لا يحتاج الأردن إلى من يذكره بأنه واحد من أكثر بلدان العالم حاجةً للمياه. هذه حقيقة يعيشها منذ سنوات، وتتعامل معها الحكومات المتعاقبة باعتبارها تحدياً دائماً، لا أزمة موسمية. لكن ما حدث أخيراً، بعد رفض إسرائيل تجديد اتفاقية تزويد المملكة بالكميات الإضافية من المياه، نقل الملف إلى مستوى مختلف. لم يعد الحديث عن شح الموارد أو تراجع الأمطار أو ارتفاع الطلب. أصبح السؤال سياسياً بامتياز: ماذا يفعل الأردن إذا تحول الماء إلى أداة ضغط؟
الإجابة السهلة تقول إن القرار الإسرائيلي جاء على خلفية المواقف الأردنية من حرب غزة. قد يكون ذلك صحيحاً، أو جزءاً من الحقيقة على الأقل. لكن الاكتفاء بهذا التفسير يختزل القضية. فالدول لا تبني سياساتها على ردود الفعل وحدها، بل على المصالح. وما تكشفه هذه الأزمة أن المنطقة دخلت مرحلة أصبحت فيها الموارد الاستراتيجية جزءاً من أدوات السياسة، ولم تعد مجرد ملفات فنية تديرها اللجان المشتركة.
لا يحتاج الأردن إلى من يذكره بأنه واحد من أكثر بلدان العالم حاجةً للمياه. هذه حقيقة يعيشها منذ سنوات، وتتعامل معها الحكومات المتعاقبة باعتبارها تحدياً دائماً، لا أزمة موسمية
الموارد كسلاح سياسي
لم تكن المياه طوال العقود الماضية بمنأى عن الخلافات الأردنية ـ الإسرائيلية، لكنها بقيت في إطار يمكن احتواؤه. أما اليوم، فالصورة تبدو مختلفة. الحرب في غزة غيرت كثيراً من قواعد الاشتباك في المنطقة. لم تعد أدوات الضغط تقتصر على القوة العسكرية أو العقوبات أو العزلة السياسية. الغذاء أصبح ورقة. الطاقة أصبحت ورقة. المعابر أصبحت ورقة. ولم يكن مستغرباً أن تصبح المياه هي الأخرى ورقة تستخدم عندما تتعقد الحسابات.
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي للأردن.
المشكلة ليست في أن إسرائيل استخدمت ورقة تملكها. هذا ما تفعله الدول عندما تدخل علاقاتها مرحلة التوتر. المشكلة أن هذه الورقة ما زالت قادرة على التأثير. وهذه حقيقة تستحق أن تكون محور النقاش داخل الأردن أكثر من أي سجال حول نيات الحكومة الإسرائيلية أو دوافعها.
لن يكون منصفاً تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية المأزق المائي الأردني. الأزمة أقدم بكثير من الحكومة الإسرائيلية الحالية، وأقدم حتى من معاهدة السلام. الأردن يواجه ضغوطاً متراكمة فرضتها الزيادة السكانية، وموجات اللجوء، وتغير المناخ، والطلب المتزايد على المياه، في مقابل موارد محدودة أصلاً. لكن ما فعلته الأزمة الأخيرة أنها وضعت كل هذه التحديات أمام اختبار سياسي لم يكن مطروحاً بهذا الوضوح من قبل.
لن يكون منصفاً تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية المأزق المائي الأردني. الأزمة أقدم بكثير من الحكومة الإسرائيلية الحالية، وأقدم حتى من معاهدة السلام
الأمن المائي جزء من الأمن القومي
لهذا، ربما يكون السؤال الأهم: هل ما زال الأمن المائي يُدار بعقلية الخدمات، أم أنه انتقل إلى دائرة الأمن القومي؟
في عالم اليوم، لم تعد الدول تقيس أمنها بعدد الجنود فقط. تقيسه أيضاً بقدرتها على حماية مواردها الأساسية وتقليل اعتمادها على الخارج. وكلما زادت قدرة الآخرين على التأثير في هذه الموارد، تقلص هامش القرار الوطني، حتى لو بقيت الحدود آمنة.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى مشروع “الناقل الوطني” (أضخم مشروع بنية تحتية في تاريخ الأردن) ، أو إلى التوسع في التحلية، أو إلى البحث عن مصادر جديدة للمياه، باعتبارها مشاريع بنية تحتية فقط. هذه استثمارات في القرار الوطني قبل أن تكون استثمارات في قطاع المياه. فالدولة التي تؤمن احتياجاتها الأساسية، تقلل تلقائياً قدرة الآخرين على استخدام هذه الاحتياجات وسيلة للضغط.
إقرأ أيضاً: الخليج وإيران… الجيرة المستحيلة بعد سقوط المحرّمات
الاستراتيجية لا تبنى على تبدل الظروف
قد تنجح الاتصالات السياسية في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه. وقد تتغير الحكومات في إسرائيل، وتتبدل الظروف الإقليمية، وتعود الكميات الإضافية من المياه. لكن الحكمة تقتضي ألا يبني الأردن استراتيجيته على احتمال تغير الآخرين، بل على قدرته هو على تقليص نقاط الضعف التي كشفتها الأزمة.
الأردن لا يملك رفاهية تجاهل هذا الدرس. فالحرب في غزة لم تغيّر طبيعة الصراع وحدها، بل غيّرت طبيعة الموارد التي يمكن استخدامها في الصراع. وما كان يُنظر إليه بالأمس على أنه ملف فني، أصبح اليوم جزءاً من الحسابات السياسية والاستراتيجية.
لهذا، لا يقف الأردن اليوم أمام امتحان يتعلق بالمياه فقط. إنه يقف أمام امتحان يتعلق بقدرته على تحويل أزمة كشفت مكمن ضعف، إلى فرصة تعيد ترتيب أولوياته. فالأزمات تنتهي، أما الدروس التي تتركها، فهي التي تصنع سياسات الدول لعقود.
