تكفي مقارنة تعامل محطتي NBN التابعة للرئيس نبيه برّي و”المنار” لسان “الحزب”، حيال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الأربعاء لزوطر الغربية، كي يبيّن ليس اختلاف اللهجة فحسب، بل مقاربة كل منهما الحدث في الجانب الأكثر اهتماماً به ورهاناً عليه. بينما أظهرت الأولى ردود فعل الأهالي أنهم راغبون في العودة ويريدون الخلاص من الحرب والامان، كانت الثانية تنعت سلام بـ”فاتح” زوطر الغربية بعد “فاتح” واشنطن رئيس الجمهورية جوزف عون.
من غير الطبيعي الاعتقاد بوقوع التناقض والافتراق بين طرفي الثنائي الشيعي حيال مرحلة ما بعد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، بيد أنّ من الطبيعي الاعتقاد أنّ كلاً منهما يواجه الاستحقاقات الجديدة ببعض التمايز في سياق نتائج الحرب الأخيرة.
بينما ظل “الحزب” يرفض كل ما نشأ عن الاتفاق اللبناني الإسرائيلي وصولاً إلى القمة الأميركية اللبنانية، لم يشأ الرئيس نبيه برّي قطع الطريق على زيارة واشنطن وإن تمسّك بتحفظه بإزاء جدّية ما قد يتأتى منها، بقوله إنّ العبرة في التنفيذ، في إشارة إلى ثابتتيْه: الوقف الشامل للنار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. بذلك تُمسي المنطقة التجريبية الأولى معياراً أول لجدية الاتفاق مع إسرائيل.
فرصة للاتفاق لم تعط لاتفاق 17 أيار
بالتأكيد أعطي الاتفاق فرصة حُرم منها اتفاق 17 ايار 1983، وكان على غرار الاتفاق الحالي بموقّعيه الثلاثة أنفسهم، وبدعم عربي آنذاك لم يكن خافياً ـ كما الاتفاق الراهن الآن ـ ما خلا سوريا قد ورثت أيران دورها حيال الاتفاق الأخير.
لم يُتح للاتفاق السابق اتخاذ أي خطوة إجرائية أولية حتى، حيال تنفيذه ما إن تناوبت إسرائيل وسوريا على إطاحته
لم يُتح للاتفاق السابق اتخاذ أي خطوة إجرائية أولية حتى، حيال تنفيذه ما إن تناوبت إسرائيل وسوريا على إطاحته: الأولى بشروط ثلاثة مستجدة غير منصوص عليها في متنه، والثانية بتأليب معارضيه على خوض حرب أهلية لتقويضه، ما غدا محظوراً بإزاء الاتفاق اللبناني الإسرائيلي الأخير: الرمزان القويان لاسقاط ذاك لا يزالان الرمزيْن القويين لمعارضة هذا، وهما برّي ووليد جنبلاط، ولو أنّ موقفهما تغيّر وخاصة رسالة التهنئة من جنبلاط وتفهم برّي العلنيّ. لكن بلا خيارات اقتتال داخلي وتفكيك الجيش وانقسامه على نفسه، والجهر بالمطالبة باسقاط العهد وتنحي رئيس الجمهورية على نحو ما اختبره الرئيس أمين الجميّل. سوريا الجديدة، رغم المشاع أنّها غير متحمسّة للاتفاق الحالي، لم تعد كتلك القديمة المعتادة على خيارات حافة الهاوية.
هو الدور الذي تضطلع به ايران في الوقت الحاضر، ويحاول “الحزب” ـ وفي الواقع يوحي بأنه جاد في ما يحاول ـ إسقاط الاتفاق مع إسرائيل. في نهاية المطاف، إلى الآن على الأقل، تبدو للاتفاق الحالي حظوظ الحياة أكثر من سلفه، كما مضي الرئيس جوزف عون وحكومة الرئيس نواف سلام في خياراتهما أياً تكن وطأة معارضيها.
ما ينتظر المنطقة التجريبية في زوطر الغربية وفرون وصريفا، إن تكرّس بالفعل، بداية بكونها المرحلة الأولى، الوصول إلى ما لم يسبق أن تجرأ عليه رئيس للدولة قبل اتفاق الطائف، لكن أيضاً وخصوصاً بعده، هو ما أعلنه عون في واشنطن عن عزمه على “إنهاء العداء مع إسرائيل”. يكاد “الحزب” وحده في المقلب المعاكس لهذا الخيار، دونما أن يبدو حتى الآن قادراً على منعه: لا هو في وارد بثّ الفوضى في الداخل على نحو ما رافق اتفاق 17 أيار قبلاً، ولا في إعادة إشعال الحرب مع إسرائيل في لحظة اشتعال الحرب الأميركية ـ الإيرانية مجدداً بعدما نجحت بإرادة طرفيْها في تحييد إسرائيل و”الحزب” عن الانخراط فيها.
عاد جنوب نهر الليطاني إلى ما كان عليه يوم إعلان الحزب “اسناد غزة” في 8 تشرين الأول 2023
بل المفارقة اللافتة التزام “الحزب” وقف النار المعلن في 26 حزيران، فيما لم تتوقف إسرائيل مذذاك عن اعتداءاتها اليومية وغاراتها وتدمير البيوت وجرفها جنوب نهر الليطاني وشماله. ما ردده “الحزب” في الآونة الأخيرة أنه لن يعود إلى ما قبل 2 آذار 2026 هو الآن واقع ما يجري في الجنوب.
صعوبات امتحان “التجريبية”
امتحان المنطقة التجريبية الاولى، التي يقول عنها رئيس البرلمان في معرض اعتراض مبدئي عليها كونها “تجرّب الجيش اللبناني على أرضه”، يكمن في بضع صعوبات:
1- مَن يضع علامة نجاح المحاولة الأولى والتحقق من جديتها، وتبعاً لأي معايير ومَن يضع هذه؟ مجموعة التنسيق العسكرية الثلاثية أم إسرائيل بمفردها؟ هل سيتاح لمجموعة التنسيق أن تكون مرجعية الاحتكام بعدما أخفقت فيها لجنة الميكانيزم الخماسية؟
2- لا توقيت محدداً لإعلان انتهاء المنطقة التجريبية الأولى توطئة للانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية، ما لم يورده الاتفاق اللبناني الإسرائيلي المعلن في 26 حزيران. مع إنّ كلتيهما منصوص عليهما على الورق، بيد أنهما ليستا كذلك تبعاً لجدولة زمنية يقتضي من بعدهما التوسع إلى الحزام الأمني المنشأ في المنطقة الصفراء المحتلة.
3- ليس اتمام المرحلة الأولى، كما أي مرحلة تالية مفترضة، يقتصر على نشر الجيش في المنطقة التجريبية، بل يقتضي في الموازاة أن يكون أنجز المهمة الرئيسية المنوطة به، المقيمة في أصل وجود منطقة تجريبية، هي التحقق من انعدام أي وجود مسلح للحزب فيها أو بناه العسكرية. ليس انتشار الجيش شرط المنطقة التجريبية بل التخلص من أي وجود للحزب.
ما ردده “الحزب” في الآونة الأخيرة أنه لن يعود إلى ما قبل 2 آذار 2026 هو الآن واقع ما يجري في الجنوب
إسرائيل لا تميّز بين “الحزب” والأهالي
4- وهي معضلة المنطقة التجريبية وأكثر صعوباتها تكمن في أنّ إسرائيل لا تميّز بين “الحزب” وسكان البلدات. تعتقد أنّ هؤلاء هم خلاياه النائمة في وسعهم التحرّك في آوان إصدار الأوامر. ذلك ما فسّر ولا يزال مضيها في تفجير البيوت وجرفها بغية إنهاء أي فرصة لعودة الأهالي التي لن تعني إلّا عودة مسلحي “الحزب”. ناهيك بعامل رئيسي لإبراز الهواجس الإسرائيلية، هو المشاعر التي يبديها الأهالي المدمرة بيوتهم والمهجرون والمنكوبون بتأكيد تعلقهم تارة بالمقاومة وطوراً بالحزب حتى الآن. وهما واحد في نهاية المطاف.
5- لعله المبرر الفعلي لنشوء منطقة تجريبية بادىء بدء، هو دحض ما كان أعلنه الجيش اللبناني في 31 كانون الأول 2025 بأنه أنهى تمركزه جنوب نهر الليطاني وأنهى مهمته بنجاح بإخلاء المنطقة برمتها من أي وجود مسلح للحزب، ما لبثت أن كذبته وقائع ما بعد 2 آذار 2026.
مع أنّ الصواريخ الستة أطلقت ذلك الصباح من شمال نهر الليطاني، إلّا أنّ انهيار ما تحقق جنوب نهر الليطاني في ساعات قليلة أفصح، بالنسبة إلى الإسرائيليين والأميركيين كذلك، أن ما قيل إنّه تحقق لم يكن كذلك.
إقرأ أيضاً: بعد زوطر الغربيّة: ماذا عن اليوم التّالي؟
ظهرت الأنفاق غير المكتشفة سواء كان الجيش على علم بها وتجاهلها أم لا، وأخرِج السلاح من ملاجىء البيوت، وأضحى الأهالي مقاتلين يدافعون عن قراهم، وأفلت الزمام لما عُدّ خلايا نائمة، وعاد جنوب نهر الليطاني إلى ما كان عليه يوم إعلان الحزب “اسناد غزة” في 8 تشرين الأول 2023.
