بعد الهدوء النسبيّ الذي لم يوقف الغارات الإسرائيليّة ولا الاشتباكات المحدودة، تتقاطع معلومات أمنيّة ودبلوماسيّة على أنّ هامش المناورة الذي نشأ نتيجة التصعيد الأميركيّ – الإيرانيّ أعاد لبنان إلى دائرة الاحتمالات العسكريّة المفتوحة، فيما تبدو كلّ الأطراف وكأنّها تستعدّ لسيناريو المواجهة أكثر ممّا تستعدّ لتثبيت وقف النار. فما هي الشرارة الأولى التي ستُعلن قيام جولة جديدة من التصعيد لا سيّما جنوباً؟
فيما لا يزال مبكراً الحديث عن عودة الحرب الكبرى في المنطقة وسط معلومات لا تزال تتحدّث عن احتواء التصعيد الإيرانيّ – الأميركيّ المستجدّ تتحدّث مصادر أمنيّة لـ”أساس” عن رفع “الحزب” مستوى استعداداته الميدانيّة تحسّباً لمحاولة إسرائيليّة للتقدّم نحو تلال عليّ الطاهر، فهو يعتبر أنّ سقوط هذه المنطقة سيشكّل تحوّلاً استراتيجيّاً في المعركة. وتقول المصادر إنّ قرار “الحزب” واضح: منع القوّات الإسرائيليّة من الوصول إلى المنشأة مهما بلغت الكلفة، حتّى لو أدّى ذلك إلى سقوط عشرات المقاتلين، باعتبار أنّ المعركة هناك ستكون معركة منع تغيير قواعد الاشتباك لا الدفاع عن موقع عسكريّ وحسب.
في المقابل، تنقل مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” أنّ المؤسّستين العسكريّة والسياسيّة في إسرائيل تتعاملان مع عليّ الطاهر باعتبارها هدفاً لم يتحقّق خلال الجولات السابقة من الحرب، وأنّ القيادة الإسرائيليّة تعتبر أنّ إنهاء العمليّات من دون السيطرة على هذه النقطة يعني بقاء أحد أهمّ المراكز العسكريّة لـ”الحزب” خارج المعادلة الجديدة التي تريد فرضها جنوب لبنان.
لماذا عليّ الطّاهر؟
لا يتعلّق الأمر بتلّة عسكريّة فقط، بل بعقدة جغرافيّة وأمنيّة. خلال المفاوضات التي سبقت اتّفاق الإطار، حاول الجانب الإسرائيليّ إدراج مرتفعات عليّ الطاهر والشقيف ضمن المنطقة التي تُعامل عمليّاً كجزء من جنوب الليطاني، بما يسمح بإخضاعها للترتيبات الأمنيّة الجديدة. إلّا أنّ هذا الطرح لم يمرّ، وبقيت المنطقة خارج التعريف الذي اعتمدته الدولة اللبنانيّة.
يقف لبنان اليوم أمام أخطر لحظة منذ توقّف الحرب الأخيرة
ترى مصادر دبلوماسيّة أنّ رفض هذا التصنيف جعل إسرائيل تعتبر أنّ السيطرة الميدانيّة هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق الهدف الذي لم تنجح في فرضه تفاوضيّاً. ومن هنا تكتسب المنطقة أهميّة استثنائيّة في أيّ جولة مقبلة، إذ لم تعد المعركة مرتبطة فقط بإزالة بنية عسكريّة تعتبرها إسرائيل من المنشآت الأضخم لـ”الحزب”، بل ترتبط هذه التلال أيضاً بإعادة رسم الحدود الأمنيّة الفعليّة لما تعتبره تل أبيب منطقة عازلة جديدة.

بالتالي، تتحدّث مصادر أمنيّة عن استعدادات لمعركة توصف بأنّها ستكون من أعنف المعارك منذ بدء الحرب، باعتبار أنّ أيّاً من الطرفين لا يملك هامش التراجع في هذه النقطة تحديداً. بالمقابل يصرّ الجانب العسكري اللبناني في مفاوضات روما المقبلة، على أن تكون تلّة علي الطاهر من ضمن المنطقة التجريبية الأولى.
