الحسكة: التّوتّر لن يغيّر في اتّفاق الدّمج

مدة القراءة 5 د

لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في الحسكة عقب إعلان التعيينات الإداريّة الجديدة اعتراضاً على توزيع المناصب، ولا حادثة محلّيّة عابرة يمكن احتواؤها بقرار إداريّ جديد. فالمفارقة أنّ أوّل اختبار لاتّفاق الدمج لم يبدأ مع السلاح أو الأمن، بل مع التعيينات الإداريّة. وما بدا في ظاهره اعتراضاً على أسماء، كشف في عمقه حجم التحدّيات التي تواجه الانتقال من التفاهمات السياسيّة إلى التطبيق الميدانيّ.

 

جاءت التعيينات ضمن إعادة هيكلة مؤسّسات الدولة في محافظة الحسكة بالتنسيق مع الإدارة الذاتيّة، في وقت تؤكّد دمشق استمرار تنفيذ الاتّفاق، فيما تتمسّك “قسد” بمساره التدريجيّ. لكنّ الاعتراضات التي برزت داخل الشارع أعادت طرح سؤال يتجاوز الحسكة نفسها: هل تكمن الأزمة في الأسماء التي عُيّنت أم في الطريقة التي يُنفَّذ بها اتّفاق الدمج؟

من الاتّفاق إلى التّنفيذ

يرى الكاتب والباحث السياسيّ ياسر السليمان، المتحدّث السابق باسم وفد الإدارة الذاتيّة للتفاوض مع الحكومة السوريّة، أنّ التوتّرات بين الدولة السوريّة و”قسد” بدأت عقب سقوط النظام السابق بعدما تبيّن أنّ الإدارة الذاتيّة، على الرغم من نجاحها في إدارة مناطق واسعة وتقديم الخدمات خلال سنوات الحرب، لم تتمكّن من أن تكون بديلاً عن الدولة السوريّة، في ظلّ غياب الاعتراف الإقليميّ والدوليّ بها، وبقاء الملفّات السياديّة، مثل السجلّ المدنيّ والجوازات والعقارات والوثائق الرسميّة، بيد مؤسّسات الدولة.

يضيف أنّ وصول السلطة السوريّة الجديدة ترافق مع توجّه واضح لإعادة توحيد مؤسّسات الدولة على كامل الأراضي السوريّة، فجاء اتّفاق العاشر من آذار بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي ليؤسّس لمسار دمج تدريجيّ، قبل أن تُستكمل لاحقاً آليّات تنفيذه.

يكشف مصدر سوريّ مطّلع لـ”أساس” أنّ الاحتجاجات التي شهدتها الحسكة لن تؤثّر على جدول تنفيذ اتّفاق الدمج

يؤكّد السليمان أنّ عمليّات الدمج لا تزال مستمرّة، وإن بوتيرة بطيئة، ولا سيما في الحسكة وعين العرب (كوباني)، وهو ما يجعل كلّ خطوة تنفيذيّة، سواء تعلّقت بالتعيينات أو بإعادة هيكلة المؤسّسات، عرضة للنقاش والاعتراض.

التّعيينات… أم آليّة الدّمج؟

يعتبر السليمان أنّ الاحتجاجات الأخيرة لا تعني رفض اتّفاق الدمج بحدّ ذاته، بل تعكس تبايناً في النظرة إلى آليّة تنفيذه. فبينما تؤيّد شريحة تنفيذه بصورة تدريجيّة حفاظاً على الاستقرار ومنع أيّ فراغ إداريّ أو أمنيّ، تدفع شريحة أخرى نحو عودة كاملة وسريعة لمؤسّسات الدولة إلى شرق الفرات، من دون ترتيبات انتقاليّة، على غرار ما شهدته الرقّة ودير الزور.

لذلك لم تعُد التعيينات تُقرأ بوصفها قرارات إداريّة عاديّة، بل باعتبارها مؤشّراً إلى قدرة اتّفاق الدمج على الانتقال من التفاهمات السياسيّة إلى التطبيق العمليّ، وإلى كيفيّة إدارة هذه المرحلة الحسّاسة.

إذا كان الخلاف يبدو سياسيّاً في ظاهره، فإنّ جذوره الاجتماعيّة والاقتصاديّة لا تقلّ تأثيراً. فالضغوط المعيشيّة، ارتفاع معدّلات البطالة، وتراجع الخدمات جعلت أيّ قرار إداريّ يتحوّل سريعاً إلى قضيّة رأي عامّ.

الحسكة

يشير السليمان إلى أنّ شريحة من العشائر العربيّة تشعر بأنّ نتائج الدمج لم تحقّق حتّى الآن توازناً في فرص العمل والتمثيل، خصوصاً مع استمرار عدد من موظّفي الإدارة الذاتيّة في وظائفهم بموجب الاتّفاق، في وقت يعاني كثير من أبناء المناطق العربيّة البطالة، وهو ما عزّز شعوراً بالغبن وساهم في تأجيج الاحتقان.

لكنّه يحذر من اختزال الأزمة بملفّ الوظائف أو المناصب، معتبراً أنّ جذورها تمتدّ إلى تراكمات سنوات الحرب وما خلّفته من تراجع في الثقة بين المكوّنات، إضافة إلى ملفّات لا تزال عالقة، مثل المهجّرين والإدارة المحليّة والحقوق الدستوريّة، وهي قضايا لا تحتاج إلى حلول إداريّة فقط، بل ومعالجة سياسيّة شاملة.

لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في الحسكة عقب إعلان التعيينات الإداريّة الجديدة اعتراضاً على توزيع المناصب، ولا حادثة محلّيّة عابرة

اختبار الدّولة الجديدة

لا يغيب العامل الإقليميّ والدوليّ عن المشهد، إذ لا تزال الساحة السوريّة تشهد تقاطعاً للمصالح الخارجيّة، وأيّ توتّر داخليّ قابل للاستثمار السياسيّ. ويرى السليمان أنّ استمرار تنفيذ اتّفاق الدمج، على الرغم من بطئه، يبقى الخيار الأقلّ كلفة لتجنّب العودة إلى المواجهة لأنّ تعطيل هذا المسار لن يؤدّي إلّا إلى إطالة أمد الانقسام.

في المقابل، يكشف مصدر سوريّ مطّلع لـ”أساس” أنّ الاحتجاجات التي شهدتها الحسكة لن تؤثّر على جدول تنفيذ اتّفاق الدمج، مؤكّداً أنّ دمشق ماضية في استكمال مراحله وفق الآليّة المعتمَدة. ويضيف المصدر أنّ ما جرى سيؤخذ في الاعتبار عند مراجعة بعض الإجراءات التنفيذيّة والاستماع إلى الملاحظات والشكاوى المحليّة، بما يضمن تحسين آليّات التطبيق ومراعاة مختلف مكوّنات المنطقة، من دون أن يعني ذلك تعديل الاتّفاق أو التراجع عنه.

إقرأ أيضاً: الشّرع لا يريد لبنان… فلماذا يصرّ ترامب؟

المفارقة أنّ الاحتجاجات جاءت في وقت تؤكّد جميع المؤشّرات أنّ اتّفاق الدمج مستمرّ ولم يتوقّف. وهذا ما يجعل الحسكة أوّل اختبار حقيقيّ للاتّفاق، ليس لأنّه تعثّر، بل لأنّه انتقل من مرحلة التفاهمات السياسيّة إلى مواجهة تعقيدات الواقع. لن يُقاس نجاح هذا المسار بعدد القرارات التي تصدر، بل بقدرة الدولة على إدارة هذه المرحلة الانتقاليّة، وتعزيز الثقة بين مؤسّساتها والمجتمعات المحلّيّة، بما يضمن استكمال تنفيذ الاتّفاق ويحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار في شرق الفرات.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

السعوديّة ترعى الانتقال من مسار الحرب إلى مسار واشنطن…

لم يكن المشهد الذي جمع رئيس الجمهوريّة جوزف عون مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في البيت الأبيض حدثاً عاديّاً. ولم يكن رفع رئيس الحكومة نوّاف…

خليل الحيّة… حين تربح إيران صندوق “الشّورى”

عندما تكتب صحافة الشرق الأوسط مشاهد التحوّل الكبيرة، فإنّها تبحث دائماً عن تلك اللحظات الخفيّة التي تُصنع فيها اللحظات الإقليميّة بعيداً عن أضواء العدسات. وفي…

بعد زوطر الغربيّة: ماذا عن اليوم التّالي؟

دشّنت الدولة اللبنانّية بدء مرحلة الانسحاب الإسرائيليّ، وفقاً لمندرجات اتّفاق 26 حزيران، عبر رفع رئيس الحكومة نوّاف سلام العلم اللبنانيّ في زوطر الغربيّة، إحدى البلدات…

الشّرع لا يريد لبنان… فلماذا يصرّ ترامب؟

الروايات تُروى مرّة. أمّا عندما تُكرَّر تتحوّل إلى رسائل. وهذا تماماً ما يفعله دونالد ترامب. فمنذ لقائه بالرئيس السوريّ أحمد الشرع في أنقرة، يكاد لا…