ياسر علوي: السفير الذي في خاطر اللبنانيّين

مدة القراءة 4 د


لا يعرف الكثير من اللبنانيين أنّ السفير المصري في بيروت ياسر علوي ينحدر من أسرة ثريّة بالعلم، وأنّ في عائلته عدداً متتالياً من أفرادها تبوّأوا مناصب رسمية عالية في الدولة المصرية منذ الخمسينيات. أمّا السرّ في هذه السلالة فهو أنّ “جذعاً عريضاً” منها أكثر ثراءً في عالم الموسيقى نقل إلى فرعه الصغير الذي صار سفيراً بصبرٍ وتؤدة هذا العلم بتفاصيله فتخصّص بكتابة مقالات تبدأ بـ”النهاوند” ولا تنتهي بمفاتيح الطرب في الموسيقى العربية..
السلالة نفسها ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بانضباط النظام الإنكليزي عبر الأناقة والدراسة من دون أن تفقد حسّها المصريّ الفكاهيّ المرهف بفرحة دقّة الأوصاف. تدرّجت الدراسة من الكبير إلى الصغير في أوكسفورد الجامعة البريطانية الأعرق، وكان آخرهم وليس أخيرهم الدكتور ياسر نفسه.
يحسن السفير المصري الاختباء خلف دبلوماسيّته المحترفة، فلا يكشف عن خصوصيّاته باعتبار أنّ المهمّة المكلّف بها هي الأساس والباقي تفاصيل تخصّه وحده.
إلّا أنّ كلّ ما سبق من أوصاف لم ينتقص من عروبته حرفاً واحداً، بل إنّه أضاف للروافد العربية دقّته البريطانية إلى ما هو الأحدث في هويّته الأصلية.

تسلّم السفير علوي مهامّه في لبنان منذ أربع سنوات تقريباً آتياً من مكتب وزيره سامح شكري حاملاً منه رصانة في الكلام ودقّة في التعبير وقلّة من العلنيّة وصلابة في الموقف لا تلين ولو تغلّفت بتعابير دبلوماسية راقية

عمل السفير علوي 9 سنوات في لبنان لفترتين منقطعتين حافلتين بما لا ينسى من محطّات تاريخية شابها السواد. شهد نتائج اغتيال الرئيس رفيق الحريري وعاصر حرب تمّوز في عام 2006 والفجيعة الوطنية في 7 أيار. ثمّ غاب لمهامّه في واشنطن عاصمة العالم ثمّ عاد فوجد أمامه الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي وفراغ الدولة من حصاناتها الدستورية.
غير أنّه لم يشتكِ ولم يملّ ولم يتهاون في إيمانه بإبداع الشعب اللبناني الذي عرفه عن كثب في المسرح والكتاب والموسيقى والاقتصاد والسياسة طبعاً.
تخرّج مرّتين من كليّة بيروت للعلوم السياسية وأعطى السيرة السياسية اللبنانية الأكثر من علمه وخبرته وتفوّقه في اكتساب الصداقات في كلّ المجالات وفي كلّ الاتّجاهات المتضاربة، وما أكثرها في لبنان.
وضع السفير نزيه نجاري الذي سبقه إلى بيروت اللبنة الأولى لإعادة الحيوية إلى الدور المصري في لبنان، وترك للسفير العلوي الذي جاء بعده أن يفتح “أوتوسترادات” العلاقات المصرية اللبنانية.
نادراً ما تحدّث السفير العلوي علناً إلى أن جاءت الذكرى الـ71 للثورة المصرية فأظهر في كلمته بالمناسبة عروبة مصر العائدة إلى لعب دورها التاريخي بعدما أطلق على الثورة المصرية الناصرية صفة الحلم والقيَم التي ما زالت صالحة لنهتدي بها.

يحسن السفير المصري الاختباء خلف دبلوماسيّته المحترفة، فلا يكشف عن خصوصيّاته باعتبار أنّ المهمّة المكلّف بها هي الأساس والباقي تفاصيل تخصّه وحده

خاطب لبنان بما يستحقّ من مكانة وأعلن شراكة بين القاهرة وبيروت في الحلم والهمّ معاً.
كشف الغطاء عن أنّ قيامة لبنان هي حاجة عربية ودولية على عكس كلّ ما يشاع من أنّ لبنان ليس على بال أحد.
استخدم القاعدة الشرعية بأنّ مساعدة لبنان هي “فرض عين” وليست منحة تُمنح في أوقات الفراغ الوطني أو الدولي.
استعمل خبرته السابقة في دقّة الحساب السياسي، لأنّه كان لفترة من حياته مصرفيّاً. استخدمها لتحديد خريطة السلامة اللبنانية بثابتتَيْن استراتيجيّتَيْن، أولاهما سلامة الدستور وثانيتهما إعادة تكوين السلطة التنفيذية.
تسلّم السفير علوي مهامّه في لبنان منذ أربع سنوات تقريباً آتياً من مكتب وزيره سامح شكري حاملاً منه رصانة في الكلام ودقّة في التعبير وقلّة من العلنيّة وصلابة في الموقف لا تلين ولو تغلّفت بتعابير دبلوماسية راقية.

إقرأ أيضاً: مصر حاضرة دائماً في لبنان

نجح السفير الدكتور في الامتحان فزيّن صورة الدبلوماسية المصرية بأصدق ما في الإقدام من دون تهوّر، وأكّد دور هذه الدبلوماسية العريقة في سلامة الدولة اللبنانية وحقّ أهلها بالحرّية والعدالة والعروبة أيضاً وأيضاً.
يغادر الدكتور ياسر.
يا ليت وزيره يخالف التقليد البيروقراطي فالأيام اللبنانية حبلى بالمفاجآت.
يغادر وفي خاطره لبنان أينما ذهب.

مواضيع ذات صلة

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…