لبنان بين توقيع واشنطن وحسابات طهران

مدة القراءة 9 د

في اليوم الذي كانت فيه السفيرة اللبنانيّة ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيليّ يحيئيل ليتر يوقّعان في وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن ما سُمّي “إطاراً لسلامٍ دائم”، كان مشيّعو عاشوراء يسيرون بين الأبنية المدمّرة في النبطيّة، وكانت طائرة مسيّرة إسرائيليّة تقتل شخصين في الجنوب. هذه الصورة المزدوجة تختصر كلّ شيء: سلامٌ على الورق، وحربٌ على الأرض.

 

الوثيقة التي وُقِّعت في السادس والعشرين من حزيران حقيقيّة، والحرب التي يُفترض أن تنهيها حقيقيّة أيضاً. والسؤال ليس ما إذا كان لبنان وإسرائيل قد توصّلا إلى اتّفاق سلام، بل ما إذا كانا يملكان أكثر من لحظة احتفاليّة صُمّمت بعناية من دون أن يعرف أحد إن كانت عقاربها ستصل إلى النهاية.

احتفت واشنطن بالاتّفاق باعتباره أوّل اختراق دبلوماسيّ حقيقيّ بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات طويلة. لكنّ الحقيقة أنّ الوثيقة أجّلت أصعب الأسئلة بدلاً من أن تجيب عنها، فلا تعِد بالسلام، بل تعد بإمكان الوصول إليه. كلّ خطوة إسرائيليّة مشروطة بأداء لبنانيّ، وكلّ مكسب لبنانيّ مشروط بخطوة لم يوافق عليها الطرف الأكثر تأثيراً على الأرض: “الحزب”.

بداية البداية

ربّما وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو كان الأكثر صدقاً عندما وصف الاتّفاق بأنّه “بداية البداية”. فما وُقّع ليس معاهدة سلام، ولا حتّى وقفاً دائماً لإطلاق النار، بل خارطة طريق متدرّجة، مشروطة، تقوم على مبدأ “التنفيذ مقابل التنفيذ”.

وافقت إسرائيل على الانسحاب من منطقتين صغيرتين جنوب الليطاني وتسليمهما إلى الجيش اللبنانيّ بعد التأكّد من خلوّهما من أيّ بنية عسكريّة لـ”الحزب”. أمّا أيّ انسحاب لاحق فسيبقى مرتبطاً بمدى تحقيق الجيش اللبنانيّ لمجموعة من المعايير الأمنيّة.

وافقت إسرائيل على الانسحاب من منطقتين صغيرتين جنوب الليطاني وتسليمهما إلى الجيش اللبنانيّ بعد التأكّد من خلوّهما من أيّ بنية عسكريّة لـ”الحزب”

غير أنّ المعيار الأساسي، الذي ورد صراحة في الاتّفاق وأعلنه السفير الإسرائيليّ يحيئيل ليتر بوضوح، هو نزع سلاح “الحزب” في مختلف أنحاء لبنان. وحتّى يتحقّق ذلك، ستبقي إسرائيل في المنطقة العازلة التي تسيطر عليها اليوم، والتي توازي نحو خمس مساحة الجنوب، مع احتفاظها بما تسمّيه “حرّيّة العمل العسكريّ”. وكان بنيامين نتنياهو أكثر وضوحاً عندما أعلن أنّ الجيش الإسرائيليّ سيبقى حيث هو إلى أن يُنزع سلاح “الحزب”، وربّما حتّى بعد ذلك.

ما هي فرص نجاح هذا الاتّفاق؟

الجزء الأوّل، المتعلّق بالمنطقتين التجريبيّتين، يملك فرصة واقعيّة للنجاح، لأنّه صُمّم أصلاً ليكون محدوداً ورمزيّاً. فهذه مناطق سبق لإسرائيل أن دمّرتها وأفرغتها من سكّانها، وتسليمها إلى الجيش اللبنانيّ لا يكلّفها الكثير، فيما يمنح واشنطن فرصة لإظهار أنّ العمليّة السياسيّة بدأت تتحرّك.

واشنطن

أمّا ما بعد ذلك فتبدأ التعقيدات الحقيقيّة. فالوثيقة تقلب ترتيب الأحداث بطريقة يرفضها “الحزب” وإيران بالكامل. بالنسبة لإسرائيل، يبدأ الانسحاب بعد نزع السلاح. أمّا بالنسبة لـ”الحزب”، فالانسحاب يجب أن يسبق أيّ نقاش في شأن السلاح. ليست الأمر فجوة تفاوضيّة يمكن ردمها، بل رؤيتان متناقضتان بالكامل في من يجب أن يقدّم التنازل الأوّل.

لذلك لم يكن مستغرباً أن يرفض الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم الاتّفاق بالكامل، معتبراً أنّه يمثّل استسلاماً وإهانة للسيادة اللبنانيّة. وما دام الانسحاب الإسرائيليّ مشروطاً بخطوة أعلن “الحزب” مسبقاً أنّه لن يقوم بها، فإنّ الجزء الأكبر من الاتّفاق يتحوّل إلى وعدٍ معلّق على شرط يبدو مستحيلاً.

 لم يكن مستغرباً أن يرفض الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم الاتّفاق بالكامل

أزمة داخليّة

لكنّ المشكلة لا تتوقّف عند “الحزب”. فالخطر الحقيقيّ يكمن في أن يتحوّل الخلاف على تنفيذ الاتّفاق إلى أزمة داخليّة لبنانيّة. هذا هو الهاجس الذي يُسمع اليوم في معظم المجالس اللبنانيّة، لكنّه يحتاج إلى تقدير دقيق. فحين حذّر النائب حسن فضل الله من أنّ محاولة فرض تنفيذ الاتّفاق قد تؤدّي إلى حرب أهليّة، لم يكن ذلك توصيفاً وحسب، بل رسالة ردع موجّهة أساساً إلى الدولة اللبنانيّة والجيش اللبنانيّ، أكثر ممّا هي موجّهة إلى إسرائيل. والرسالة واضحة: أيّ محاولة جدّيّة لنزع سلاح “الحزب” ستُعتبر مواجهة داخليّة.

يدرك الرئيس جوزف عون حجم هذا المأزق أكثر من أيّ طرف آخر، فهو مطالَب من واشنطن بإثبات قدرة الدولة على احتكار السلاح، ومطالَب في الوقت نفسه بالحفاظ على السلم الأهليّ ومنع انزلاق الجيش إلى مواجهة مع بيئة لبنانيّة واسعة. إنّه يحاول التوفيق بين مطلبين يصعب الجمع بينهما: بناء الدولة وتجنّب الانفجار الداخليّ.

أمّا رئيس الحكومة نوّاف سلام فقد حاول تخفيف حدّة المواجهة عبر إعادة النقاش إلى النصّ الدستوريّ، متحدّثاً عن حصريّة السلاح بيد الدولة باعتبارها مبدأً دستوريّاً لا إعلان حرب على أيّ طرف لبنانيّ.

هنا يدخل لبنان مرّة جديدة في فخّه التاريخيّ. فالجيش اللبنانيّ يبقى المؤسّسة الوحيدة التي لا تزال تحظى بثقة معظم اللبنانيّين، لكنّه أيضاً المؤسّسة التي لا تستطيع تحمّل الانقسام الطائفيّ إذا وُضعت في مواجهة مباشرة مع سلاح “الحزب”.

لهذا الخطر الأكثر ترجيحاً ليس اندلاع حرب أهليّة جديدة، بل شيء أكثر هدوءاً وأشدّ استنزافاً: الشلل. دولة توقّع في واشنطن، لكنّها تتردّد في الجنوب. جيش يتسلّم المنطقتين التجريبيّتين، ثمّ يجد ألف سبب لعدم الانتقال إلى الثالثة. طبقة سياسيّة تبقي الاتّفاق حيّاً على الورق، لأنّ تنفيذه الكامل مكلف، وإسقاطه بالكامل مكلف أيضاً. وقد يأتي الانفجار فقط إذا دفعت إسرائيل الأمور إلى نقطة لا يستطيع “الحزب” تجاهلها عبر ضربة عسكريّة كبيرة تمسّ صورته أو مكانته.

يدرك الرئيس جوزف عون حجم هذا المأزق أكثر من أيّ طرف آخر، فهو مطالَب من واشنطن بإثبات قدرة الدولة على احتكار السلاح

الوثيقة والمذكّرة

لكن حتّى هذا المشهد اللبنانيّ ليس سوى جزء من لوحة أكبر. فالوثيقة الموقّعة في واشنطن لا يمكن فهمها بمعزل عن مذكّرة التفاهم الأميركيّة ـ الإيرانيّة التي فتحت نافذة تفاوض على البرنامج النوويّ الإيرانيّ تمتدّ ستّين يوماً، العقوبات، مضيق هرمز، وترتيبات خفض التصعيد في المنطقة.

بل إنّ النصّ نفسه يتحدّث عن وقف العمليّات العسكريّة على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، فيما أفضت اجتماعات لوسيرن في سويسرا إلى إنشاء غرفة تنسيق خاصّة بلبنان بإشراف قطريّ وباكستانيّ لتفادي أيّ انهيار ميدانيّ. كان وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي الأكثر صراحة عندما اعتبر أنّ التفاهم يجمع الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة، وإيران و”الحزب” من جهة أخرى.

بمعنى آخر، أصبح لبنان جزءاً من صفقة لم يكن طرفاً في التفاوض عليها. وهنا تكمن المفارقة الأخطر. فلبنان، بينما يتفاوض مع إسرائيل، يجري التفاوض عليه في مكان آخر. وهذا ما يجعل سيادته رهينة حسابات تُتّخذ في واشنطن وطهران أكثر ممّا تُتّخذ في بيروت.

لكنّ هذه الحقيقة نفسها قد تكون مصدر الخطر ومصدر الأمل في آن واحد. هي خطر لأنّها تؤكّد أنّ القرار اللبنانيّ ما يزال مرتبطاً بتوازنات إقليميّة أكبر منه. وهي أمل لأنّ هدوء الجبهة اللبنانيّة أصبح ورقة تفاوضيّة مفيدة لإيران، التي تحتاج خلال مهلة الستّين يوماً إلى الحفاظ على مناخ يسمح لها بالتفاوض على رفع العقوبات، الإفراج عن الأصول المجمّدة، وإنعاش اقتصادها.

ضبط السّلاح لا التّخلّي عنه

من هنا، قد تكون طهران مستعدّة للضغط على “الحزب” من أجل ضبط النفس، ومنع التصعيد، وإبقاء الهدوء قائماً في الجنوب. لكنّ بين ضبط السلاح والتخلّي عنه فرقاً جوهريّاً.

تستطيع إيران أن تطلب من “الحزب” خفض مستوى المواجهة لأنّها تملك قرار استخدام هذه الورقة أو تجميدها مؤقّتاً. أمّا أن توافق على نزع سلاح “الحزب”، فذلك يعني التخلّي عن أهمّ أدوات الردع التي بقيت لها في المنطقة بعد التحوّلات الكبرى التي شهدتها السنوات الأخيرة. بعبارة أخرى، تستطيع طهران أن تخفّض حرارة الغرفة، لكنّها لن تهدم المنزل.

احتفت واشنطن بالاتّفاق باعتباره أوّل اختراق دبلوماسيّ حقيقيّ بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات طويلة

هنا تظهر أيضاً فرضيّة ثالثة يغفلها كثيرون. قد لا تكون المعادلة بين بقاء السلاح كاملاً أو نزعه كاملاً، بل بين إعادة تشكيل دوره. فقد يقبل “الحزب” بتقليص حضوره العسكريّ الظاهر، أو إعادة انتشار قوّاته، أو تعزيز دوره السياسيّ مقابل تقليص دوره الأمنيّ، من دون التخلّي عن قدراته الاستراتيجيّة. لكن هل تقبل إسرائيل بذلك؟

أمّا بالنسبة إلى أبناء الجنوب، فكلّ هذه الحسابات الكبرى تبقى بعيدة عن حياتهم اليوميّة. فهم لا يقيسون نجاح الاتّفاق بعدد البيانات المشتركة، بل بموعد عودتهم إلى منازلهم، وفتح مدارسهم، وقطف مواسمهم الزراعيّة، وقدرتهم على النوم من دون سماع صوت المسيّرات.

في النهاية، يبدو أنّ الاتّفاق الموقّع في واشنطن ليس سلاماً بقدر ما هو مؤقّتٌ سياسيّ ينتهي بعد ستّين يوماً، تماماً كما تنتهي مهلة التفاوض بين واشنطن وطهران. إذا نجحت تلك المفاوضات فقد يحصل لبنان على انسحاب إسرائيليّ أوسع ضمن تسوية إقليميّة لم يشارك في صياغتها. وإذا فشلت فسيكون جنوب لبنان أوّل مكان يشعر بانهيارها.

إقرأ أيضاً: هل تنهي المفاوضات الدّور “الشّقيّ” لإيران و”الحزب”؟

وقّع لبنان على الوثيقة، لكنّه لا يملكها بعد، فالتواقيع لبنانيّة، الجدول الزمنيّ أميركيّ، أوراق الضغط إيرانيّة، والحسابات الأمنيّة إسرائيليّة. وإلى أن تجتمع هذه العناصر الأربعة في نقطة واحدة، سيبقى السلام في لبنان فكرةً يجري التفاوض عليها أكثر ممّا سيكون واقعاً يُعاش.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

“إطار واشنطن” الذي وقّعه كلّ من لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة، يعدّ الاتّفاق الأشجع الذي تذهب إليه الدولة اللبنانيّة، عبر سلطة سياسيّة ذات تمثيل شعبيّ وبرلمانيّ…

إيران لم تعد بحاجة لقنبلة نووية؟

تقتضي الشجاعة الاعتراف بأن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة بصورة تبدو متناقضة للوهلة الأولى: خسرت عسكريًا وأمنيًا على نحو قاسٍ، لكنها نجحت في تحقيق مكسب…

عندما أدار الرئيس برّيّ ظهره لقاموس “الحزب”

سأل رجل له حيثيّته في المطابخ السياسيّة اللبنانيّة أحد قياديّي “الحزب”: من أجل كابلات الاتّصالات الأرضيّة قمتم باحتلال بيروت ومحاصرة السراي الحكوميّ عام 2008، فما…

هرمز في حسابات الخليج: الاستقرار قبل الإيرادات

أعاد الحديث المتصاعد عن فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز طرح أسئلة تتجاوز الجوانب الماليّة المباشرة إلى مستقبل التجارة والطاقة في منطقة الخليج….