انتهى وقت التّذاكي في لبنان!

مدة القراءة 5 د

بذهابه إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، نجا لبنان بجلده من مذكّرة التفاهم التي توصّل إليها الرئيس دونالد ترامب مع المسؤولين الإيرانيّين وعلى رأسهم الرئيس مسعود بزشكيان. ولدت تلك المذكّرة ميتة.  فاوض في شأن مذكّرة التفاهم في سويسرا، في سياق مسار إسلام آباد، نائب الرئيس الأميركيّ جي. دي فانس مع رئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف ووزير الخارجيّة عبّاس عراقجي.

 

على الرغم من كلّ التنازلات التي قدّمها الأميركيّون للإيرانيّين وعلى الرغم من كلّ الغموض الذي لفّ نصّ المذكّرة، تبيّن أنّ إيران عاجزة عن التوصّل إلى أيّ صفقة ذات طابع جدّيّ مع “الشيطان الأكبر” لأن “الجمهوريّة الإسلاميّة” لا تزال تؤمن بأنّ في استطاعتها التفاوض مع أميركا من الندّ للندّ.

مصلحة لبنان

لم تكن لدى لبنان أيّ مصلحة في أن يكون جزءاً من مسار لا أفق له ومن مذكّرة تفاهم غير قابلة للحياة، كما تبيّن على أرض الواقع. يبحث لبنان في الوقت الحاضر عن كلّ ما يعيده إلى ثقافة الحياة بديلاً من وضع نفسه تحت رحمة ما تسعى إليه “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران. لا ترى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في البلد سوى ورقة تستخدمها في لعبة الابتزاز التي تتقنها.

على الرغم من كلّ التنازلات التي قدّمها الأميركيّون للإيرانيّين وعلى الرغم من كلّ الغموض الذي لفّ نصّ المذكّرة، تبيّن أنّ إيران عاجزة عن التوصّل إلى أيّ صفقة ذات طابع جدّيّ مع “الشيطان الأكبر”

أكثر من ذلك، لم تكن لدى لبنان أيّ مصلحة بممارسة لعبة التذاكي عبر ربط مصيره بمذكّرة التفاهم، التي أرادت “الجمهوريّة الإسلاميّة” من وراء توقيعها عليها التقاط أنفاسها لا أكثر. ليس في استطاعة إيران تنفيذ أيّ اتّفاق أو تفاهم يمكن أن تتوصّل إليه مع الولايات المتّحدة نظراً إلى أنّ ذلك سيعني، إن على صعيد مضيق هرمز أو الملفّ النوويّ أو الصواريخ الباليستيّة أو ضبط الأذرع التابعة لـ”الحرس الثوريّ” في المنطقة، ضرب هيبة النظام القائم. لا يستطيع النظام الإيرانيّ تقديم أيّ تنازل، لا لشيء إلّا لأنّه يرفض الاعتراف بأنّ مشروعه التوسّعيّ فقدَ مقوّماته، خصوصاً مع إفلات سوريا من هيمنته.

إيران ومشاريعها التّوسّعيّة

اكتشف الرئيس الأميركيّ، بعد فوات الأوان، أنّ إيران لم تكن مستعدّة في أيّ وقت لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. كان إبقاء هذا المضيق مفتوحاً الهدف الأوّل، وربّما الأخير، للرئيس الأميركيّ الذي كان همّه، ولا يزال، محصوراً بتفادي ارتفاع أسعار النفط والغاز. في المقابل، كانت “الجمهوريّة الإسلاميّة” تبحث عن أوراق جديدة تعوّض بها انتقال الحرب إلى الأرض الإيرانيّة. وجدت ضالّتها في مضيق هرمز الذي باتت ترى السيطرة عليه سيطرة كاملة مسألة حياة أو موت بالنسبة إليها. ليست الاعتداءات على دول مجلس التعاون الستّ والأردن والسعي إلى إعادة الحياة إلى ورقة الحوثيّين في اليمن، سوى محاولة لتأكيد أنّ “الجمهورية الإسلاميّة” ما تزال تؤمن بمشروعها التوسّعيّ، خصوصاً أنّه لا تزال لديها القدرة على استخدام فصائل عراقيّة في مهاجمة دول مجاورة مثل الكويت. معظم المسيّرات التي استهدفت الكويت انطلقت من العراق.

يؤكّد انعقاد جولة مفاوضات لبنانيّة – إسرائيليّة، برعاية أميركيّة، في روما إصرار لبنان ممثَّلاً برئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام على تفادي الارتباط بمسار إسلام آباد. بكلام أوضح، يرفض لبنان أن يكون تحت رحمة إيران المصرّة على أن يكون ورقة لديها وحسب. الأكيد أنّ لبنان لم يذهب إلى روما إلّا في ضوء إصرار الإدارة الأميركيّة على ذلك. لم يكن في استطاعته رفض دعوة موجّهة من الولايات المتّحدة، بغضّ النظر عمّا إذا كانت جولة المفاوضات الأخيرة في العاصمة الإيطاليّة ستخرج بنتائج ملموسة أم لا.

خروج الحرس الثوري من سوريا ومن لبنان

من المفيد تفادي لبنان السلوك الإيرانيّ الذي يستند إلى ممارسة التذاكي. معنى ذلك، بكلّ بساطة، أنّ على لبنان، الذي عرف كيفيّة تفادي السقوط في مسار إسلام آباد، استيعاب أنّ إسرائيل، ولا أحد غير إسرائيل، تحتلّ جزءاً من الجنوب حاليّاً، وأنّ ميزان القوى ليس في مصلحته. يوجد ثمن لا بدّ من دفعه من أجل زوال الاحتلال. ليس كافياً قول الرئيس نبيه برّي إنّه يريد “أكل العنب وليس قتل الناطور”. على من يريد أكل العنب دفع الثمن، علاوة على الذهاب إلى النهاية في دعم الوفد اللبنانيّ الذي يفاوض الإسرائيليّين والذي استطاع، بفضل اتّفاق الإطار، إعادة نازحين بالآلاف إلى أرضهم. هذا ما يفترض بالرئيس برّي الاعتراف به قبل غيره.

سيكون على لبنان عاجلاً أم آجلاً مواجهة الحقيقة بدل الهرب منها. تقول الحقيقة إنّ ميزان القوى ليس في مصلحة البلد. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ “الحزب” فتح جبهة جنوب لبنان مع إسرائيل في الثامن من تشرين الأوّل 2023، في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى” تحت شعار “إسناد غزّة”. أين غزّة وما كانت الفائدة من فتح جنوب لبنان لـ”إسنادها”؟

إقرأ أيضاً: وداعاً “لأبطال” الانتصارات الوهمية؟

ربّما كان في استطاعة “الجمهوريّة الإسلاميّة”، التي تعتقد أنّه بقيت لديها أوراق معيّنة، ممارسة لعبة التذاكي وإن في حدود معيّنة. لكنّ لبنان لا يمتلك أيّ أوراق تسمح له بممارسة هذه اللعبة التي طواها الزمن. ليس أمام لبنان، حيث حنين أشخاص مثل نبيه برّي ووليد جنبلاط  إلى مرحلة إسقاط اتّفاق 17 أيّار، غير التفاوض وإن بشروط في غير مصلحته فرضها ميزان القوى الذي يتمثّل بوجود الاحتلال الإسرائيليّ.

هذا ليس وقت التذاكي. هذا وقت تحمُّل لبنان مسؤوليّاته والتعاطي الصريح مع ما الذي يستطيع جيشه عمله في حال انسحبت إسرائيل من أيّ منطقة جنوبيّة. لا مفرّ من التعاطي مع الواقع بدل الهرب منه. لا انسحاب إسرائيليّاً بوجود سلاح “الحزب” مع ما يعنيه الخروج الإيرانيّ الكامل من لبنان على طريقة خروج “الحرس الثوريّ” من سوريا.

مواضيع ذات صلة

الكويت تضع النقاط على الحروف الإيرانية في العراق

لا تلوح في الأفق أيّ بادرة جدّيّة على أنّ العلاقات بين الكويت والعراق ذاهبة نحو التحسّن. تتحدّث “الدولة” العراقيّة بلغة إيجابيّة فيما “الساحة العراقيّة” تضجّ…

إيران وقعت في فخ “قنبلة” المضيق

فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صفحة استراتيجيّة جديدة كتب في عنوانها: “أميركا حارسة مضيق هرمز”. تحتلف هذه الانعطافة جذريّاً عمّا كان يقوله قبل أسابيع من…

وداعاً “لأبطال” الانتصارات الوهمية؟

أين هم أولئك الذين صدعوا رؤوسنا طوال الأسابيع الماضية بالحديث عن الانتصار الإيراني بعد اتفاق إسلام أباد؟ وأين ذهبت تلك التحليلات التي أكدت أن طهران…

الشّرع ضيف النّاتو: من يحتاج إلى سوريا الجديدة؟

تغيّر السؤال ولم يعُد: كيف يتعامل العالم مع الأزمة السوريّة؟ بل أصبح: كيف ستشارك سوريا في صياغة التوازنات الإقليميّة التي تعيش مرحلة إعادة تشكّل؟ لم…