كيف لا نبدّد قمّة الفرصة التّاريخيّة؟

مدة القراءة 10 د

دخل الرئيس اللبنانيّ جوزف عون إلى البيت الأبيض في الحادي والعشرين من تمّوز 2026 في لحظة شكّلت فرصة تاريخيّة للبنان. بعيداً عن النثر والشعر في الكيمياء والغزل بين عون والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، جاء اللقاء نتيجة لمتغيّرات كبرى عصفت بالشرق الأوسط ولبنان وبدّلت المقاربة الأميركيّة للملفّ اللبنانيّ.

 

للمرّة الأولى يدخل رئيس لبنانيّ إلى البيت الأبيض من دون نظام الأسد فوق رأسه، فيما تشهد العلاقات السوريّة – اللبنانيّة تحوّلاً بنيويّاً يقوم على قاعدة احترام سيادة البلدين على الرغم من محاولات المحاور المتصارعة تخريبه. وللمرّة الأولى يُكسر الاحتكار الإسرائيليّ للتأثير في صناعة القرار الأميركيّ لمصلحة حضور سعوديّ وتركيّ متصاعد انعكس إيجاباً على لبنان نتيجة فهم الدولتين لتعقيداته الداخليّة.

وللمرّة الأولى أيضاً ينجح لبنان في تقديم مقاربة جدّيّة لاستعادة سيادته، مدعوماً بقرار سعوديّ – تركيّ يحمي الداخل من الانفجار، يحقّق عناصر الاستقرار ويشكّل توازناً مهمّاً لحمايته من الانزلاق بلا كوابح في المعسكر الإسرائيليّ.

قبل عام ونيّف من اليوم، كان لبنان في ذيل الأولويّات الأميركيّة، وقد شابت المقاربة الأميركيّة يومها أخطاء في قراءة الواقع اللبنانيّ فصّلناها في موقع “أساس” تحت عنوان “عثرات الخطّة الأميركيّة تهدّد بنسف الصيغة اللبنانيّة”.

دخلت الولايات المتّحدة على ملفّ سلاح “الحزب” بعد جولة 2024 من المنظور الإسرائيليّ الصرف. ألقت عبء نزع السلاح، ضمن مهل غير واقعيّة ومن دون أدوات أو إمكانات، على عاتق مؤسّسات مهترئة ومفلسة وطبقة سياسيّة لم تهضم بعد عمق التحوّلات المقبلة على الإقليم. وكان العهد الجديد يخطو خطواته الأولى، متهيّباً لمس كرة نار قد تنفجر في وجهه وتفجّر لبنان معه.

بات ممكناً للمرّة الأولى الحديث عن انسحاب إسرائيليّ يقابله انتشار للجيش، وعن إزالة السلاح بالتزامن مع عودة الأهالي

كان دفع الجيش إلى نزع سلاح أكبر جماعة مسلّحة في العالم، ذات امتداد سياسيّ واجتماعيّ وشعبيّ، من دون دعم أو ضمانات، وصفة مكتملة للفشل. أمّا استمرار الانتهاكات الإسرائيليّة ومنع إعادة الإعمار وحجب التمويل فكانت خدمة كبرى لسرديّة “الحزب” في احتكار تمثيل الشيعة وصون أمنهم وتوفير معيشتهم.

أدركت واشنطن هذه المعادلة بعد مسار شاقّ خاضته المجموعة السعودية – التركيّة بين العواصم المعنيّة لبلورة طرح قابل للتسويق لبنانيّاً يرتكز على العودة إلى اتّفاق الطائف بحذافيره، الذي يتضمّن بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتيّة، ربط السلام مع إسرائيل بمبادرة السلام العربيّة والتنسيق مع سوريا بدل الذهاب إلى مسار منفرد، وإصلاح مؤسّسات الدولة.

ماذا تغيّر في واشنطن؟

التغيير الأوّل هو كسر الاحتكار الإسرائيليّ للمقاربة الأميركيّة، وهي كوّة فُتحت نتيجة مراجعة الخيارات الأميركيّة في إيران وتصاعد الأصوات المنتقدة لإسرائيل ونتنياهو داخل تيّار “ماغا” (اجعلوا أميركا عظيمة مجدّداً). حدث فرق شاسع في أسابيع قليلة بين ضغط أميركيّ لفرض تطبيع مجّانيّ على شكل لقاء بين الرئيس اللبنانيّ ورئيس الوزراء الإسرائيليّ، وبين استقبال في المكتب البيضاويّ للرئيس عون فيما نتنياهو لم يحصل على موعد بعد. لم تفقد إسرائيل نفوذها، ولم تصبح واشنطن محايدة في الصراع، لكنّ إسرائيل لم تعد الطرف الإقليميّ الوحيد القادر على صياغة الخيارات ثمّ مطالبة لبنان بتنفيذها.

