محمد يوسف بيضون.. البيروتيّ الكبير

مدة القراءة 3 د


في الوقت الذي تبحث فيه القوى السياسية مسيحية وإسلامية بتنوّع طوائفها ومذاهبها على خيط مهما كان حجمه صغيراً أو كبيراً لربطه مع سُنّة لبنان في هذه المرحلة الدقيقة والمصيرية، رحل محمد يوسف بيضون النائب والوزير البيروتيّ العريق.

لم يكن محمد يوسف بيضون شيعياً ولا سنّياً بالمعنى السياسي للكلمة، أي أنّه لم يحمل قضايا الشيعة بوصفه شيعياً على كتفيه، كما لم يكن مستتبَعاً لأيّ زعامة سنّية، بل كان دوماً وأبداً بيروتيّاً حتى العظم حاملاً قضايا البيارتة شيعة وسُنّة ودروزاً ومسيحيين.

دخل الراحل الكبير منزل العائلة زائراً في موسم الانتخابات النيابية عام 2000، وجلس في صدر البيت يحيطه رجالات العائلة ووجهاؤها، وفور جلوسه استأذن الجميع أن يخلع ربطة العنق قائلاً ممازحاً: “هذا البلد لا يحتمل مشنوقين، بل مشنوقاً واحداً” (قاصداً زميله محمد المشنوق) في لائحة الرئيس تمام سلام الانتخابية في دائرة بيروت الثانية. ما إن بدأ الحديث مع الحاضرين وقف أحدهم متكلّماً متفاخراً بنجله المتفوّق في الدراسة والعمل حيث بات من أركان البنك الدولي ورجال المال والأعمال، فعاجله بيضون بالقول: “أنصحك يا أخي بعدم الحديث عن ولدك أمام الناس، فلا تجعله عُرضة للحسد والغيرة. الحسد قاتل سيجعلك تخسر ولدك. اسألني أنا، فقد خسرت ولدي، وهي أكبر خسارة لي”.

93 عاماً عاشها محمد يوسف بيضون بطولها وعرضها في حبّ بيروت وأهلها، ومن أحبّ بيروت أحبّ لبنان، فهو ممّن كانوا يؤمنون أنّ لبنان بخير طالما بيروت بخير

محمد يوسف بيضون، البيروتي الذي قاد قلعة الشيعة البيارتة (العاملية)، تمكّن من نسج علاقة تعايش وانسجام مع الأكثرية السنّية البيروتية دون أيّ تنازل أو ارتهان. لم يذهب بشيعة بيروت إلى التجمّعات السنّية، بل أشرك السُنّة في إحياء مراسم عاشوراء، وجملته الشهيرة التي يحفظها البيارتة عنه: “الحسين فقيدنا جميعاً”.

كانت احتفالات عاشوراء في العاملية مناسبة للجمع لا التفريق عند محمد يوسف بيضون، حتى إنّ القارئ في “يوم الفلّة” كان من سُنّة بيروت من آل يمّوت عائلة القرّاء لكتاب الله في العاصمة.

مدارس العاملية لم تكن حكراً على الطلاب الشيعة ولا على الموظّفين الشيعة، بل كانت دوماً وأبداً حكراً على البيارتة مسلمين ومسيحيين ودروزاً.

يرحل محمد يوسف بيضون عن 93 عاماً. بدأ العمل السياسي في بداية السبعينيات بعد وفاة عمّ والده رشيد بيضون الذي كان يلقّب بسارق الأطفال حيث كان يأخذ الأطفال من الشوارع إلى المدراس قسراً.

انتُخب نائباً عن بيروت في عام 1972، واستمرّ في موقعه حتى عام 1996، ولم يحالفه الحظّ في انتخابات عام 2000.

عُيّن وزيراً للصناعة والنفط ثلاث مرّات في حكومة الرئيس شفيق الوزّان عام 1980، ووزيراً للموارد الكهربائية والمائية في حكومة الرئيس عمر كرامي عام 1992، ووزيراً للتربية والتعليم العالي والثقافة في حكومة الرئيس سليم الحص عام 1998.

إقرأ أيضاً: هنري كيسنجر: أسطورة لا تنتهي بالموت..

93 عاماً عاشها محمد يوسف بيضون بطولها وعرضها في حبّ بيروت وأهلها، ومن أحبّ بيروت أحبّ لبنان، فهو ممّن كانوا يؤمنون أنّ لبنان بخير طالما بيروت بخير.

احتفل لبنان منذ فترة قصيرة بعامه المئة. محمد يوسف بيضون عندما وُلد كان لبنان لم يتجاوز 11 عاماً. هو من طينة الرجال الذين يرتبط عمر لبنان بعمرهم، ومن طينة الرجال الذين إن رحلوا عجزنا جميعاً عن إيجاد نظراء لهم، مثله كمثل صديقيه صائب سلام وتقيّ الدين الصلح اللذين نفتقدهما كلّ يوم.

لمتابعة الكاتب على تويتر: ziaditani23@

مواضيع ذات صلة

هذا هو قاتل الرّشيد

تسعة وثلاثون عاماً على اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكأنّ الطائرة المروحيّة تقلع في هذه اللحظات من معرض الرشيد باتّجاه المسبح العسكريّ في بيروت. تسعة وثلاثون…

هذا فيصل بن عمر

هذا الذي تعرف الفيحاء وطأته، وتعرفه ساحات المدينة وأسواقها وبحرها. هذا ابن عمر، “قبضاي” المدينة كلّها، من رمى استقالته من رئاسة الحكومة نصرةً لدم رفيق…

عزّ الدين الحدّاد: آخر “جنرالات الأنفاق”

لم تكُن الرّصاصة الأخيرة ليل الجمعة مُجرّد تصفية حسابٍ مع مطلوبٍ غابَ طويلاً في الظّلّ، بل كانت هَدماً للجدار الأخير في مُجمّع قيادة الرّعيل الأوّل….

37  عاماً.. ونحن ما نزال ننتظر “مفدينا” الشّهيد

أترانا لم ندفن “مفدينا” شهيدنا حتّى اليوم؟ أترانا لم نجرؤ على نعيه؟ لم نعد من جنازته؟ أتراه لم يُستشهد في ذاك الانفجار؟ أم رحلنا معه…