استسلم عبد الملك. يا له من خبر جليل. صحيحٌ أنه مقتضبٌ، لكنه أكبر بكثير من مجرد حدث قد يمر على مسامعنا مرور الكرام. لقد تورّم رأس الرجل على مدى سنوات حتى انفجر. بدأت حكاية الورم باستنساخ كامل لأمين عام حزب الله. من رفع الإصبع، إلى مشهديات الظهور المنمّق عبر شاشات عملاقة، ومن توطئة الخطاب وأسلوب الخطابة، إلى كل تفصيل من تفاصيله الدقيقة، حتى كدنا نظن أنه قد يتدرب على افتعال لدغة الراء، ليصير مماثلاً حد التطابق.
زحف عبد الملك الحوثي من صعدة إلى صنعاء. أراد للعاصمة السعيدة أن تصير طوع بنانه. واجه علي عبد الله صالح، ثم حالفه، ثم شطبه برصاصة قاتلة في الرأس. وقد قالت القبائل يومذاك: ظل الفتى الأسمر يرقص على مدى أربعة عقود فوق رؤوس الثعابين، وها قد لدغه ثعبان لا يرحم.
حين هوت صنعاء وأخواتها. خرج الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي ليرفع الصوت باكرًا على الملأ. قال للزميل غسان شربل: إذا سيطرت إيران على باب المندب فلن تعود بحاجة لقنبلة نووية. وما هي إلا أيام حتى احتفى الحرس الثوري بالسيطرة على أربعة من عواصم العرب.
استسلم عبد الملك. يا له من خبر جليل. صحيحٌ أنه مقتضبٌ، لكنه أكبر بكثير من مجرد حدث قد يمر على مسامعنا مرور الكرام
انضمت صنعاء إلى الهلال الإيراني الخصيب. ثم صارت خنجرًا غائرًا في خاصرة العرب. حاولت السعودية بكل الوسائل الممكنة والمتاحة أن تتجنب الكأس المرّ في حديقتها الخلفية، لكن كل مساعيها ارتطمت باعتداء موصوف وموصول ومستدام، فكان لا بد من عاصفة حزم، ليس في مواجهة عبد الملك وجماعته فحسب، بل في مواجهة أولى تجارب وحدة الساحات، التي حاكها قاسم سليماني بهدف اخضاع المنطقة برمتها.
عبد الملك وحيدًا
أشرف حزب الله على التدريب، ثم بادر إلى المساعدة والمشاركة، فيما توكل أمينه العام بفتح حرب كلامية من العيار الثقيل، وقد بدا وقتذاك أن الخطابات النارية وغير المسبوقة التي قالها نصر الله تجاه المملكة ودول الخليج، تتجاوز في حدتها كل ما سبقها وما لحقها من خطابات، وهي تفوق بأضعاف أدبيات حزب الله التقليدية بوجه إسرائيل. وبالتوازي مع رفع السقوف بوجه التحالف العربي، استهدف الحوثي مطار الملك خالد في الرياض بصواريخ باليستية صُنعت في طهران. ثم ضُربت أرامكو بمسيرات إيرانية. ثم قيل إن صاروخًا تم تفجيره خارج الغلاف الجوي، كان في طريقه إلى مكة المكرمة.

مع انفجار المنطقة عقب طوفان الأقصى، دخل عبد الملك مجددًا إلى لعبة عض الأصابع. تحركت كل الساحات التي تُسيطر عليها إيران. وصار لزامًا عليه أن يُبادر في باب المندب وفي البحر الأحمر. بدا أن نبوءة عبد ربه منصور هادي قد استحالت واقعًا لا فكاك منه، وأن أكثر من ثلثي التجارة في الكوكب باتت تحت رحمة المرشد الأعلى في طهران.
على نحو عاجل هوى حزب الله في بيروت. سقطت قياداته العسكرية التاريخية. وقضى أمينة العام. وما هي إلا أسابيع حتى هرب بشار الأسد من دمشق إلى موسكو. لحقته بغداد بالانكفاء والابتعاد. وذهبت طهران مكسورة نحو تجرع السم في مسقط. ثم في روما. وبقي عبد الملك يعاني وحيدًا في صنعاء تحت وابل من الضربات الهائلة.
إقرأ أيضاً: لا للمظلّة الإسرائيليّة ولو سقطت السّماوات
الأن استسلم عبد الملك. يا له بالفعل من خبر جليل. عادت بيروت إلى أهلها وإلى حضنها الطبيعي. وعادت معها دمشق وتعود بغداد. وقديمًا قالت العرب: لا بد من صنعاء ولو طال السفر. الآن صار القول: ولو طال خبر الاستسلام..
لمتابعة الكاتب على X:
