مضى أكثر من أسبوعٌ كامل على إحياء مدينة رشيد كرامي الذكرى التاسعة والثلاثين لاغتيال الرئيس رشيد كرامي. وبعد انقشاع غبار الانتقادات وخفوت ضجيج الجيوش الإلكترونية، تبرز، في قراءة هادئة للمشهد، معالم الخارطة السياسية التي رسمها النائب فيصل كرامي في كلمته أمام الحشد الشمالي، محدداً من خلالها تموضعه السياسي وخياراته الوطنية، في مسار يمتد من طرابلس إلى مكة.
يبدو الرئيس الراحل رشيد كرامي في ذكرى اغتياله الـ39، أكثر حضوراً من أيّ وقت مضى. فرجل السياسة لا يغيب إلّا حين تغيب مبادئه وآراؤه وسياساته، حتّى لو غاب جسديّاً. الرئيس رشيد كرامي، رجل الدولة الأشهر في تاريخ لبنان ورجل المهمّات الصعبة الذي لطالما لجأت إليه الدولة ليرأس الحكومات في المنعطفات الوطنيّة الصعبة، حاضر اليوم بقضّه وقضيضه. اكتمل حضور خطابه وسياساته ومبادئه في ما أعلنه ووريثه السياسيّ الوزير السابق فيصل كرامي في ذكراه الـ39.
ليس اكتمال حضور آل كرامي في لبنان والوطن العربيّ تفصيلاً بسيطاً في أيّامنا هذه. حضورهم يعني لبنان وطناً نهائيّاً، ويعني أنّ الدولة هي الحصن والملجأ والملاذ لكلّ اللبنانيّين على اختلاف مشاربهم، وأنّها الأمل المنشود واللبنة الأولى والأخيرة في مدماك المستقبل، مستقبل اللبنانيّين كلّ اللبنانيّين في الوطن الصغير مساحةً، الكبير رسالةً ودوراً.
يبدو الرئيس الراحل رشيد كرامي في ذكرى اغتياله الـ39، أكثر حضوراً من أيّ وقت مضى. فرجل السياسة لا يغيب إلّا حين تغيب مبادئه وآراؤه وسياساته، حتّى لو غاب جسديّاً
تاريخ يُبعث حيّاً
لم يكن خطاب كرامي في الذكرى مناسبة وجدانيّة لاستعادة سيرة رجل دولة كبير وحسب، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسيّ متكامل يحدّد من خلاله موقعه وموقع تيّاره داخل المعادلة اللبنانيّة والعربيّة في مرحلة تشهد تحوّلات عميقة على المستويَين الإقليميّ والداخليّ. ولهذا كان تاريخ رشيد كرامي يُبعث حيّاً.
حمل الخطاب رسائل متعدّدة الاتّجاهات، إلّا أنّ جوهره تمثّل في إعادة رسم تموضع سياسيّ واضح يقوم على ثلاث ركائز أساسيّة: التمسّك بعروبة لبنان، دعم مشروع الدولة ومؤسّساتها، والانفتاح الكامل على المحيط العربيّ وفي مقدَّمه المملكة العربيّة السعوديّة.
في الشقّ الوطنيّ، بدا كرامي حاسماً في مقاربته لملفّ الجنوب اللبنانيّ. لم يتراجع قيد أنملة عن ثوابت العداء لإسرائيل واعتبار الاحتلال الإسرائيليّ خطراً دائماً على لبنان والمنطقة، لكنّه في الوقت نفسه وجّه انتقاداً مباشراً للدور الإيرانيّ في الجنوب، داعياً طهران إلى الكفّ عن استخدام البلد وأهله ورقة تفاوض في صراعاتها الإقليميّة والدوليّة. وهي من المرّات النادرة التي تصدر فيها هذه الرسالة بهذه الصراحة.
من هنا يمكن قراءة دعوته إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة، واستكمال بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، باعتبارها جزءاً من رؤية سياسيّة ترى أنّ زمن الساحات المفتوحة والنفوذ المتعدّد قد وصل إلى نهاياته، وأنّ الأولويّة باتت لإعادة بناء الدولة اللبنانيّة واستعادة قرارها الوطنيّ المستقلّ.
في الشأن الداخليّ، وضع كرامي نفسه بوضوح في صفّ الشرعيّة الدستوريّة والمؤسّسات القائمة. فقد أعلن دعمه لرئيس الجمهوريّة جوزف عون ولرئيس الحكومة نوّاف سلام، معتبراً أنّ نجاح العهد والحكومة ليس انتصاراً لفريق سياسيّ بل فرصة لإنقاذ لبنان. إلى ذلك رفض بشكل قاطع الدعوات إلى إسقاط الحكومة عبر الشارع، محذّراً من أنّ منطق الشارع يقود إلى شارع مقابل، مع ما يستتبعه ذلك من أخطار على السلم الأهليّ والاستقرار الوطنيّ.
أعاد كرامي تأكيد أنّ لبنان جزء من العالم العربيّ، وأنّ لبنان في أيّ صراع إقليميّ ستكون وجهته السياسيّة إلى جانب العرب
الدّولة في مواجهة الفوضى
يحمل هذا الموقف دلالات أبعد من الدفاع عن حكومة قائمة، إذ يعكس تبنّياً واضحاً لخيار الدولة في مواجهة الفوضى، وللآليّات الدستوريّة في مواجهة محاولات فرض الوقائع بالقوّة أو الضغوط الشعبيّة المنظّمة، ويشكّل امتداداً للنهج لعائلته، والذي قام على أولويّة المؤسّسات والتسويات الوطنيّة على حساب المغامرات السياسيّة.
ربّما ما يلفت الانتباه أيضاً هو تأكيد كرامي حماية موقع رئاسة الحكومة والطائفة السنّيّة داخل المعادلة الوطنيّة، ولكن من داخل الدولة لا من خارجها، ومن خلال التوازنات التي أرساها الدستور لا عبر منطق الشارع أو فرض الأمر الواقع. وهنا يلتقي خطابه مع فكرة أساسيّة مفادها أنّ استقرار لبنان لا يمكن أن يتحقّق إلّا من خلال احترام الشراكة الوطنية التي قام عليها النظام اللبنانيّ بعد اتّفاق الطائف.
السّعوديّة بوصفها بوصلة
أمّا الرسالة الأبرز والأكثر وضوحاً فكانت في البعد العربيّ. فحين قال كرامي إنّ المملكة العربيّة السعوديّة هي “بوصلتنا السياسيّة والدينيّة”، لم يكن يطلق توصيفاً عابراً، بل كان يعلن تموضعاً استراتيجيّاً كاملاً داخل الفضاء العربيّ. وقد ربط هذا الخيار مباشرة بـ”اتّفاق الطائف” الذي رعته المملكة وساهم في إنهاء الحرب الأهليّة اللبنانيّة، مؤكّداً أنّ أيّ مساس بـ”الطائف” هو مساس باستقرار لبنان نفسه.
في هذا السياق، أعاد كرامي تأكيد أنّ لبنان جزء من العالم العربيّ، وأنّ لبنان في أيّ صراع إقليميّ ستكون وجهته السياسيّة إلى جانب العرب، وأيّ مقاربة لمسألة السلام مع إسرائيل يجب أن تكون منسجمة مع القرار العربيّ الجماعيّ لا مع المبادرات الفرديّة أو الحسابات الخاصّة.
إقرأ أيضاً: قاسم الخوجة… من دير الزور إلى سجادة “كان” الحمراء
في المحصّلة، يمكن القول إنّ خطاب ذكرى الشهيد رشيد كرامي تحوّل إلى منصّة سياسيّة أعلن من خلالها فيصل كرامي خريطة تموضعه الجديدة: لا لإسرائيل ولا للوصايات الخارجيّة، نعم للدولة والمؤسّسات، نعم لـ”الطائف”، نعم للعروبة، ونعم لعلاقة استراتيجيّة مع المملكة العربيّة السعوديّة باعتبارها ركيزة الاستقرار العربيّ وشريكة لبنان التاريخيّة.
إنّها محاولة واضحة لإعادة تعريف الموقع السياسيّ لبيت كرامي في مرحلة إعادة تشكيل التوازنات اللبنانيّة، والانتقال إلى خطاب أكثر وضوحاً في تحديد الخيارات والتحالفات والاتّجاهات، عنوانه الأبرز: الدولة أوّلاً، والعروبة الإطار، والمملكة السعوديّة البوصلة.
لمتابعة الكاتب على X:
