صندوق النقد: الإصلاحات أوّلاً

مدة القراءة 4 د

في خضمّ أزمة اقتصادية واجتماعية تُصنَّف من بين الأسوأ في العالم منذ أكثر من قرن، يقف لبنان أمام مفترق طرق حاسم. فمنذ عام 2019 والبلاد تشهد انهياراً شاملاً طال عملتها الوطنية، قطاعها المصرفي، خدماتها العامّة حتّى ثقة مواطنيها بالدولة. وفي هذا السياق، بات صندوق النقد الدولي (IMF) لاعباً مركزيّاً في أيّ محاولة لإنقاذ ما بقي من هيكل الدولة الاقتصادية. في نهاية هذا الشهر، أي هذا الأسبوع، يفترض أن يزور وفد من صندوق النقد لبنان لبحث التقدّم في مسار إقرار القوانين الإصلاحية المنصوص عليها ضمن المطالب الدولية للبنان.

 

رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان أرنيستو راميريز ريغو يزور بيروت هذا الأسبوع مع وفد من الصندوق. وبناء على هذه الزيارة، سيتمّ تقويم مسار الإصلاحات المقترحة على أن يتمّ تحديد وصولها إلى مستوى الشروط التي يضعها الصندوق لإبرام اتّفاق مع لبنان.

وفقاً لما ناقشه أرنيستو ريغو وفريقه في اجتماعاتهم الأخيرة، وآخرها في لقاء مع “مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان” (ATFL) في واشنطن في 21 أيّار 2025، لا يعارض صندوق النقد أيّ خيار سياسي أو نقدي، لكنّه يشترط تحقيق إصلاحات هيكلية جدّية قبل التقدّم في أيّ اتّفاق.

من أبرز تلك الشروط:

1- إعادة هيكلة القطاع المصرفي بطريقة عادلة وفعّالة.

2- إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف بصيغته التي تحافظ على فعّاليّته واستقلاليّته.

3- تحقيق انضباط ماليّ حقيقي، بما يشمل إصلاح إدارة الدين العامّ.

4- إصلاح قطاع الكهرباء، وعلى رأسه مؤسّسة كهرباء لبنان، التي تشكّل مصدراً أساسيّاً للهدر والعجز الماليّ.

في الاجتماع الأخير في واشنطن، أشار وفد صندوق النقد إلى واقع “دولرة” الاقتصاد اللبناني، وطالب  بتحقيق إصلاحات ماليّة ومصرفية عميقة

الموقف من قانون المصارف

في الاجتماع الأخير في واشنطن، أشار وفد صندوق النقد إلى واقع “دولرة” الاقتصاد اللبناني، وطالب  بتحقيق إصلاحات ماليّة ومصرفية عميقة، لأنّ الدور النقدي للبنك المركزي يصبح محدوداً جدّاً في ظلّ هذه الإصلاحات.

صندوق النقد

أمّا بخصوص قانون إعادة هيكلة المصارف، فقد عبّر الصندوق عن قلق واضح من التعديلات التي أُدخلت على مشروع القانون وتقلّل من فعّاليّته وتفتح الباب أمام عرقلة عمل الهيئة العليا إمّا عبر القضاء أو عبر إضعاف هيكليّتها. رفض صندوق النقد أيضاً محاولات مصرف لبنان فرض موقفه على البرلمان، مشيراً إلى أنّ البنك المركزي ليس “سلطة دستورية مستقلّة” توازي الحكومة أو المجلس النيابي.

لماذا يحتاج لبنان إلى صندوق النّقد؟

في الواقع، لبنان غير قادر على النهوض من أزمته بمفرده. فالدولة مفلسة، المصارف منهارة والثقة مفقودة. في هذا السياق، يشكّل صندوق النقد:

– مصدراً للتمويل الخارجي الضروري لتثبيت الاقتصاد.

– آليّة لإعادة الثقة داخلياً وخارجياً.

– مظلّة دولية ضرورية لحشد دعم الدول المانحة.

– جهة فنّية تساعد في وضع وتنفيذ خطة إصلاح متكاملة.

هذا في المبدأ. أمّا في التطبيق فيبدي صندوق النقد مرونة تجاه مسألة القروض في لبنان. وتتحدّث مصادر خاصّة به عن أنّ المرونة لا تتعلّق بالإصلاحات المطلوبة التي يفترض أن تتوَّج بقانون الفجوة المالية، بل تتعلّق بمدى اقتراض الدولة اللبنانية. وفق المصادر، المعركة على أشدّها في الجنوب، لا سيما بعد فوز بعض العائلات على لوائح الأحزاب في الانتخابات البلدية، ولحظة شيطنة “الحزب” لكلّ جمهوره إذا اختلفا في المقاربة.

إقرأ أيضاً: خطوات انقاذ لبنان: انهاء الفساد والشراكة مع القطاع الخاص

بين انهيار شامل وعجز سياسي وبنية اقتصادية متهالكة، يبقى صندوق النقد الدولي الشريك الأساسي، وربّما الوحيد القادر على مرافقة لبنان في طريق الخروج من أزمته. لكنّ الصندوق لا يُعطي شيكاً على بياض. الإصلاح هو المدخل، والقرار في يد اللبنانيين.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@josephinedeeb

مواضيع ذات صلة

الدّولة تردّ على مباغتة “الحزب”: حظر أنشطته العسكريّة

حصل ما كان يرعب اللبنانيّين. دخل “الحزب” الحرب… فجأة، وبلا تمهيد سياسيّ أو أمنيّ، وعلى نحوٍ بدا مباغتاً حتّى لبيئته التي استيقظت في منتصف ليلٍ…

ساعة “الحزب” على توقيت نتنياهو

لم يخيّب “الحزب” التوقّعات التي جزمت بدخوله الحرب إسناداً لإيران على الرّغم من صعوبة تدخّله ميدانيّاً أو تأثيره على مجريات المعركة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل…

“حرب إيران” تؤجّل الانتخابات أم تَحسمها؟

هل يكون “الإعصار” الحربيّ الذي يَضرب المنطقة، وقد يشمل لبنان، هو الحدث المفصليّ الذي سيطيح بالانتخابات النيابيّة، بوصفها استحقاقاً داخليّاً هو “جزءٍ من كلّ”، ستلفحه تأثيرات…

هل تستعيد إسرائيل حلفها القديم مع إيران؟

كانت إيران الشاه أحد أعمدة العقيدة الإسرائيليّة في السياسة الخارجيّة، فيما يعني محاصرة دول الطوق العربيّ المعادي لإسرائيل بالمثلّث غير العربي: إثيوبيا في الجنوب، وتركيا…