النسور الخضر في مونديال 2026: التأهل ممكن

مدة القراءة 6 د

تُشارك المملكة العربية السعودية في مونديال 2026 للمرة السابعة في تاريخها، وللمرة الثالثة على التوالي. وُضع المنتخب السعودي في المجموعة H إلى جانب إسبانيا والأوروغواي والرأس الأخضر. مجموعة تبدو في متناول اليد نظرياً، لكنها محفوفة بالمخاطر عملياً. غير أن النسور الخضر دخلوا منافسات أصعب في الماضي وخرجوا منها بالمفاجأة، ومن يُنسى هدف سالم الدوسري الذي أسكت ملعباً كاملاً في مواجهة الأرجنتين؟ فرص التأهل إلى دور الستة عشر ممكنة لكنها ليست مضمونة، وقد تكون مباراة الرأس الأخضر هي مفتاح الحسم.

 

مسيرة الفريق مع كأس العالم ليست وليدة اليوم؛ فقد بدأت عام 1994 حين حقق أفضل إنجازاته على الإطلاق. في تلك النسخة الأميركية، بلغ المنتخب السعودي دور الستة عشر قبل أن يودّع البطولة على يد السويد. لكن ما بقي في ذاكرة العالم أكثر من تلك المشاركة هو مفاجأة قطر 2022، حين أذهل النسور الخضر الجميع بتحقيق فوز تاريخي على الأرجنتين بطلة العالم في مرحلة المجموعات، في واحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ البطولة.

لم تكن الاستعدادات السعودية لهذه النسخة خالية من الاضطراب. أُقيل المدرب الفرنسي إيرفيه رونار في أبريل 2026 إثر خسارتين متتاليتين في مباريات ودية، وتولى اليوناني جورجيوس دونيس قيادة الفريق خلفاً له. تغيير المدرب قبل أشهر من انطلاق البطولة قد يُلقي بظلاله على تماسك الفريق وانسجامه التكتيكي، غير أن الاتحاد السعودي راهن على أن دونيس سيُعيد للفريق توازنه في وقت قياسي.

أبرز نجومه

يقف سالم الدوسري على رأس قائمة أبطال هذا المنتخب. الجناح الأيسر لنادي الهلال والبالغ من العمر 34 عاماً يحمل شارة القيادة، ويُعدّ أكثر لاعبي الفريق خبرةً بـ108 مباريات دولية، فضلاً عن كونه مشاركاً أساسياً في آخر مونديالين. وهو يتقاسم لقب أعلى هداف سعودي في تاريخ كأس العالم بثلاثة أهداف، وقد نال جائزة أفضل لاعب آسيوي لعام 2025.

إلى جانبه، يبرز فراس البريكان مهاجم الأهلي بوصفه رأس الحربة للهجوم السعودي، إذ كان صاحب الحصة الأكبر من الأهداف خلال التصفيات. أما سعود عبدالحميد، المدافع الذي يلعب في الدوري الفرنسي مع نادي لانس، فيُعدّ الأكثر خبرةً على المستوى الأوروبي في تشكيلة الفريق، وقد سجل هدفين وقدم أربع تمريرات حاسمة في الدوري الفرنسي هذا الموسم. كما يُشكّل محمد كانو صخرةً في قلب الوسط الدفاعي، فيما يصنع الحارس نواف العقيدي الفارق في المواقف الحرجة بعد أن أنقذ فريقه في اللحظات الأخيرة من مباراة التأهل الفاصلة.

نقاط قوة النسور الخضر

يتميّز المنتخب السعودي بأكثر من نقطة قوة:

أولاً: التماسك الجماعي والانسجام العميق

ما يميز المنتخب السعودي عن كثير من نظرائه في هذه البطولة هو ذلك الانسجام النادر الذي يجمع لاعبيه. يعرف لاعبو هذا الفريق بعضهم معرفة تامة، لأنهم اعتادوا اللعب معاً على مستوى الأندية والمنتخب في آنٍ واحد، وهو ما يخلق تواصلاً تلقائياً على أرض الملعب يصعب تعليمه في معسكرات الاستعداد القصيرة. معظم هؤلاء اللاعبين يلتقون في الدوري السعودي للمحترفين أسبوعاً بعد أسبوع، ويتعاملون مع أنماط لعب بعضهم بصورة تلقائية. هذا النوع من الكيمياء هو ما حوّل المنتخب السعودي إلى وحدة متراصة لا مجرد مجموعة نجوم متجاورين.

