يزيد بن فرحان: حماية “الاستقرار” الدستوري اللبناني..

مدة القراءة 8 د

الحملة التي تشنّها ميليشيات “الحزب” الإعلامية على المملكة العربية السعودية والحراك السياسي الذي تقوم به في لبنان عبر موفدها الأمير يزيد بن فرحان ليست تفصيلاً إعلامياً عابراً أو مجرد ردّ فعل على حركة دبلوماسية سعودية متصاعدة، بل جاءت في توقيت لبناني وإقليمي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع مفاوضات وقف الحرب، والضغط الدولي لتثبيت حصرية السلاح، ومساعي إعادة بناء الدولة اللبنانية، مع حرص سعودي على حماية تشكيل السلطة في لبنان ورعاية وصيانة دائمة للعلاقات والتوازن بين الرئاسات الثلاث.

والأهم أن الهجوم لم يوجّه إلى السعودية بوصفها دولة خليجية فقط، بل إلى الأمير يزيد بن فرحان بوصفه عنواناً للمسعى السعودي في لبنان، أي الدور الذي لا يكتفي بالمراقبة أو بتقديم الدعم المالي، وهذا ما لم يحصل بل يشارك في رسم تصور سياسي للمرحلة المقبلة. هو الذي يقوم بمهمة رعاية الانضباط الدستوري استناداً إلى اتفاق الطائف.

 

منذ عودة الحراك السعودي إلى لبنان، برز الأمير يزيد بن فرحان كأحد أبرز الشخصيات السعودية المعنية بالملف اللبناني. وهو لم يتحرك كموفد ديبلوماسي يزور المسؤولين ويلتقط الصور، بل دخل بصمت مقصود في نقاشات سياسية مباشرة مع الرؤساء والقيادات الحزبية والنيابية، وتناول ملفات شديدة الحساسية تتصل بانتخاب رئيس الجمهورية، تشكيل الحكومة، دور الجيش، وقف الحرب في الجنوب، تنفيذ القرار 1701، والعلاقة بين لبنان ومحيطه العربي، ليس كممثل للسعودية وحسب بل محدثاً باسم دول الخماسية كما خاطب الرئيس نبيه بري عند لقائه الأول به. والأهمّ هو مواجهة الانقلاب الذي حاول “الحزب” التحرّك في اتجاهه لإسقاط الحكومة وحقق في هذه المهمة نجاحاً أكيداً.

هذا الحضور جعل منه، في نظر خصوم السعودية، أكثر من مبعوث. فهو أصبح ممثلاً لمشروع ثوابت سعودية تريد أن ترى لبنان مستقراً، مرتبطاً بالشرعية العربية والدولية، وقادراً على استعادة قراره من القوى المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.

كلما ارتفع الخطاب ضد الرياض، يصبح من الأسهل على “الحزب” أن يقول لاحقاً إنه قدّم تنازلات أو أبدى مرونة في إطار حماية لبنان

وفي البيئة السياسية القريبة من “الحزب”، يُقرأ هذا الدور باعتباره محاولة لإعادة إنتاج توازن داخلي جديد، تكون فيه الدولة والجيش والرئاسة الأولى، والحكومة أقوى من أي قوة حزبية أو عسكرية موازية.

لماذا الهجوم الآن؟

بداية لا بدّ من القول، أنّه يا ليت سلوك الأمير يزيد بن فرحان في لبنان هو كما يقول عنه منتقدوه.

إن الحملات التي تستهدف الأمير يزيد تقول الكثير عن خصومه أكثر مما تقول عنه، فالرجل يُقدّم أحياناً كأنه الحاكم الفعلي للبنان وصاحب القرار في كل تفصيل سياسي، والمفارقة أنّ الذين يروجون هذه الصورة هم أنفسهم الذين يؤكدون في الوقت ذاته أنّ السعودية فشلت في تحقيق أهدافها السياسية، ثمة فارق هائل بين الوصاية والنفوذ، وكل دولة مؤثرة تمتلك نفوذاً، والسعودية تمتلك نفوذاً، كما الولايات المتحدة وإيران…

يأتي الهجوم على السعودية ودورها في لبنان في لحظة يشعر فيها “الحزب” بأنّ مساحة المناورة تضيق. فالحرب في الجنوب لم تعد تُدار فقط على قاعدة الردع العسكري، بل أصبحت مرتبطة بمفاوضات دولية وضغوط سياسية وشروط مرتبطة بإعادة الإعمار والمساعدات وعودة الاستثمارات الخليجية.

وفي هذا السياق، تبدو السعودية لاعباً مهماً لأنها تملك قدرة على التأثير في ثلاثة مسارات:

1- المسار العربي، عبر إعادة وصل لبنان بمحيطه الخليجي والعربي، بعد سنوات من القطيعة السياسية والاقتصادية.

2- المسار الدولي، من خلال التنسيق مع الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى معنية بالملف اللبناني.

3- المسار الداخلي، عبر دعم القوى السياسية والمؤسسات التي ترفع شعار الدولة وحصرية السلاح وتنفيذ القرارات الدولية.

لهذا السبب، لا ينظر “الحزب” إلى الدور السعودي كدور خارجي محايد، بل كجزء من بيئة سياسية تعمل على تغيير قواعد اللعبة في لبنان.

التركيز على الأمير يزيد بن فرحان بالاسم له دلالة سياسية واضحة. فالهجوم لا يتعلق بأدائه السياسي، بل بمحاولة نزع الشرعية عن المهمة التي يمثلها

الصراع الحقيقي ليس بين السعودية وخصومها اللبنانيين، بل بين مشروعين مختلفين للدولة: مشروع يرى أن لبنان يجب أن يكون دولة طبيعية تحتكر السلطة الشرعية فيه وقراري الحرب والسلم، ومشروع آخر يعتبر أن الدولة يمكن أن تكون قوية في بعض الملفات وضعيفة في ملفات أخرى، وأن السيادة يمكن أن تكون كاملة في بعض المجالات ومنقوصة في مجالات أخرى، ولأنّ السعودية تقف بوضوح شديد إلى جانب المشروع الأول، فقد أصبحت هدفاً دائماً لحملات التشويه.

الهدف ليس الشخص بل المشروع

التركيز على الأمير يزيد بن فرحان بالاسم له دلالة سياسية واضحة. فالهجوم لا يتعلق بأدائه السياسي، بل بمحاولة نزع الشرعية عن المهمة التي يمثلها.

عندما يُقدَّم الموفد السعودي على أنه يتدخل في اختيار المسؤولين، أو يرسم التحالفات، أو يدير ملفات الانتخابات، فإن الرسالة المقصودة هي أن السعودية لا تريد مساعدة لبنان بل السيطرة على قراره. وهذه رواية ضرورية بالنسبة إلى “الحزب” وحلفائه، لأنها تسمح لهم بتقديم أي تعاون مع الرياض بوصفه خضوعاً لوصاية خارجية.

يزيد بن فرحان

لكن في المقابل، ترى القوى السيادية ومعها الرئاسات الثلاث أن تحرك الرياض جاء نتيجة إرباك الدولة اللبنانية، وأن المملكة تحاول منع انهيار لبنان وتحويله إلى ساحة نفوذ إيراني مفتوحة.

إيران والسعودية: تفاهم فوقي وصراع في الساحات

قد يبدو غريباً أن تتواصل إيران مع السعودية في ملفات إقليمية، فيما يهاجم “الحزب” بعنف دور الرياض في لبنان. إلا أن هذا ليس تناقضاً فعلياً، بل هو جزء من طريقة إدارة النفوذ في المنطقة.

إيران والسعودية تتعاملان مع بعضهما البعض، كدولتين كبيرتين تملكان مصالح متداخلة. فطهران تحتاج إلى تخفيف الضغوط الإقليمية، والرياض تريد حماية أمن الخليج العربي ومنع توسع دائرة الحرب. لذلك توجد حاجة دائمة إلى الحوار، سواء حول اليمن أو العراق أو أمن الملاحة أو الملفات الإقليمية الأخرى.

منذ عودة الحراك السعودي إلى لبنان، برز الأمير يزيد بن فرحان كأحد أبرز الشخصيات السعودية المعنية بالملف اللبناني

أما لبنان، فيبقى ساحة مختلفة. فهو بالنسبة إلى إيران ورقة نفوذ استراتيجية، وبالنسبة إلى “الحزب” قاعدة قوة سياسية وعسكرية. لذلك لا تريد طهران أن يؤدي أي تفاهم مع السعودية إلى خسارة هذه الورقة أو إلى فرض شروط على الحزب في ملف السلاح.

من هنا، يمكن فهم الهجوم الإعلامي على أنه رسالة تقول: نعم للحوار الإيراني ـ السعودي، لكن لا لتوسيع الدور السعودي داخل لبنان إلى حدّ المساس بوجود “الحزب” ونفوذه.

الرسائل الموجهة إلى الداخل اللبناني

يحمل الهجوم على السعودية رسائل متعددة إلى الداخل اللبناني.

الرسالة الأولى إلى القوى السيادية والمناهضة للحزب، ومفادها أن الرهان على السعودية لن يكون بلا مواجهة، وأن أي مشروع سياسي يقوم على حصرية السلاح سيُواجه بحملة سياسية وإعلامية.

الرسالة الثانية إلى رئيسي الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش، وهي أن الانفتاح على السعودية أو على أي مسار عربي ودولي يجب ألا يتحول إلى منصة للضغط على الحزب.

أما الرسالة الثالثة فهي إلى البيئة الشيعية نفسها، بهدف تعزيز الشعور بأن “الحزب” مستهدف من الخارج، وأن المعركة ليست حول تفاصيل سياسية بل حول وجوده ودوره وسلاحه.

في السياسة اللبنانية، لا يعني التصعيد الإعلامي دائماً أن الأبواب أُغلقت. في كثير من الأحيان، يكون رفع السقف مقدمة للتفاوض. والحزب يدرك أن المرحلة المقبلة ستشهد ضغوطاً كبيرة حول الجنوب، تنفيذ القرار 1701، انتشار الجيش، إعادة الإعمار، وترتيبات ما بعد الحرب.

لذلك، فإنّ الهجوم على السعودية هو محاولة لتحسين شروط التفاوض، ورفع كلفة أي مطلب سعودي أو دولي يتعلق بالسلاح أو بالقرار العسكري. بل يمكن القول أنّ الكفاءة الدبلوماسية التي حملها معه المبعوث السعودي زادت من مخاوف ميليشيا “الحزب” الاعلامية. خاصة بعد أن ظهرت قدرته الاستثنائية على الحوار مع مختلف القوى السياسية اللبنانية، بعيداً عن المدرسة المالية التقليدية للحضور السعودي سابقاً.

الهجوم لم يوجّه إلى السعودية بوصفها دولة خليجية فقط، بل إلى الأمير يزيد بن فرحان بوصفه عنواناً للمسعى السعودي في لبنان

فكلما ارتفع الخطاب ضد الرياض، يصبح من الأسهل على “الحزب” أن يقول لاحقاً إنه قدّم تنازلات أو أبدى مرونة في إطار حماية لبنان، لا تحت ضغط سعودي أو أميركي.

السعودية، من جهتها، لا تبدو في وارد العمل في لبنان بالطريقة التقليدية التي كانت تقوم على الدعم المالي المفتوح أو الرهان على زعيم واحد أو تيار سياسي واحد. بل تسعى إلى مقاربة مختلفة تقوم على دعم المؤسسات، وربط المساعدة بالإصلاح، وتثبيت الاستقرار، وإعادة لبنان إلى محيطه العربي.

ونجاح هذا المسعى يستند على إدارة التوازنات الداخلية، وتحصين المعادلة الوطنية وشراكة الجميع فيها.

إقرأ أيضاً: أوهام “الدوحة 2” الخليفي في الرياض..

الهجوم على الأمير يزيد بن فرحان هدفه دفع السعودية إلى مزيد من الحذر، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن تحركها أصبح مؤثراً إلى درجة أنه أثار قلق القوى التي اعتادت إدارة المشهد اللبناني من دون منافسة عربية فعلية.

مواضيع ذات صلة

أوهام “الدوحة 2” الخليفي في الرياض..

كلّما تعقّدت الأزمة اللبنانيّة أو دخلت البلاد مرحلة مفصليّة، يعود الحديث تلقائيّاً عن إمكان عقد مؤتمر دوليّ أو إقليميّ يشبه مؤتمر الدوحة الذي انعقد عام…

رباعيّة العَلمين: ولادة محور استقرار جديد

هل تشهد مدينة العلمين في مصر ولادة محور استقرار جديد أم هي خطوة أولى نحو بناء إطار تعاون مستدام بين أربع دول قادرة على فعل…

إيلون ماسك… “نبيّ” التّكنولوجيا

من قال إنّ الدين والعلم لا يلتقيان؟ ملأ إيلون ماسك الفجوة بينهما وقلّصها. قلّصها كثيراً حتّى يُخيّل إلى البعض أنّ المسيح عاد، على الأقلّ فعلاً…

مليار يتابعون افتتاح المونديال… هل يحضر ترامب؟

في الوقت الذي ينشغل قادة العالم بمآلات التوتر العسكري في مضيق هرمز بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتجه أنظار الشعوب في العالم اليوم، في تمام…