أعاد الحديث عن لائحة تضمّ نحو 2,300 اسم مرتبطين بـ”الحزب” أحد أكثر الملفّات حساسيّة في المفاوضات اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة إلى الواجهة. فبعدما كشف النائب حسن فضل الله في مقابلته مع الزميل جورج صليبي على شاشة “الجديد” رفض “الحزب” للشروط التي طُرحت خلال محادثات واشنطن، برز مجدّداً بند يتعلّق بإبعاد 2,300 شخص من جنوب الليطاني، إلى جانب شروط أخرى مرتبطة بالمناطق التجريبيّة وحقّ إسرائيل في الردّ على أيّ تهديد تعتبره صادراً عن “الحزب”.
على الرغم من نفي مصادر دبلوماسيّة معنيّة بالمفاوضات وجود لائحة رسميّة وصلت إلى لبنان، تؤكّد معلومات “أساس” أنّ أصل المسألة صحيح، ولو أنّها لم تُدرج رسميّاً في البيان الصادر عن اجتماعات واشنطن. بحسب المعلومات، نوقش هذا المطلب خلال المحادثات الأخيرة، وانتقل ضمن الرسائل والمداولات الدبلوماسيّة التي وصلت إلى المسؤولين اللبنانيّين، قبل أن تُنقل إلى الجهات المعنيّة وفي مقدَّمها “الحزب”.
لا يُعدّ هذا المطلب جديداً في الواقع، فخلال المفاوضات التي تلت الحرب، وخصوصاً في مرحلة عمل الآليّة الأمنيّة والوساطة الأميركيّة، طُرح أيضاً مطلب إبعاد عدد كبير من كوادر “الحزب” وعناصره من جنوب الليطاني، بالتوازي مع مطالب أخرى تتعلّق بتوسيع صلاحيّات الجيش اللبنانيّ في الدهم والتفتيش استناداً إلى معلومات إسرائيليّة.
اللّائحة موجودة
تؤكّد مصادر دبلوماسيّة مطّلعة لـ”أساس” أنّ الوفد الإسرائيليّ عاد وأثار هذا الملفّ خلال اجتماعات واشنطن الأخيرة، من دون أن ينعكس ذلك في الصياغات الرسميّة. وتشير المعلومات إلى أنّ السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى تناول هذا المطلب الإسرائيلي خلال لقاءاته مع عدد من المسؤولين اللبنانيّين، بينهم رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي.
لا يبدو الخلاف محصوراً بمصير السلاح جنوب الليطاني، بل يتّصل بمستقبل النفوذ والهويّة السياسيّة للجنوب نفسه
لكنّ أهميّة هذا المطلب لا تكمن في عدد الأشخاص الذين يشملهم فقط، بل في الهدف الذي يقف خلفه. بحسب مصادر دبلوماسيّة غربيّة، لا تسعى إسرائيل إلى تفكيك البنية العسكريّة لـ”الحزب” فحسب، بل إلى إضعاف بنيته التنظيميّة والاجتماعيّة داخل القرى الجنوبيّة. لذلك الأشخاص الذين يُراد إبعادهم ليسوا بالضرورة مقاتلين أو مسؤولين عسكريّين حصراً، بل قد يكون بينهم مسؤولون محلّيون وفاعليّات اجتماعيّة وتنظيميّة يشكّلون جزءاً من شبكة النفوذ التي يرتكز عليها “الحزب” داخل بيئته.
تستند هذه القراءة إلى نمط الاستهداف الإسرائيليّ خلال الأشهر الماضية، الذي لم يقتصر على مواقع عسكريّة أو عناصر ميدانيّين، بل شمل أيضاً رؤساء بلديّات وأعضاء مجالس بلديّة وشخصيّات محليّة في عدد من القرى الجنوبيّة، وهو ما يعكس سعياً إلى ضرب البنية التنظيميّة التي تمنح “الحزب” قدرة الاستمرار والحضور داخل المجتمع المحليّ.