ثانياً: الانضباط التكتيكي وخط الدفاع العالي

يمتلك المنتخب انضباطاً جماعياً لافتاً، وقادر على تنفيذ مخططات ضغط عالية المخاطر كفخ التسلل الذي نفّذه بإتقان أمام الأرجنتين في قطر 2022. يعتمد الفريق على كتلة دفاعية متماسكة مع انتقالات سريعة وهجمات مرتدة منظمة، وهو نمط لعب يُربك الفرق التي تعتمد على الحيازة المطوّلة. الخط الدفاعي يضم حسن التمبكتي وعلي اللجامي اللذين يجمعان بين القوة الجسدية والقدرة على كسب الكرات الهوائية، مما يجعل مهمة المهاجمين المرتفعين صعبةً أمامهم.

ثالثاً: الكرة المرتدة كسلاح استراتيجي

يُتقن المنتخب السعودي فنّ الكرة المرتدة بمستوى يفوق ما يُتوقع من فريق مرتبته 61 عالمياً. سالم الدوسري على الجناح الأيسر، ومصعب الجويّر وعبدالرحمن غريب على اليمين، يشكلون ثلاثي جناحين قادراً على التحول من الدفاع إلى الهجوم في ثوانٍ معدودة. الطرفان الهجوميان ودور سعود عبدالحميد في الارتداد السريع من الجناح الأيمن يُشكّلون محاور رئيسية في خطة الضربات السريعة.

الجناح الأيسر لنادي الهلال والبالغ من العمر 34 عاماً يحمل شارة القيادة، ويُعدّ أكثر لاعبي الفريق خبرةً بـ108 مباريات دولية

رابعاً: القدرة على صنع المفاجآت الكبرى

المنتخب السعودي يحمل بروفايل “قاتل العمالقة” في المحافل الدولية، وهو قادر على تحطيم أي تراتبية من خلال خطة لعب شرسة ومتماسكة دفاعياً. هذه السمعة ليست مجرد كلام؛ الفوز على الأرجنتين عام 2022 كان إعلاناً صريحاً أن هذا الفريق لا يُستهان به مهما كان الخصم. وهذه الذاكرة الجمعية للانتصار على البطل تُشكّل وقوداً نفسياً لا يُقدَّر بثمن في اللحظات الحاسمة.

خامساً: خبرة مونديالية متراكمة

هذه المشاركة السابعة في تاريخ المنتخب تعني أن ثمة لاعبين يدخلون هذا المونديال وفي جعبتهم تجربة مونديال أو اثنين. سالم الدوسري يخوض مونديالاً ثالثاً، ومحمد العوّيس ومحمد كانو وحسن التمبكتي يحملون خبرة قطر 2022. هؤلاء يعرفون ضغط الملاعب الكبيرة ولن تتجمد أقدامهم في أول مواجهة صعبة.

سادساً: الدوري السعودي منصة تحضير عالية المستوى

لا يمكن إغفال أثر التحولات الكبرى التي شهدها الدوري السعودي للمحترفين في السنوات الأخيرة. أصبح الدوري السعودي من أكثر الدوريات جاذبيةً على مستوى العالم، مما يعني أن لاعبي المنتخب باتوا يتدربون ويلعبون أسبوعياً أمام نجوم عالميين من أمثال رونالدو ونيمار وبنزيمة وكفاران، وهو ما رفع من مستواهم التكتيكي والبدني بصورة محسوسة. الاحتكاك اليومي بهؤلاء الكبار يُعلّم أكثر مما تُعلّمه أي معسكرات تحضيرية.

مجموع هذه العوامل يجعل من المنتخب السعودي فريقاً أكثر خطورةً مما توحي به مرتبته في التصنيف العالمي. إنه الفريق الأقدر على استنزاف الكبار من خلال ضغط متواصل ومتانة دفاعية حقيقية.

إقرأ أيضاً: المونديال الأغلى في التّاريخ… لكن أين الجماهير؟

نقاط الضعف

في المقابل، يفتقر الفريق إلى عمق هجومي كافٍ في مواجهة الدفاعات المحكمة، وهو عرضة لضغط الخصوم العاليين. كما أن شُحّ التجربة الأوروبية يطغى على تشكيلة تعتمد بشكل شبه كلي على محترفي الدوري السعودي. وتجدر الإشارة إلى أن المدرب دونيس أحجم عن استدعاء مروان الصحافي، الجناح الذي يحترف في بلجيكا مع أنتويرب، وهو قرار أثار جدلاً واسعاً حول مدى تقدير الجهاز الفني للخبرة الأوروبية.

مواضيع ذات صلة

المونديال الأغلى في التّاريخ… لكن أين الجماهير؟

قبل أسابيع قليلة فقط من انطلاق بطولة كأس العالم في كرة القدم، بدأت تتكشّف مؤشّرات مقلقة بشأن الحدث الذي كان يُفترض أن يكون الأضخم والأكثر…