اتّفاق الإطار يترنّح.. والجيش في عين العاصفة
بموازاة التصعيد الميدانيّ، يزداد المشهد السياسيّ الداخليّ تعقيداً. فاتّفاق الإطار الذي قُدّم باعتباره المدخل إلى تثبيت الاستقرار لم ينجح حتّى الآن في بناء إجماع داخليّ عليه. بل على العكس، يتعرّض لهجوم سياسيّ حادّ، وصل إلى حدّ المطالبة بتعديله، لا سيما مع بروز موقف كلّ من الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة ورئيس الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ السابق وليد جنبلاط، اللذين عبّرا، كلّ من موقعه، عن ملاحظات جوهريّة على الاتّفاق وآليّات تطبيقه، في مؤشّر إلى أنّ الاعتراض لم يعد محصوراً بالقوى الرافضة له أساساً، بل امتدّ إلى شخصيّات كانت تُعدّ من الداعمين لاستعادة الدولة حصريّة السلاح وقرار الحرب والسلم.
على الرغم من اعتبار المؤسّسة العسكريّة، الجهة المكلّفة بترجمة بنوده ميدانيّاً، لا يزال جزء مهمّ من آليّات التنفيذ يحيط به الغموض، سواء لجهة حدود الصلاحيّات، أو آليّات التعامل مع المناطق الحسّاسة، أو طبيعة التنسيق مع الجهات الدوليّة، علاوة على الإشكاليّات السياسيّة التي ترافق أيّ خطوة ميدانيّة.
تتحدّث مصادر أمنيّة عن استعدادات لمعركة توصف بأنّها ستكون من أعنف المعارك منذ بدء الحرب
من هنا اكتسبت زيارة وليد جنبلاط لقيادة الجيش في اليرزة دلالات في توقيتها. فالزيارة جاءت بعد تأكيد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أنّ “قائد الجيش خطّ أحمر”، في موقف قرأته أوساط سياسيّة على أنّه رسالة استباقيّة لحماية المؤسّسة العسكريّة من ضغوط المرحلة المقبلة، سواء كانت ضغوطاً داخليّة مرتبطة بتنفيذ الاتّفاق، أو خارجيّة مرتبطة بالمطالب الدوليّة والإسرائيليّة، أو ضغوط مرتبطة بإقالة قائد الجيش رودولف هيكل وتعيين آخر لتولّي المهمّة.
لهذا لم يعد المشهد اللبنانيّ يُقرأ من زاوية اتّفاق الإطار وحده، ولا من زاوية التصعيد العسكريّ وحده، بل من تقاطع المسارين معاً. إذا كان الاتّفاق يواجه انقساماً داخليّاً يعطّل تنفيذه، فإنّ الميدان يتحرّك بسرعة أكبر من السياسة. ومع تمسّك إسرائيل بهدف السيطرة على عليّ الطاهر، وإصرار “الحزب” على منع ذلك مهما بلغت الكلفة، وتراجع الضوابط الإقليميّة التي كانت تكبح التصعيد، تبدو الأسابيع المقبلة مرشّحة لأن تكون مرحلة اختبار حقيقيّ.
إقرأ أيضاً: هل تتجدّد الحرب في أيلول؟
في تقدير مصادر دبلوماسيّة، يقف لبنان اليوم أمام أخطر لحظة منذ توقّف الحرب الأخيرة. فإمّا أن تنجح الجهود السياسيّة في احتواء الانقسام وإعادة إنتاج تفاهم قابل للحياة، وإمّا أن تتحوّل عليّ الطاهر إلى الشرارة التي تعيد إشعال الجبهة الجنوبيّة، في حرب لم يعُد، وفق تقديرات أمنيّة ودبلوماسيّة، وقوعها احتمالاً في الخريف المقبل، بل تحوّلت إلى أمر واقع.
لمتابعة الكاتب على X:
