قبل أسابيع قليلة فقط من انطلاق بطولة كأس العالم في كرة القدم، بدأت تتكشّف مؤشّرات مقلقة بشأن الحدث الذي كان يُفترض أن يكون الأضخم والأكثر ربحيّة في تاريخ المسابقة العالميّة. المونديال الذي تستضيفه الولايات المتّحدة وكندا والمكسيك، بمشاركة قياسيّة تبلغ 48 منتخباً و104 مباريات، يواجه اليوم تحدّيات تنظيميّة واقتصاديّة وسياحيّة متزايدة، أبرزها التراجع الكبير في الحجوزات الفندقيّة داخل المدن الأميركيّة المستضيفة، وسط مخاوف مرتبطة بالحروب والتوتّرات الجيوسياسيّة وارتفاع تكاليف السفر.
كانت التوقّعات الأوّليّة تشير إلى أنّ البطولة ستتحوّل إلى ماكينة اقتصاديّة هائلة، مع تقديرات تحدّثت عن مليارات الدولارات من العائدات السياحيّة، وتدفّق ملايين المشجّعين من مختلف أنحاء العالم. لكنّ الوقائع الحاليّة ترسم صورة أكثر تعقيداً، بل إنّ بعض التقارير الأميركيّة بدأت تتحدّث عن “فجوة” واضحة بين الحماسة النظريّة للمونديال وبين الإقبال الفعليّ على السفر والحجز.
بحسب تقرير صادر عن “الجمعيّة الأميركيّة للفنادق والإقامة” (AHLA)، أكّد نحو 80% من أصحاب الفنادق في المدن الأميركيّة المضيفة أنّ الحجوزات الحاليّة أقلّ بكثير من التوقّعات الأوّليّة. شمل التقرير 11 مدينة أميركيّة تستضيف مباريات، بينها نيويورك، ميامي، دالاس، هيوستن، سياتل، ولوس أنجلس.
كارثة فندقيّة
تظهر الأرقام حجم المشكلة بشكل أوضح. تحدثّت تقارير في مدينة كانساس سيتي عن تراجع الحجوزات بنسبة تراوح بين 85% و90% مقارنة بما كان متوقّعاً لهذا الوقت من السنة، فيما سجّلت بوسطن انخفاضاً قارب 80%. هذا واضطرّت “فيفا” إلى إلغاء أو إعادة طرح ما يقارب 70% من الغرف التي كانت قد حجزتها مسبقاً ضمن ما يُعرف بـ “Room Blocks”، بعدما تبيّن أنّ الطلب الفعليّ أقلّ بكثير من التقديرات.
يخشى مراقبون أن يتحوّل المونديال من احتفال عالميّ ضخم إلى حدث أقلّ زخماً من المتوقّع على المستوى السياحيّ، خصوصاً إذا استمرّت التوتّرات
يبدو أنّ الحرب والتوتّرات الدوليّة لعبت دوراً أساسيّاً في هذا التراجع. رفع التصعيد العسكريّ في الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب المرتبطة بإيران، أسعار الوقود والطيران بشكل كبير، فزادت كلفة السفر على المشجّعين، خصوصاً القادمين من أميركا اللاتينيّة وإفريقيا وآسيا، ودفعت المخاوف الأمنيّة العالميّة كثيرين إلى التريّث أو إلغاء خطط السفر بالكامل.
لا تقتصر الأزمة على العامل الأمنيّ فقط، فالحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتّحدة بات أكثر تعقيداً بالنسبة لعدد من الدول، مع شكاوى متزايدة من بطء الإجراءات وارتفاع متطلّبات الضمان الماليّ. حتّى إنّ بعض التقارير تحدّثت عن طلب ضمانات ماليّة مرتفعة من مشجّعين ينتمون إلى دول إفريقيّة وآسيويّة، الأمر الذي خلق انطباعاً سلبيّاً لدى جماهير كانت تاريخيّاً من الأكثر شغفاً بالسفر خلف منتخباتها.
في المقابل، تواجه المدن المضيفة مشكلة إضافيّة تتمثّل في ارتفاع الأسعار المبالغ فيه. رفعت الفنادق أسعارها في البداية بشكل كبير، مستفيدة من التوقّعات المتفائلة، لكنّ ضعف الإقبال دفع العديد منها لاحقاً إلى خفض الأسعار مجدّداً بنسبة تجاوزت 30% و40% في بعض المدن، في محاولة لجذب الحجوزات المتأخّرة.
حتّى أسعار النقل الداخليّ والمباريات نفسها أصبحت موضع انتقاد واسع، فبعض التذاكر وصل إلى آلاف الدولارات، بينما ارتفعت أسعار القطارات والتنقّل بين المدن الأميركيّة بشكل أثار استياء المشجّعين، خاصّة أنّ البطولة موزّعة على مساحة جغرافيّة ضخمة تمتدّ بين ثلاث دول. جعل هذا الواقع حضور أكثر من مباراة حلماً مكلفاً بالنسبة لكثير من الجماهير.
الخوف الكبير
لا تزال “الفيفا” تؤكّد أنّ البطولة ستحقّق نجاحاً جماهيريّاً كبيراً، مستندة إلى بيع أكثر من خمسة ملايين تذكرة حتّى الآن، إلّا أنّ قطاع الفنادق والسياحة لا يبدو مطمئنّاً بالكامل. المشكلة الأساسيّة لا تتعلّق بعدد التذاكر فقط، بل بنسبة المشجّعين الذين سيحضرون فعليّاً من الخارج ويقيمون لفترات طويلة، وهم العامل الذي يعوّل عليه الاقتصاد السياحيّ لتحقيق الأرباح الكبرى.
لا تقتصر الأزمة على العامل الأمنيّ فقط، فالحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتّحدة بات أكثر تعقيداً بالنسبة لعدد من الدول
يخشى مراقبون أن يتحوّل المونديال من احتفال عالميّ ضخم إلى حدث أقلّ زخماً من المتوقّع على المستوى السياحيّ، خصوصاً إذا استمرّت التوتّرات الدوليّة والحروب الحاليّة خلال الأسابيع المقبلة. إلى ذلك قد يحمل اعتماد “الفيفا” على الحجوزات المتأخّرة مخاطر كبيرة، إذ لا توجد ضمانات حقيقيّة لأن تقرّر الجماهير السفر في اللحظة الأخيرة، خاصّة في ظلّ الغلاء العالميّ والضبابيّة السياسيّة.
مع اقتراب صافرة البداية، تبدو الولايات المتّحدة أمام اختبار حقيقيّ: هل ينجح أكبر مونديال في التاريخ في استعادة الزخم المتوقّع أم تفرض الحروب والاقتصاد والتعقيدات السياسيّة واقعاً مختلفاً على البطولة التي كان يُفترض أن تكون استثنائيّة بكلّ المقاييس؟