تقدَّم الدوران السعوديّ والتركيّ بالتوازي مع تحوّلات أوسع في بنية الردع الإقليميّ. الاتّفاق النوويّ المدنيّ بين واشنطن والرياض، بما يتيحه من تخصيب ومعالجة للوقود على الأراضي السعوديّة، يتجاوز بناء مفاعلات لإنتاج الكهرباء إلى إعادة تعريف موقع المملكة داخل هرميّة الحلفاء الاستراتيجيّين. وقد سبق ذلك إعلان ترامب رفع العقوبات عن تركيا وفتح الباب أمام إعادة بحث حصولها على مقاتلاتF 35، على الرغم من الاعتراض الإسرائيليّ.

تقدَّم الدوران السعوديّ والتركيّ بالتوازي مع تحوّلات أوسع في بنية الردع الإقليميّ

التغيير الثاني هو فصل المسار اللبنانيّ تدريجاً عن سلّة التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ. أعطت مذكّرة التفاهم طهران فرصة الادّعاء أنها ما تزال تملك مفاتيح الجبهات التي أنشأتها، وأنّ الهدوء في لبنان جزء من سلعة سياسيّة تبيعها لواشنطن. غير أنّ المفاوضات المباشرة التي قادتها الدولة اللبنانيّة، وصيغة الإطار التي جمعت بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيليّ وانتشار الجيش، أوجدت مساراً مستقلّاً لم تعد إيران صاحبته ولا المتحدّثة باسمه فيما تتضاءل قدرتها على تخريبه.

الحزب

لا يعني ذلك خروج لبنان نهائيّاً من حسابات إيران، لكنّه يعني أنّ طهران لن تستطيع إعادته إلى طاولة أيّ مفاوضات مقبلة إلّا بإشعال جبهته مجدّداً. عندها لن تكون قد استعادت ورقة تفاوضيّة، بل ستكون قد استدعت إسرائيل إلى الحرب مجدّداً وأهدت نتنياهو نصراً انتخابيّاً مجّانيّاً.

التغيير الثالث مرتبط بأزمة مضيق هرمز، فإغلاق الممرّ الخليجيّ فرض على واشنطن ودول المنطقة التفكير جدّيّاً في الطرق البرّيّة والموانئ البديلة التي تصل الخليج بالمتوسّط. لا يزال الحديث عن دور مركزيّ للمرافئ اللبنانيّة مبكراً، لكنّ موقع لبنان لم يعد تفصيلاً هامشيّاً في حسابات الطاقة والتجارة، بل منحته الأزمة قيمة مضافة تتجاوز ملفّ أمن المستوطنات الإسرائيليّة الشماليّة.

أخرجت هذه المتغيّرات مجتمعة الملفّ اللبنانيّ من كونه ملحقاً بالأمن الإسرائيليّ فقط، ووضعته في سياق أوسع بحيث يكون   جزءاً من إعادة بناء النظام الإقليميّ بعد الحرب على إيران.

ماذا تغيّر في بيروت؟

التغيير الأوّل يتمثّل في أنّ حصر السلاح لم يعد شعاراً رئاسيّاً عامّاً في خطاب القسم أو البيان الوزاريّ أو قرارات حكوميّة بلا أسنان، بل أصبح خطّة لها مراحل وشروط سياسيّة، أمنيّة، اقتصاديّة، واجتماعيّة، وحاضنة سياسيّة واسعة.

للمرّة الأولى يدخل رئيس لبنانيّ إلى البيت الأبيض من دون نظام الأسد فوق رأسه، فيما تشهد العلاقات السوريّة – اللبنانيّة تحوّلاً بنيويّاً يقوم على قاعدة احترام سيادة البلدين

بات ممكناً للمرّة الأولى الحديث عن انسحاب إسرائيليّ يقابله انتشار للجيش، وعن إزالة السلاح بالتزامن مع عودة الأهالي، بدلاً من مطالبة لبنان بتنفيذ التزاماته كاملة ثمّ انتظار ما تقرّره إسرائيل.

التغيير الثاني يتّصل بأنّ “الحزب” لم يعد يملك البنية العسكريّة والسياسيّة والماليّة التي مكّنته من مصادرة قرار الدولة، وفقدَ شريان الحياة الأسديّ الذي أتاح له فرض هذه المصادرة بالإمداد العسكريّ والسياسيّ لعقود.

بعدما شرّدت إسرائيل ما يناهز مليون ونصف مليون جنوبيّ ووصلت إلى النبطيّة، فيما عجزت صواريخ “الحزب” ومسيّراته عن تحرير متر واحد، وسقطت مذكّرة التفاهم الإيرانيّة الأميركيّة، لم يعد من سبيل لتحرير الأرض سوى صيغة الإطار ومسار واشنطن على الرغم من كثرة الفخاخ التي تعترضه.

يدرك “الحزب” أنّ التسبّب بتهجير جديد  لنحو أربعمئة ألف جنوبيّ عادوا إلى قراهم سيبدّد ما بقي من رصيده الانتخابيّ والشعبيّ. لم تنتقل هذه القواعد بالضرورة إلى المعسكر المقابل، لكنّها سئمت الحرب ولم تعد تملك أيّ طاقة لتحمّل أكلاف جديدة. 

غير أنّ تراجع الحرب بصيغتها التقليديّة يفتح احتمال أن يعود “الحزب” إلى أسلوبه الذي اشتهر به في الثمانينيّات ويقوم على خطف طائرات ودبلوماسيّين وصحافيّين كان نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الناشئ يستخدمهم كأوراق تفاوضيّة مع الأوروبيّين والأميركيّين.

صحيح أنّ هذا الخيار يبدو كانتحار سياسيّ لتنظيم بات يملك نوّاباً ووزراء وبلديّات وتحالفات سياسيّة، إلّا أنّ انعدام حساسيّة صانع القرار الإيرانيّ تجاه تعقيدات الوضع اللبنانيّ وموقع “الحزب” في تلك الصيغة قاد “الحزب” مرّتين إلى خيارات انتحاريّة، وليس هناك مؤشّر إلى أنّ صانع القرار هذا بات أكثر عقلانيّة.

تهديد المطار من خلال تلويح “الحزب” باستخدام “أساليب كثيرة وسلميّة”، معطوفاً على طبيعة المتفجّرات والشحنات التي تضبطها القوّات السوريّة في طريقها إلى لبنان، يجب أن يؤخذ بجدّيّة واتخاذ إجراءات  لتعزيز حماية المرافئ والسفارات والشخصيّات السياسيّة، وضبط الشبكات الماليّة والإسراع في ترسيم وضبط الحدود مع سوريا.

دخلت الولايات المتّحدة على ملفّ سلاح “الحزب” بعد جولة 2024 من المنظور الإسرائيليّ الصرف

من يهدّد الفرصة؟

التهديد الأوّل يأتي من إسرائيل. بعدما ذهب نتنياهو إلى التفاوض في واشنطن مرغماً، إثر وصول استراتيجيته في لبنان إلى حائط مسدود، وجلوسه على مقاعد الاحتياط في جولة الإعادة ضدّ إيران، سيحاول العودة إلى الحرب بأيّ ثمن قبل موعد الانتخابات المصيريّة بالنسبة اليه في أواخر تشرين الأوّل.

ينحني نتنياهو مؤقّتاً أمام صرخة سيّد البيت الأبيض the Boss ، لكنّه سيحاول استعادة زمام المبادرة متى سنحت له الفرصة، سواء عبر إيران أو لبنان. ولذلك لا يجوز التعامل مع موافقته الحاليّة على المسار التفاوضيّ كتحوّل استراتيجيّ.

التهديد الثاني يأتي من طهران. خسارة لبنان، بعد سقوط سوريا وتراجع نفوذها في العراق، تشكّل تصفية للطموح الإمبراطوريّ الذي بنته إيران منذ أربعة عقود. لذلك لا ينبغي توقّع تسليم إيرانيّ هادئ بصيغة الإطار ولا هضم سلس لصورة عون في المكتب البيضاويّ.

هنا نعود إلى فكرة التحالف الموضوعيّ بين نتنياهو و”الحرس الثوريّ”. يحتاج الأوّل إلى ذراع إيرانيّة حيّة ليبرّر حربه واحتلاله، ويحتاج الثاني إلى عدوان إسرائيليّ دائم ليبرّر السلاح ويمنع قيام الدولة. لا يحتاج الطرفان إلى غرفة عمليّات مشتركة، بل يكفي أن يغذّي كلّ منهما أسباب بقاء الآخر.

يدرك “الحزب” أنّ التسبّب بتهجير جديد  لنحو أربعمئة ألف جنوبيّ عادوا إلى قراهم سيبدّد ما بقي من رصيده الانتخابيّ والشعبيّ

حتّى لا نبدّدها

حماية الفرصة التاريخيّة لاستعادة لبنان أرضه وسيادته وتحريره من الاحتلالين الإسرائيليّ والإيرانيّ تفترض:

1- انخراطاً أميركيّاً جدّيّاً لإجبار إسرائيل على تنفيذ الانسحاب التدريجيّ المزمن، ومنع تحوّل صيغة المناطق التجريبيّة إلى تأبيد للاحتلال. وهذا يعني أنّ المسار يجب أن يقطع شوطاً حاسماً قبل خروج ترامب من البيت الأبيض. تبدو الزيارات المتكرّرة لقيادة “سنتكوم” للبنان وتنسيقها الحثيث مع قيادة الجيش مؤشّراً إلى هذه الجدّيّة. لكنّ تجربة غزّة تقتضي التحذير من خطورة طرح الشركات الأمنيّة الخاصّة التي تتحوّل إلى مشاريع استثماريّة تخلّف كوارث أمنيّة وأهليّة لذلك على لبنان أن يرفضها رفضاً قاطعاً.

2- دعماً مستداماً للجيش، من حيث الرواتب والتجهيزات والاستخبارات والهندسة وضبط الحدود وحماية المرافئ والتفوّق التكنولوجيّ والعدديّ، يسمح للجيش بأن يكون القوّة الضاربة على الأرض من دون الانجرار إلى الاحتكاك الخشن.

3- إعادة إعمار سريعة وشفّافة لا تمرّ عبر شبكات “الحزب” أو شبكات الفساد التقليديّة. وهنا أيضاً لا بدّ من التحذير من أن تتحوّل المناطق الاقتصاديّة التي تطرح من حين لآخر إلى معازل تفرز أهل الجنوب على الحواجز وتمنعهم من العودة إلى قراهم بحجّة الترتيبات الأمنيّة التي تفرضها الشركات المستثمرة في تلك المرافق.

4- أمّا الحدود السوريّة ـ اللبنانيّة فلا تستطيع بيروت ضبطها منفردة. المطلوب نظام تنسيق أمنيّ تشارك فيه بيروت ودمشق وبغداد وعمّان، تدعمه تركيا والمملكة السعوديّة والولايات المتّحدة، مهمّته منع إعادة فتح الممرّ الإيرانيّ ومنع تشكّل ممرّ إسرائيليّ مقابل.

إقرأ أيضاً: عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

5- فوق ذلك كلّه، تتطلّب الخطّة بقاء التوافق بين الرعاة الإقليميّين، فأيّ افتراق في المصالح في مسارح أخرى قد ينعكس على الداخل اللبنانيّ ويخلق فراغات أمنيّة قد تقوّض المسار برمّته.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakJaafarA

مواضيع ذات صلة

بارّاك يرسم الطريق بين بغداد ودمشق

تتشكّل بين دمشق وبغداد علاقة جديدة تتجاوز استعادة الروابط الطبيعيّة بين بلدين جارين، بعد سنوات من الاضطراب وتداخل النفوذ الإيرانيّ. يتّجه التقارب الجاري نحو شراكة…

الأردن أمام أخطر اختبار إقليمي: النّار أو الحياد!

شكّل وصول الضربات الإيرانيّة إلى الأراضي الأردنيّة ، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيّين، منعطفاً غير مسبوق في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران. لم…

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

دخل لبنان مرحلة ما بعد النظام الإقليميّ الإيرانيّ الذي فرضته الولايات المتّحدة بعدما أسقطت النظام العراقيّ في العام 2003 وسلّمت العراق إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في…

السّعوديّة وتركيا وباكستان: نحو معادلة أمنيّة جديدة؟

لا تبدأ التحوّلات الأمنيّة الكبرى عند توقيع الاتّفاقات، بقدر ما تبدأ عندما تعيد الدول تعريف أمنها ومصالحها. من هذا المنطلق تكتسب الحالة السعوديّة – التركيّة…