطقة، واستعادة الردع الإسرائيلي، ووجود الحافز العلني لدى رئيس الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، وإضعاف “المخربين” والجهات الخارجة عن السيطرة، والمدعومة من إيران، وفي ظل ضُعف “حماس” وعزلتها، واعتمادها على رحمة الوسطاء، واستعداد الدول العربية للمساهمة في استقرار القطاع، وتشكيل إدارة تكنوقراط تنتزع زمام الحكم من الحركة، فُتحت نافذة فرصة لإنهاء دائرة الحرب في قطاع غزة، والتي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
الخطوات المقترحة لإنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية:
التزام إسرائيلي إزاء إنهاء الحرب بضمانة أميركية، في مقابل الإفراج عن جميع الأسرى الأحياء دفعة واحدة.
السماح بخروج قادة “حماس”، العسكريين والسياسيين، إلى دولة ثالثة، مع ضمان عدم المساس بهم.
تشكيل إدارة تكنوقراط تحكم القطاع، بدلاً من “حماس”، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، وبدعم ورعاية من الدول العربية المعتدلة.
سيكون تفعيل خطة الإعمار المصرية للقطاع مشروطاً بإنشاء آلية فعّالة لنزع السلاح، وتشكيل قوة مهمات عربية مشتركة للإشراف على نزع السلاح وتنفيذ العملية
لن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع إلّا بعد إبعاد “حماس” عن الحكم، وإنشاء حاجز مادي فعّال لمنع التهريب من شبه جزيرة سيناء إلى قطاع غزة.
مع انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع، سيتم نشر جهاز شرطة فلسطينية مرتبط بالسلطة الفلسطينية، إلى جانب قوة مهمات عربية مشتركة، للمساعدة في استقرار المنطقة، وفرض النظام العام، وتأمين وتوزيع المساعدات الإنسانية للسكان.
سيكون تفعيل خطة الإعمار المصرية للقطاع مشروطاً بإنشاء آلية فعّالة لنزع السلاح، وتشكيل قوة مهمات عربية مشتركة للإشراف على نزع السلاح وتنفيذ العملية.
إن نجاح عمليات إنهاء الحرب والتسوية مشروط بتحقُّق عدد من الشروط المتراكمة: نشاط فاعل من الجانبين الأميركي والمصري، وعدم تدخُّل قطري في مسار الوساطة، والحفاظ على حرية العمل العسكري وحق إسرائيل في تنفيذ إجراءات إنفاذ لمنع التهديدات وتجديد البنى التحتية لـ”الإرهاب”، وإنشاء آلية رقابة صارمة وفعّالة من طرف قوة مهمات عربية مشتركة لنزع سلاح “حماس” ومنع إعادة تسلُّحها، كذلك يجب أن تخضع جهود الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار لإشرافٍ يمنع تسرُّب المواد المخصصة لإعمار البنية التحتية المدنية في القطاع إلى يد “حماس”…
اتجاهات مستقبلية بعد إنهاء الحرب
الحق في العودة إلى القتال: سيتم الاعتراف بحق إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية، إذا ما أخلّت “حماس” بالتسوية وعادت إلى بناء قوتها العسكرية. بعد تحرير الأسرى، سيكون الجيش الإسرائيلي حراً في العمل بكثافة عالية في جميع أنحاء القطاع، من دون القيود المفروضة حالياً، خوفاً من المسّ بالأسرى.
البعد الإنساني: إن إنهاء الحرب سيخفف الأزمة الإنسانية في القطاع بشكل كبير. سيتم السماح بتدفُّق المساعدات وتوزيعها على السكان، وتجنُّب فقدان أرواح إضافية (إذ قُتل في الحرب نحو 55.000 فلسطيني، أكثر من نصفهم ليسوا من عناصر “حماس”، أو من “الإرهابيين”).
إقرأ أيضاً: أين الفلسطينيّون من حفلة توزيع الأوسمة؟
الشرعية: إن إسرائيل التي حظيت بشرعية كاملة في حربها ضد إيران، ولم تحظَ بأيّ شرعية تقريباً في حربها في غزة، ستُعتبر جهة تصرفت بمسؤولية واستجابت للدعوات الدولية إلى إنهاء الحرب؛ هذا الأمر يمكن اعتباره خطوة قد تخفف من حدة الانتقادات ضدها، وتعيد قدراً من التعاطف والثقة بها.
توسيع اتفاقيات أبراهام: لقد توقّف مسار التطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية بسبب الحرب، كذلك جُمدت العلاقات مع دول السلام واتفاقيات أبراهام. الاستجابة الإيجابية لدعوة هذه الدول إلى إنهاء الحرب ستعيد الزخم إلى العلاقات، وتساهم في تجديد سريع للاتصالات من أجل إقامة علاقات رسمية بين إسرائيل والسعودية، وتوسيع اتفاقيات أبراهام. فالتقدم في هذا المسار سيعزز دمج المعسكر الإقليمي للدول المعتدلة في مواجهة إيران وأذرعها.
*نقلاً عم موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية
