بعيداً عن الأضواء، تشهد بعض العواصم الأوروبيّة، منذ أشهر، لقاءات فلسطينيّة – أميركيّة غير معلنة. كان آخر هذه اللقاءات في العاصمة اليونانيّة أثينا خلال نيسان الماضي، بمشاركة وفد فلسطينيّ يرأسه نائب الرئيس حسين الشيخ، ومدير جهاز الاستخبارات العامّة ماجد فرج، مقابل وفد أميركيّ لا يحمل صفة رسميّة، ويبدو أقرب إلى قناة وساطة تمهّد لاستئناف الاتّصال بين السلطة الفلسطينيّة والإدارة الأميركيّة.
على الرغم من أنّ هذه اللقاءات لم تفضِ حتّى الآن إلى تفاهمات أو اتّفاقات معلنة، تكشف عن محاولة متبادلة لاستكشاف إمكان إعادة بناء العلاقة بعد سنوات من الجمود، في ظلّ متغيّرات فرضتها الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة، بالتوازي مع تراجع قدرة تل أبيب على تقديم تصوّر واضح لليوم التالي.
في لقاء أثينا الذي شارك فيه طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق والشريك في ترتيبات غزة، تمّ وضع ورقة مشتركة بين الجانبين حول مستقبل غزة إلا أنّ الحكومة الإسرائيلية رفضت الكثير من بنودها.
شكل “النّظام الفلسطينيّ”
لم تقتصر النقاشات خلال اللقاءات على استئناف الاتّصالات، بل شملت أكثر الملفّات حساسيّة، وفي مقدَّمها أموال المقاصّة، ومستقبل إدارة قطاع غزّة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، والانتخابات، وهي ملفّات تعكس شكل “النظام” الفلسطينيّ الذي ترغب واشنطن في التعامل معه خلال المرحلة المقبلة.
كان أبرز ما طُرح في اللقاءات المقترح الأميركيّ القاضي بتحويل مليار دولار من أموال المقاصّة الفلسطينيّة المحتجَزة لدى إسرائيل إلى “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لإدارة ملفّ غزّة، بحيث يخصّص نصف المبلغ للقطاع، والنصف الآخر للضفّة الغربيّة. غير أنّ السلطة الفلسطينيّة رفضت هذا الطرح بصيغته الأصليّة، معتبرة أنّ تحويل الأموال الخاصّة بالضفّة إلى المجلس يضعها تحت وصاية جهة خارجيّة، بينما أبدت استعدادها للموافقة على تحويل الأموال المخصّصة لغزّة، شريطة أن يقترن ذلك بمنحها صلاحيّات فعليّة في إدارة القطاع والإشراف على آليّات الإنفاق.
تناولت المباحثات إعادة هيكلة الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، بما في ذلك إنهاء بعض الوحدات الخاصّة، وهو طرح يتقاطع مع الرؤية الإسرائيليّة
لا يقف الخلاف في الرؤى بين السلطة الفلسطينيّة والإدارة الأميركيّة عند الجانب الماليّ، بل يمتدّ إلى مستقبل الحكم في غزّة، فالولايات المتّحدة تطرح إنشاء آليّة جديدة لإدارة القطاع، بينما تتمسّك السلطة الفلسطينيّة بأن يكون أيّ دور ماليّ أو إداريّ جزءاً من عودة صلاحيّاتها السياسيّة والأمنيّة الكاملة إلى غزّة، وليس إدارة للخدمات.
قناة اتّصال بين الولايات المتّحدة والسّلطة الفلسطينيّة
تناولت المباحثات إعادة هيكلة الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، بما في ذلك إنهاء بعض الوحدات الخاصّة، وهو طرح يتقاطع مع الرؤية الإسرائيليّة التي تنظر إلى تلك التشكيلات باعتبارها تمتلك قدرات قد تستخدم مستقبلاً في “مقاومة” الاحتلال. وأبدت واشنطن رفضها إجراء انتخابات المجلس الوطنيّ، مفضّلة الاكتفاء بإجراء انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة وفق الإطار الذي أوجدته اتّفاقيّة أوسلو.

كشف الكاتب والمحلّل السياسيّ، المقرّب من السلطة الفلسطينيّة، محمّد هواش، عن لقاءات فلسطينيّة – أميركيّة متعدّدة جرت خلال الأشهر الماضية، كان آخرها في اليونان، في محاولة أميركيّة لإعادة فتح قنوات تواصل مع الجانب الفلسطينيّ بعد سنوات من القطيعة الرسميّة، إثر إغلاق واشنطن مكتب منظّمة التحرير الفلسطينيّة.
أوضح هواش لـ”أساس ميديا” أنّ هذه اللقاءات يشارك فيها مسؤولون فلسطينيّون رسميّون، ويقابلهم أميركيّون غير رسميّين، بهدف ترسيم قناة اتّصال مباشرة مستقبلاً، وبحث إمكان إعادة فتح القنصليّة الأميركيّة في القدس لتكون النافذة الدبلوماسيّة الرسميّة مع الفلسطينيّين.
أشار إلى أنّ الاتّصالات ينخرط في جزء منها بشارة بحبح بصفته ممثّلاً للجالية العربيّة في الولايات المتّحدة ، إلّا أنّها تبقى تحرّكات شخصيّة غير رسميّة، ولا تعكس موقفاً حكوميّاً أميركيّاً، على الرغم من انتقاده أحياناً لسياسات واشنطن تجاه الفلسطينيّين.
لا يقف الخلاف في الرؤى بين السلطة الفلسطينيّة والإدارة الأميركيّة عند الجانب الماليّ، بل يمتدّ إلى مستقبل الحكم في غزّة
وحول أجندة لقاء اليونان الأخير، بيّن هواش أنّ ملفّ أموال المقاصّة والأزمة الماليّة التي تواجهها السلطة الفلسطينيّة تصدّر المباحثات، إلى جانب مساعٍ أميركيّة للضغط على إسرائيل لمنعها من إلغاء اتّفاق أوسلو والاتّفاقات الاقتصاديّة المنظِّمة للحياة اليوميّة الفلسطينيّة، وهي خطوات تسعى إليها الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة، ولا سيما وزير ماليّتها. وأضاف أنّ واشنطن تدرك أنّ إلغاء هذا الإطار القانونيّ سيرتّب عليها التزامات أمنيّة وسياسيّة كبيرة، ويهدّد الاستقرار الإقليميّ، نظراً لمحوريّة القضيّة الفلسطينيّة في الشرق الأوسط.
اختتم هواش بالإشارة إلى أنّ واشنطن بدأت تبحث عن إعادة فتح هذه القناة بعدما اكتشفت أنّ قطع الاتّصالات كان خطأ سياسيّاً حرمها من وسيلة مباشرة لمعرفة الموقف الفلسطينيّ. واستدرك أنّ هذا التحرّك لا يعني تراجعا أميركيّاً عن انحيازها المطلق لإسرائيل وتبنّي روايتها، أو تخلّياً عن تأييد سياساتها على الأرض، على الرغم من تناقضها مع القانون الدوليّ، ومع المواقف التقليديّة للإدارات الأميركيّة السابقة.
أميركا و”شروط الإصلاح”
في المقابل، رأى الكاتب والمحلّل السياسيّ هاني المصريّ أنّ الحديث عن عودة العلاقات الفلسطينيّة ـ الأميركيّة ما يزال سابقاً لأوانه، لأنّ الاتّصالات الجارية لا تعكس تحوّلاً حقيقيّاً في السياسة الأميركيّة، وإنّما تمثّل تحضيراً لمرحلة جديدة تفرضها تعقيدات الحرب على غزّة.
أكّد المصري، الذي التقى بشارة بحبح في مكتبه برام الله يوم 30 حزيران، في حديث لـ”أساس ميديا”، أنّ واشنطن ما تزال تربط أيّ انفتاح على السلطة الفلسطينيّة بتنفيذ ما تسمّيه “شروط الإصلاح”، التي تشمل إعادة النظر في رواتب الأسرى وعائلات الشهداء، وتعديل المناهج التعليميّة، وتغيير الخطاب الإعلاميّ، ووقف ملاحقة إسرائيل أمام الأمم المتّحدة والمحاكم الدوليّة، بما يعني إعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينيّة باعتبارها جهةً تدير شؤون السكّان تحت الاحتلال، وليست مشروعاً سياسيّاً لإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ وإقامة الدولة الفلسطينيّة.
كشف الكاتب والمحلّل السياسيّ، المقرّب من السلطة الفلسطينيّة، محمّد هواش، عن لقاءات فلسطينيّة – أميركيّة متعدّدة جرت خلال الأشهر الماضية
لفت المصري إلى أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل تواجهان مأزقاً متزايداً في غزّة بعد أشهر طويلة من الحرب، الأمر الذي يدفعهما إلى البحث عن الاستفادة من البنية الإداريّة والأمنيّة التي تمتلكها السلطة الفلسطينيّة لإدارة بعض الملفّات داخل القطاع، لكن من دون منحها دوراً سياسيّاً كاملاً.
قلّل المصري من أهميّة لقاء أثينا، معتبراً أنّه اقتصر على تبادل وجهات النظر، ولم يفضِ إلى أيّ التزامات، مؤكّداً أنّ واشنطن لن تقدم على أيّ خطوة عمليّة قبل اتّضاح الموقف الإسرائيليّ، وأنّ سياستها تجاه القضيّة الفلسطينيّة لم تتغيّر في جوهرها.
إقرأ أيضاً: نتنياهو يهرب من الانتخابات إلى التّصعيد العسكريّ؟
كشفت اللقاءات أنّ الطرفين يقترب أحدهما من الآخر لأسباب مختلفة، غير أنّ الفجوة لا تزال واسعة بينهما لأنّ الخلاف لم يعد يقتصر على الأموال أو إدارة غزّة، بل يتعلّق بطبيعة المشروع السياسيّ الفلسطينيّ نفسه، وحدود الدور الذي تقبل واشنطن وإسرائيل بمنحه للسلطة الفلسطينيّة في المرحلة المقبلة.
*كاتب فلسطيني
