المسيحيّون يبحثون عن “حويّك مؤسّس” جديد؟

مدة القراءة 6 د

بعد أكثر من قرن على إعلان “لبنان الكبير”، لم يعد السؤال: هل أحسن البطريرك الطوباويّ إلياس الحويّك قراءة خرائط المشرق؟ ولا هل كان المشروع الذي حمله قابلاً للحياة في بيئة تتنازعها الهويّات والمصالح؟ السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل اللبنانيّون، وفي مقدَّمهم المسيحيّون الذين ارتبط اسمهم بولادة الكيان، ما يزالون يؤمنون بالفكرة التي جعلت من لبنان دولة لا مساحة تتقاسمها الجماعات؟

 

لا تعيش الدول بعقودها التأسيسيّة وحدها، بل بقدرتها على تجديد الشرعيّة التي انبثقت منها. وحين تعجز عن إنتاج شرعيّة تتجاوز جماعاتها، تتراجع فكرة الدولة لمصلحة فكرة الجماعة، ويتقدّم طلب الحماية على مفهوم الشراكة الوطنيّة. من هنا، يصبح السؤال الأدقّ: هل مات لبنان الكبير يوم فقد دوره وشرعيّته الوظيفيّة أم يوم فقدت الجماعة المؤسّسة إيمانها بالدولة؟

لا تعيش الدول بعقودها التأسيسيّة وحدها، بل بقدرتها على تجديد الشرعيّة التي انبثقت منها. وحين تعجز عن إنتاج شرعيّة تتجاوز جماعاتها، تتراجع فكرة الدولة لمصلحة فكرة الجماعة

حين فقد لبنان وظيفته… بدأت الصّيغة تتآكل

انشغل النقاش اللبنانيّ، منذ الميثاق الوطنيّ ثمّ اتّفاق الطائف، بالصيغة الدستوريّة أكثر ممّا انشغل بوظيفة الدولة. غير أنّ علم الاجتماع السياسيّ يبيّن أنّ استقرار الدول المركّبة لا يقوم على توازناتها الداخليّة وحدها، بل على قدرتها على إنتاج وظيفة تجعل وجودها ضرورة تتجاوز انقساماتها. وعندما تفقد هذه الوظيفة، تبدأ الجماعات بالبحث عن بدائل للأمن والتمثيل لأنّ الدولة لم تعد تقنعها بأنّها الإطار الأكثر جدوى لحماية مصالحها.

نجح لبنان طوال عقود لأنّه كان أكثر من دولة صغيرة على المتوسّط. فقد أدّى دور الوسيط السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ بين الشرق والغرب، واستمدّ من هذا الدور شرعيّته ومكانته. ولم تكن قوّته في نظامه الطائفيّ، بل في قدرته على جمع الحرّية ورأس المال والتعليم والإعلام في مساحة واحدة، بما منح الدولة معنى يتجاوز حدودها وأحجام جماعاتها.

لهذا لم تبدأ أزمة لبنان عندما اختلّت توازناته الطائفيّة، بل عندما تراجع دوره الإقليميّ وتبدّدت الوظائف التي جعلت منه استثناءً في محيطه. ومع تآكل هذا الدور، تراجعت الثقة بالدولة، وتحوّلت الجماعات تدريجاً من شركاء في مشروع سياسيّ إلى طوائف تفاوض على شروط بقائها.

هل فقدت الجماعة المؤسّسة إيمانها بالدّولة؟

إذا كان لبنان الكبير قد ولد عام 1920 بوصفه مشروعاً سياسيّاً يتجاوز الوقائع الديمغرافيّة، فإنّ أبرز مفارقات الحاضر تكمن في أنّ الجماعة التي دفعت أكثر من غيرها نحو قيامه تبدو اليوم الأكثر ميلاً إلى مراجعة الأسس التي قام عليها. وليس المقصود إصدار حكم أخلاقيّ على المسيحيّين، بل توصيف التحوّل في وعيهم السياسيّ. فتصاعد الدعوات إلى الفدراليّة أو الخطاب الأقلّويّ يعكس اقتناعاً متزايداً بأنّ الدولة لم تعد قادرة على أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها.

هنا تكمن المفارقة. فالحويّك لم يدعُ إلى لبنان الكبير لإقامة دولة للمسيحيّين، بل لأنّه أدرك أنّ مستقبلهم لا يمكن أن يستقرّ إلّا داخل دولة تؤدّي دوراً يتجاوز أحجام الجماعات، وتستمدّ شرعيّتها من خدمة جميع مكوّناتها. لذلك لم يكن مشروعه مشروع حماية، بل مشروع شراكة ورسالة.

أمّا اليوم فإنّ التحوّل الأخطر لا يكمن في تبدّل المواقف السياسيّة، بل في انتقال قسم من النخبة المسيحيّة من التفكير بمنطق الدولة إلى التفكير بمنطق الجماعة. وعندما تصبح الأولويّة البحث عن الضمانات الخاصّة بدل إصلاح الدولة، تكون الأخيرة قد فقدت قدرتها على طمأنة مواطنيها وإنتاج ولاء وطنيّ جامع.

لذلك يمكن القول إنّ لبنان الكبير لم يبدأ بالانهيار يوم رفضه خصومه، بل يوم فقد المدافعون عنه ثقتهم بقدرته على الاستمرار. فعندما تنتقل الجماعة المؤسّسة من الدفاع عن الدولة إلى البحث عن بدائل عنها، يكون العقد التأسيسيّ قد دخل مرحلة الشيخوخة السياسيّة، حتّى لو بقي قائماً من الناحية الدستوريّة.

نجح لبنان طوال عقود لأنّه كان أكثر من دولة صغيرة على المتوسّط. فقد أدّى دور الوسيط السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ بين الشرق والغرب، واستمدّ من هذا الدور شرعيّته ومكانته

الحويّك… بين براءة المؤسّس ومسؤوليّة الوَرَثة

ربّما أكبر ظلم يمكن أن يلحق بالطوباويّ البطريرك إلياس الحويّك هو تحميله مسؤوليّة إخفاقات لم تكن في متناول خياله التاريخيّ. فالمؤسّسون لا يصنعون المستقبل، بل يفتحون إمكاناته. وعندما دعا إلى لبنان الكبير، لم يكن يؤسّس نظاماً طائفيّاً، بل دولة افترض أنّها ستنجح، مع الزمن، في إنتاج مصالح مشتركة تتقدّم على العصبيّات الأوّليّة، وتحوّل التنوّع إلى مصدر قوّة لا سبب دائم للانقسام.

لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال المطروح اليوم أخلاقيّاً بقدر ما هو سياسيّ وتاريخيّ. فالحويّك لا يحتاج إلى الغفران بقدر ما يحتاج إلى الإنصاف. ما انهار في لبنان لم يكن العقد التأسيسيّ بحدّ ذاته، بل الشرعيّة الوظيفيّة التي جعلت ذلك العقد قابلاً للحياة طوال عقود. وحين فقد لبنان دوره، فقدت الدولة قدرتها على استيعاب جماعاتها، فعادت الولاءات الأوّليّة، أي المذهبيّة والطائفيّة، لتملأ الفراغ الذي تركه تراجع الدولة.

من هنا، لا تبدو الفدراليّة، كما سائر مشاريع الانكفاء الطائفيّ، سبب الأزمة بقدر ما هي أحد أعراضها. فهي تعكس تراجع الثقة بقدرة الدولة على أن تكون المرجعيّة المشتركة بين اللبنانيّين، بعدما فقدت احتكارها للسيادة، ورسالتها في الإقليم، وقدرتها على إنتاج معنى جامع للعيش المشترك. لذلك أيّ إصلاح دستوريّ لن يكون كافياً ما لم تسبقه استعادة الوظيفة التي تمنح الدولة شرعيّتها.

يبقى السؤال الذي سيحدّد مستقبل لبنان أكثر ممّا يحدّد قراءتنا لماضيه: هل يستطيع اللبنانيّون إنتاج شرعيّة جديدة للدولة تنبع من دور وطنيّ وإقليميّ متجدّد أم يواصلون إدارة تفكّك بطيء للكيان الذي أنشأه الحويّك؟

إقرأ أيضاً: عون يكتب تاريخ تحرير لبنان من الاحتلاليْن

الدول لا يحفظها الحنين إلى لحظة تأسيسها، ولا تنقذها قداسة المؤسّسين، بل إيمان الأحياء بها، وقدرتهم على إعادة اكتشاف الحاجة إليها كلّما تبدّلت الظروف.

ربّما لهذا السبب، لا يكون السؤال الحقيقيّ: هل نغفر للحويّك؟ بل: أما يزال اللبنانيّون يؤمنون بلبنان الذي أراده؟ فالمؤسّس يؤدّي دوره ثمّ يغادر التاريخ، وأمّا بقاء الفكرة أو أفولها فليس مسؤوليّة المؤسّسين، بل مسؤوليّة الورثة.

لم يخسر لبنان لأنّ مؤسّسيه أخطأوا، بل لأنّ ورثته عجزوا عن تجديد المعنى الذي جعل من الدولة ضرورة تتجاوز جماعاتها. ولذلك ليس السؤال الذي ينبغي أن يواجهه اللبنانيّون: هل يغفرون للحويّك؟ بل ألا يزالون يريدون لبنان الذي حلم به؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

قصّة الشّراكة بين المفتي نجا والبطريرك الحويّك؟

ما كان لدولة لبنان الكبير أن تُعلن لولا الشراكة الوطنيّة بين مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا والبطريرك الياس الحويّك. دور الأوّل في تأسيس لبنان الكبير…

البطريرك الحويّك: طوباويّ لبنان الكبير

طوباويّ جديد للبنان. للمرّة الثانية الطوباويّ ليس راهباً متنسّكاً في محبَسه أو عاملاً في حقله، ولا راهبة متألّمة بصمت في فراشها، إنّما هو بطريركٌ. إنّه…

برّي لـ”أساس”: من تحبّه السّعوديّة يحبّه العالم كلّه

انتظره الخصوم والحاقدون على باب وزارة الخزانة الأميركيّة عند كلّ لائحة عقوبات تضمّ أسماءً لبنانيّة، فإذا به يطلّ من المكتب البيضاوي في واشنطن، في 21…

عون يكتب تاريخ تحرير لبنان من الاحتلاليْن

كثيرة هي مؤشّرات نجاح القمّة اللبنانيّة- الأميركيّة، في الشكل والمضمون. كرّس لبنان مساراً تفاوضيّاً مستقلاً عن إيران، في سعيه للخروج من الدائرة المغلقة للصراع على…