لم يعد السؤال لماذا تقصف إيران جيرانها، بل لماذا لا تزال دول الخليج تراهن على أن حسن الجوار وحده كفيل بردع الصواريخ؟ فبعد ساعات فقط من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط، حاملاً رسائل التهدئة وخفض التصعيد، تحولت سلطنة عُمان من دولة تستقبل مبعوثاً دبلوماسياً إلى دولة تتعرض لهجمات، من إيران، بالصواريخ والطائرات المسيّرة. والمشكلة أن هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح نمطاً يتكرر كلما اعتقدت العواصم الخليجية أن طهران قررت أخيراً أن تتصرف كدولة جارة لا كدولة “فوضى ثورية”.
لعل ما قاله وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان جاء ليختصر الموقف الخليجي بأكمله، عندما أدان واستنكر الاعتداءات الإيرانية المتكررة التي استهدفت دول المنطقة، مؤكداً رفض المملكة لأي مساس بسيادة الدول أو أي تهديد لأمنها واستقرارها. فالقضية لم تعد مرتبطة بحادثة واحدة أو ظرف عسكري طارئ، وإنما بسلوك إقليمي تكرر مع أكثر من دولة خليجية، حتى بات من الصعب التعامل معه باعتباره استثناءً أو نتيجة لظروف مؤقتة.
دول الخليج وسياسة حسن الجوار مع إيران
ليس من الإنصاف القول إن دول الخليج لم تمنح إيران فرصاً لبناء علاقة مختلفة. فمنذ سنوات، اختارت معظم العواصم الخليجية سياسة التهدئة على حساب التصعيد، وفتحت أبواب الحوار كما فعلت السعودية في اتفاق بكين، وأعادت العلاقات الدبلوماسية، وشاركت في جهود الوساطة كما فعلت قطر في كل المحطات وآخرها اسلام آباد، وتجنبت الدول الخليجية الانجرار إلى مواجهات مباشرة رغم الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية ومدناً وممرات ملاحية. بل إن دولاً مثل سلطنة عُمان وقطر لعبت أدواراً محورية في تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار الخليج لا يتحقق إلا بالحوار.
إذا كانت طهران تريد فتح صفحة جديدة مع محيطها الخليجي، فإن البداية لن تكون عبر خطابات التهدئة، بل عبر تغيير السلوك الذي جعل الاعتداءات على دول الجوار تبدو وكأنها جزء من أدوات السياسة الإيرانية
حتى المشاركة الخليجية الرسمية في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي حملت رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الخلافات لا تلغي مقتضيات الجوار، وأن احترام العلاقات بين الدول يبقى خياراً قائماً مهما بلغت حدة الأزمات. لكن الوقائع الميدانية جاءت في الاتجاه المعاكس، إذ استمرت الاعتداءات، واتسعت دائرة الاستهداف، ولم تعد تقتصر على خصوم إيران، بل طالت حتى الدول التي اختارت القيام بدور الوسيط أو حافظت على قنوات التواصل معها.
هنا تكمن الأزمة الحقيقية. فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بعدد الزيارات الرسمية أو البيانات الدبلوماسية، وإنما بمدى احترام كل طرف لسيادة الطرف الآخر. ولا يمكن الحديث عن حسن الجوار بينما تتحول أراضي الجار إلى ساحة رسائل عسكرية، أو تصبح الصواريخ أداة ضغط سياسي كلما اشتدت الأزمات.
أمن الخليج والحرب المفتوحة
لا أحد في الخليج يبحث عن صراع دائم مع إيران، لأن الجميع يدرك أن أمن الخليج لا يتحقق بالحروب المفتوحة، وأن الاستقرار هو الشرط الأول للتنمية والازدهار. لكن في المقابل، لا يمكن مطالبة دول الخليج بأن تستمر في تقديم المبادرات نفسها بينما تتلقى في كل مرة الرسالة ذاتها، مكتوبة بلغة الصواريخ والطائرات المسيّرة.
إقرأ أيضاً: الكويت تضع النقاط على الحروف الإيرانية في العراق
إذا كانت طهران تريد بالفعل فتح صفحة جديدة مع محيطها الخليجي، فإن البداية لن تكون عبر خطابات التهدئة أو الجولات الدبلوماسية، بل عبر تغيير السلوك الذي جعل الاعتداءات على دول الجوار تبدو وكأنها جزء من أدوات السياسة الإيرانية. فالثقة لا تُبنى بالوعود، وإنما بالأفعال، ولا يمكن لعلاقة حسن جوار أن تستقيم إذا بقيت سيادة الدول وأمنها موضع اختبار مع كل أزمة إقليمية جديدة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن دول الخليج كانت الأكثر تمسكاً بخيار الحوار، لكنها أثبتت أيضاً أن الحوار لا يمكن أن يكون طريقاً باتجاه واحد. فإما أن يتحول حسن الجوار إلى التزام متبادل يحترم السيادة ويجرّم الاعتداء، وإما أن تبقى المنطقة تدور في الحلقة نفسها: وزير يحمل رسائل سلام، وصاروخ يمحو أثرها بعد ساعات، لتصبح جيرة الخليج مع إيران عنوانها الجيرة المستحيلة.
