في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات إلى اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم جديد بشأن الملفات العالقة بينهما، يحذر خبيران أمنيان من أنّ أي اتفاق لا يأخذ في الاعتبار العلاقة العضوية بين طهران و”الحزب” قد يفضي إلى نتيجة غير متوقعة: تحويل المسار الدبلوماسي الأميركي- الإيراني إلى أداة حماية غير مباشرة للحزب من الضغوط العسكرية التي يواجهها ويمنحه فرصة لإعادة ترميم قدراته تحت غطاء دبلوماسي.
يرى برادلي مارتن، المدير التنفيذي لمركز دراسات الشرق الأدنى الاستراتيجية والباحث الأول في السياسات لدى مؤسسة راند، وليرام كوبلنتز-ستينزلر، رئيسة قسم التطرف العالمي ومعاداة السامية في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب التابع لجامعة رايخمان الاسرائيلية، في مقال مشترك نشرته مجلة “نيوزويك”، أنّ التصريحات الإيرانية الأخيرة لم تعد تترك مجالاً كبيراً للشك حول طبيعة المقاربة التي تعتمدها طهران في تعاملها مع واشنطن، ويعتبران أن ربط مسؤولين إيرانيين كبار علنًا مستقبل الاتفاق بالتطورات في لبنان، بما في ذلك العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد “الحزب”، يكشف عن هدف إيراني استراتيجي أعمق يتجاوز بكثير تخفيف العقوبات أو حرية الملاحة في مضيق هرمز.
بحسب الخبيرين، فإن فهم هذا السلوك الإيراني يتطلب العودة إلى طبيعة العلاقة التي ربطت الجمهورية الإسلامية بالحزب طوال العقود الماضية، ويقولان: “الحزب مثّل لعقود طويلة درعاً استراتيجياً لإيران. فقد تم بناؤه وتسليحه وتمويله لردع الهجمات على طهران ورفع تكلفة أي عمل عسكري ضد الجمهورية الإسلامية. لذلك، كان على أي جهة تفكر في توجيه ضربة للبرنامج النووي الإيراني أن تأخذ في الاعتبار قدرة الحزب على استهداف المدن الإسرائيلية والبنية التحتية والمدنيين داخل إسرائيل”.
يحذر الخبيران من أن نجاح هذه الاستراتيجية الإيرانية قد يخلق نموذجاً جديداً وسابقة خطيرة في إدارة الأزمات الدولية
تحوّل جذري
غير أن الخبيرين يعتقدان أن هذه المعادلة التقليدية تشهد تحولاً جذرياً اليوم “إذ يبدو أن هذه العلاقة تنعكس، فبدلاً من أن يكون الحزب بمثابة درع استراتيجي لإيران، باتت إيران تستخدم المفاوضات مع واشنطن بشكل متزايد لحماية الحزب”. ويعتبران أنّ “هذا التحوّل أحد أهم التطورات في الشرق الأوسط التي لم تحظَ بالتقدير الكافي، وأن طهران عازمة على استغلال الدبلوماسية لتحقيق ما كافح وكيلها لتأمينه في ساحة المعركة: فرض قيود على حرية إسرائيل في العمل.”
وفقاً للخبيرين، لن تقتصر التداعيات المباشرة لهذه المقاربة على إسرائيل أو لبنان، بل تمتد إلى النظام الإقليمي والدولي ككل. ويشيران إلى أن إيران تحاول إدخال قضايا متعددة ومتشعبة في إطار تفاوضي واحد، الأمر الذي قد يغيّر قواعد اللعبة السياسية والأمنية في المنطقة. فحرية الملاحة عبر مضيق هرمز تشكل، في رأيهما، مصلحة عالمية، وليست تنازلاً يحق لإيران مقايضته بمكاسب سياسية في أماكن أخرى. ومع ذلك، تحاول طهران ربط التجارة الدولية، وخفض التصعيد الإقليمي، ومستقبل الحزب في إطار تفاوضي واحد.
نموذج جديد
يحذر الخبيران من أن نجاح هذه الاستراتيجية الإيرانية قد يخلق نموذجاً جديداً وسابقة خطيرة في إدارة الأزمات الدولية. إذ يُشير هذا النموذج إلى أن دولة ما يُمكنها دعم وكلاء مسلحين، وتهديد الاستقرار الدولي، ثم استخدام المفاوضات لحماية هؤلاء الوكلاء أنفسهم من الضغط العسكري، ويريان أن “المشكلة لا تكمن في الحوار مع إيران بحد ذاته، بل في طبيعة الشروط والإطار الذي قد يُدار من خلاله هذا الحوار. فالمسألة ليست ما إذا كانت الدبلوماسية مع إيران مرغوبة أم لا، فالدبلوماسية غالباً ما تكون ضرورية. إذ أن جوهر المشكلة يكمن فيما إذا كانت واشنطن تقبل بإطار عمل تُحدد فيه طهران شروط الأمن الإقليمي بربط جبهات غير مترابطة في مفاوضات واحدة.”
يحذر خبيران أمنيان من أن أي اتفاق لا يأخذ في الاعتبار العلاقة العضوية بين طهران وحزب الله قد يفضي إلى نتيجة غير متوقعة
وفقاً للباحثين، يطال هذا التطور أيضاً الأسس التي قامت عليها سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية: السلام من خلال القوة. ويحذران من أنّ أي اتفاق يحقق مرحلة هدوء مؤقتة مع توفير حماية غير مباشرة للوكلاء الإيرانيين لا يُظهر قوة. بل سيؤشر إلى إمكانية تحويل الضغط غير المتكافئ إلى نفوذ دبلوماسي. كما أن انعكاسات هذه الرسالة لن تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل ستتم متابعتها من قبل القوى الكبرى المنافسة للولايات المتحدة، وسيدرس خصوم أميركا – من بكين إلى موسكو – عن كثب ما إذا كان السلوك القسري يُكافأ عند إعادة صياغته في صورة مفاوضات.
لبنان: طهران تريد حماية الحزب
في ما يتعلق بالوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، يؤكد الخبيران أنّ أي نقاش حول انسحاب إسرائيل من لبنان يجب أن ينطلق من الظروف الأمنية التي أدت إلى المواجهة الحالية. ويشيران إلى أن عشرات الآلاف من الإسرائيليين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم السكنية على طول الحدود الشمالية، بينما لا يزال ملايين الإسرائيليين ضمن نطاق الصواريخ التي يمتلكها “الحزب”.
يستعيدان ما كتبه الفيلسوف السياسي توماس هوبز حول أن الواجب الأول للدولة ذات السيادة يتمثل في حماية أمن مواطنيها. ومن هذا المنطلق، يريان أنه لا يمكن مطالبة الحكومات بالتعايش مع تهديدات عسكرية راسخة على حدودها بانتظار أن تصبح أكثر خطورة. وإن أي إدارة أميركية لن تقبل بوجود تهديد مماثل على حدود الولايات المتحدة.
باتت إيران تستخدم المفاوضات مع واشنطن بشكل متزايد لحماية الحزب. ويعتبران” هذا التحوّل أحد أهم التطورات في الشرق الأوسط
يؤكد الخبيران أن إسرائيل لا تعارض من حيث المبدأ أي اتفاق يؤدي فعلاً إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنها، بحسب رأيهما، ترى أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق بعزل الجماعات المسلحة من الضغوط العسكرية مع الإبقاء على مصادر التهديد الأساسية من دون معالجة. فلقد وُجد “حزب” طوال عقود ليؤدي وظيفة حماية إيران وردع خصومها.
لذلك يشدد الخبيران على ضرورة اخذ طبيعة العلاقة التاريخية بين إيران و”الحزب” في الاعتبار في أي نقاش حول مستقبل المنطقة، وألا تسمح الولايات المتحدة بقيام نظام إقليمي جديد تستخدم فيه إيران المفاوضات مع واشنطن كأداة لحماية الحزب. فالسلام الدائم، في رأيهما لن يتحقق عبر توفير غطاء دبلوماسي للبنية التحتية التي يقوم عليها التنظيم، بل من خلال ضمان عدم قدرته مستقبلاً على تهديد أمن المنطقة.
يخلص الخبيران الى أن الرئيس ترامب يمتلك فرصة لتحقيق إنجاز دبلوماسي مهم إذا ما أدار المفاوضات بطريقة تمنع تحويلها إلى وسيلة لحماية نفوذ إيران الإقليمي. فنجاح أي تسوية طويلة الأمد يتطلب، في رأيهما، رفض محاولات إيران إعادة صياغة قواعد الأمن الإقليمي وفق الشروط التي تطرحها.
* مركز دراسات الشرق الأدنى وجنوب آسيا (NESA) هو المؤسسة الإقليمية الأبرز التابعة لـوزارة الحرب الأميركية. يضم شبكة خريجين تضم أكثر من 14,000 متخصص في مجال الأمن من أكثر من 140 دولة، ويستفيد من المصالح المشتركة والمعرفة المتراكمة للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، وكل من القيادة الأميركية في أفريقيا وفي المحيطين الهندي والهادئ وفي أوروبا.
* مؤسسة راند (RAND Corporation) منظمة بحثية أميركية تأسست عام 1948، وتُعد واحدة من أبرز مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في العالم. تهدف إلى تحسين السياسات العامة وصناعة القرار من خلال تقديم أبحاث وتحليلات مستقلة في مجالات الأمن، الصحة، التعليم، والاقتصاد.
لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا
