الأردن: من هو “الجنرال” الذي يتحكّم بالرأي العام

مدة القراءة 6 د

إذا كان لكلّ مرحلة سياسيّة سؤالها المركزي، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في الأردن ليس من يقف خلف حساب “الجنرال” الالكتروني، بل كيف أصبح حسابٌ مجهول الهويّة قادراً على أن يزاحم الدولة والإعلام التقليدي في صناعة الحدث وتوجيه النقاش العام. ففي زمنٍ لم تعد فيه المعلومة حِكراً على المؤسّسات، بات منشورٌ واحد على منصّة رقميّة كفيلاً بإرباك المشهد السياسي، وإطلاق موجات من الجدل، واستدراج ردود رسميّة، وأحياناً فرض أولويّات جديدة على الرأي العام.

 

أثار حساب مجهول يُدار من خارج الأردن، ويُعرف باسم “الجنرال”، واحدة من أكبر موجات الجدل السياسيّ والإعلاميّ التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة. فمن خلال نشر وثائق رسميّة ومعلومات تتعلّق بمسؤولين ومؤسّسات حكوميّة، نجح الحساب في فرض نفسه لاعباً مؤثّراً في النقاش العامّ، وأصبح كلّ منشور جديد يصدر عنه مادّة تتصدّر منصّات التواصل، وفي كثير من الأحيان يدفع مؤسّسات رسميّة إلى إصدار توضيحات أو نفي أو فتح تحقيقات.

لا تبدو ظاهرة “الجنرال” مجرّد قصّة حساب غامض أو تسريبات مثيرة، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في موازين النفوذ داخل الفضاء الرقمي

المعلومة الرقمية في مواجهة الدولة

بعيداً عن هويّة صاحب الحساب، التي ما تزال مجهولة، تكشف هذه الظاهرة عن تحوّل يتجاوز الأردن نفسه. فالمشهد لم يعد يتعلّق بشخص أو منصّة، بل بواقع جديد أصبحت فيه الحسابات الرقميّة قادرة على منافسة المؤسّسات الرسميّة ووسائل الإعلام في صناعة الأجندة العامّة، بل وفي دفع الحكومات إلى التفاعل مع ما يُنشر على وسائل التواصل.

إذا كانت التسريبات السياسيّة ليست ظاهرة جديدة، فإنّ الجديد هو حجم التأثير الذي يمكن أن يحقّقه فرد مجهول الهويّة يعمل من خارج حدود الدولة، مستفيداً من سرعة انتشار المعلومات، واتّساع الجمهور، وتراجع قدرة المؤسّسات التقليديّة على احتكار الخبر أو التحكّم في مساره.

هذه ليست تجربة أردنيّة خالصة. فقد شهد العالم خلال العقدين الماضيين صعود نماذج مشابهة، من “ويكيليكس” إلى إدوارد سنودن المتعاقد التقني والعميل السابق في وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي الأميركية والذي اتهم بتسريب وثائق حكومية سرية للغاية كشفت عن برامج تجسس ومراقبة جماعية ضخمة للاتصالات والانترنت، وصولاً إلى حسابات رقميّة مجهولة لعبت أدواراً مؤثّرة في كشف معلومات وإحراج حكومات وإشعال نقاشات عامّة. غير أنّ الحالة الأردنيّة تبدو مختلفة لأنّها تتشكّل داخل دولة مستقرّة ومؤسّسات قائمة، وهو ما لا يجعل السؤال الحقيقيّ: من هو “الجنرال”؟ بل لماذا أصبح حساب مجهول قادراً على منافسة الدولة في إدارة النقاش العامّ؟

البحث عن المعلومة

لا تكمن الإجابة في الغموض الذي يحيط بصاحب الحساب، بقدر ما تكمن في البيئة التي سمحت له بالانتشار. فحين يشعر الجمهور بأنّ الوصول إلى المعلومة بات أسرع عبر منصّة رقميّة منه عبر المؤسّسات الرسميّة أو وسائل الإعلام التقليديّة، تتغيّر معادلة الثقة. لا يبحث الناس عن المجهول لذاته، بل عن المعلومة التي يعتقدون أنّها غائبة أو مؤجّلة أو غير مكتملة، وحين يجدونها في مكان آخر تنتقل ثقتهم إليه تدريجاً.

لكنّ الوجه الآخر لهذه المعادلة لا يقلّ أهميّة. فالتسريبات، مهما بدت مثيرة أو مدعومة بوثائق، لا تتحوّل تلقائيّاً إلى حقائق نهائيّة. وقد تكون الوثيقة صحيحة، لكنّ تفسيرها يحتاج إلى سياق قانونيّ أو إداريّ، ويختلف توجيه الاتّهامات عن إثباتها. ولهذا تبقى قواعد التحقّق، حقّ الردّ، والإجراءات القضائيّة ضمانات أساسيّة لا يمكن الاستغناء عنها، سواء جاء النشر عبر صحيفة عريقة أو عبر حساب مجهول.

في المقابل، أصل المشكلة لا يعالجه الاقتصار على ملاحقة الحسابات المجهولة أو التشكُّك في دوافعها. فالتجارب في مختلف أنحاء العالم أثبتت أنّ الفراغ المعلوماتيّ لا يبقى فراغاً. وإذا لم تبادر المؤسّسات إلى تقديم المعلومات بالسرعة والوضوح الكافيَين، فسيتولّى آخرون هذه المهمّة، سواء كانوا صحافيّين استقصائيّين أو ناشطين أو حسابات تعمل بأسماء مستعارة.

قد تنجح السلطات الأردنيّة يوماً في معرفة هويّة “الجنرال”، وقد لا تنجح. لكن حتى لو كُشف الاسم، فلن تنتهي الظاهرة لأنّ القضيّة لم تعد مرتبطة بشخص، بل بعصر جديد

الإعلام التّقليديّ يواجه اختباراً صعباً

الإعلام التقليديّ في الأردن يواجه أيضاً اختباراً صعباً. فبعدما كان يمتلك أفضليّة الوصول إلى المصادر، أصبح ينافس أفراداً لا يخضعون لقواعد النشر ولا لدورات العمل التحريري. غير أنّ ما يميّز الصحافة المهنيّة لم يكن يوماً سرعة النشر وحدها، بل القدرة على التحقُق، وربط الوقائع بسياقها، وتقديم صورة متوازنة لا تكتفي بإثارة الجدل.

لذلك ظاهرة “الجنرال”، التي يمكن أن تكون مؤسّسة وليست فرداً، لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قصّة حساب مجهول نجح في جذب الجمهور الأردنيّ بقوّة، بل باعتبارها مؤشّراً إلى تحوّل أعمق في علاقة الدولة بالمجتمع في العصر الرقميّ. لقد أصبحت المعلومة سلطة مستقلّة، ولم تعد الثقة تُمنح تلقائيّاً للمؤسّسات أو تُسحب منها بقرار إداريّ. إنّها تُبنى يوميّاً، وتُختبر مع كلّ معلومة جديدة، ومع كلّ استجابة رسميّة، ومع كلّ قدرة على الإقناع.

قد تنجح السلطات الأردنيّة يوماً في معرفة هويّة “الجنرال”، وقد لا تنجح. لكن حتى لو كُشف الاسم، فلن تنتهي الظاهرة لأنّ القضيّة لم تعد مرتبطة بشخص، بل بعصر جديد فقدت فيه المؤسّسات قدرتها على إخفاء المعلومة، وأصبح التحدي الحقيقي أمام الدول ليس إسكات الحسابات المجهولة، بل استعادة ثقة الناس، حتّى يعود المصدر الرسميّ هو الوجهة الأولى للمعلومة، لا الطرف الذي يكتفي بالرد عليها.

إقرأ أيضاً: إيران تغدر بالكويت: صواريخ وشائعات عن “الغزو”..

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: لماذا ظهر “الجنرال” المزعوم في هذه المرحلة تحديداً، بينما يواجه الأردن تحديات متشابكة على المستويَين الداخليّ والخارجيّ؟

يضيف التوقيت بعداً آخر إلى الظاهرة، إذ يأتي صعود هذا الحساب في لحظة تتزايد فيها حساسيّة الرأي العامّ تجاه قضايا الإدارة العامّة والاقتصاد والثقة بالمؤسّسات، بالتوازي مع ضغوط إقليميّة تحيط بالدولة الأردنيّة. لكنّ الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تنطلق من فرضيات مسبقة حول دوافع الحساب أو هويّته، بل من فهم البيئة التي سمحت له بالانتشار، والفراغ الذي جعله قادراً على جذب هذا القدر من الاهتمام والتأثير.

مواضيع ذات صلة

كي لا “تضيع” فرصة تطويب البطريرك الحويّك

يصعب في حضرة تطويب البطريرك إلياس الحويّك فصل القداسة عن التاريخ، أو عزل السيرة الروحيّة للرجل عن سيرة ومآلات الدولة التي ولدت من إرادته ومفاوضاته…

النّوويّ السّعوديّ: ما حقيقة شرط ترامب؟

وقّعت الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة بعد ظهر الأربعاء الماضي الاتّفاق النوويّ الذي انتظر أكثر من عقدين. في صباح اليوم التالي، كتب دونالد ترامب على “تروث…

الجنوب… امتحان لبنان وخصومه

في السياسة، لا توجد مناطق تجريبيّة، بل إرادات تجريبيّة. وما طُرح في روما يومَي 13 و14 تمّوز الماضيين، بحسب ما تردّد عن النقاشات، لم يكن…

إيران تغدر بالكويت: صواريخ وشائعات عن “الغزو”..

بكثير من العدائية والحقد، تواصل إيران “حرق الجسور” مع الكويت، غير آبهة بالتكاليف الباهظة والتداعيات المستقبليّة لاعتداءاتها التي تتمدّد من البرّ إلى البحر، وغير مُكترثة…