لا تنظر إسرائيل إلى هذه المطالب بوصفها ملفّات منفصلة، بل عناصر ضمن رؤية واحدة للجنوب بعد الحرب. فإبعاد الأشخاص الذين تعتبرهم جزءاً من البنية التنظيميّة لـ”الحزب”، واعتماد مناطق تجريبيّة تخضع لترتيبات أمنيّة خاصّة، والإبقاء على هامش واسع من حرّية الحركة العسكريّة الإسرائيليّة، كلّها خطوات تصبّ في اتّجاه واحد: إعادة تشكيل الواقع الأمنيّ والبشريّ جنوب الليطاني قبل الوصول إلى أيّ تسوية نهائيّة.

هكذا لا يقتصر النقاش على السلاح أو على انتشار الجيش اللبنانيّ، بل يتعدّاه إلى شكل النفوذ الذي سيبقى لـ”الحزب” داخل القرى الجنوبيّة ودوره في البيئة التي شكّلت تاريخيّاً إحدى أهمّ ركائز قوّته.
بين واشنطن والميدان
إذا كانت لائحة الـ2,300 تعكس ما تريده إسرائيل بشريّاً وتنظيميّاً، يكشف ما يجري على الأرض ما تريده ميدانيّاً قبل أيّ تفاوض جدّيّ.
إسرائيل لا تزال تتعامل مع الجنوب باعتباره ساحة مفتوحة لتحقيق أهداف إضافيّة قبل الانتقال إلى أيّ تسوية سياسيّة
بحسب مصادر دبلوماسيّة واكبت جولات التفاوض الأخيرة، لم يلمس الوفد اللبنانيّ جديّة إسرائيليّة حقيقيّة في الوصول إلى تفاهم سريع. بل تكوّن انطباع لدى الجانب اللبنانيّ بأنّ الوفد الإسرائيليّ يشارك في اجتماعات واشنطن تحت ضغط أميركيّ أكثر ممّا يفعل انطلاقاً من قناعة بجدوى المفاوضات أو رغبة في تقديم تنازلات.
يظهر ذلك بوضوح من خلال استمرار العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة وتوسيع نطاقها على الرغم من كلّ الحديث عن وقف إطلاق النار. فإسرائيل لا تزال تتعامل مع الجنوب باعتباره ساحة مفتوحة لتحقيق أهداف إضافيّة قبل الانتقال إلى أيّ تسوية سياسيّة.
تتحدّث مصادر دبلوماسيّة عن أنّ الخطّة الإسرائيليّة تقوم على استكمال تدمير ما تعتبره بنى تحتيّة عسكريّة ولوجستيّة لـ”الحزب” في الجنوب، وصولاً إلى منطقة جبل الريحان التي تشكّل نقطة وصل استراتيجيّة مع البقاع الغربيّ.
في هذا السياق، تبدو الأنظار متّجهة نحو تلّة عليّ الطاهر، حيث أصبحت القوّات الإسرائيليّة على مسافة قريبة من واحدة من أهمّ المناطق التي يعتبرها الإسرائيليّون جزءاً من أهدافهم العسكريّة. وتقول مصادر مطّلعة إنّ إسرائيل تتحدّث منذ فترة عن منشأة كبيرة لـ”الحزب” في المنطقة وتسعى إلى الوصول إليها قبل أيّ مسار تفاوضيّ نهائيّ.
إذا كانت لائحة الـ2,300 تعكس ما تريده إسرائيل بشريّاً وتنظيميّاً، يكشف ما يجري على الأرض ما تريده ميدانيّاً قبل أيّ تفاوض جدّيّ
تكمن خطورة هذا التطوّر في أنّ عليّ الطاهر لا تمثّل هدفاً عسكريّاً فحسب، بل تشكّل بوّابة نحو مدينة النبطيّة، بما تحمله من رمزيّة سياسيّة وإداريّة ومعنويّة للجنوب. فأيّ اقتراب إسرائيليّ من النبطيّة سيُنظر إليه باعتباره تحوّلاً نوعيّاً في مسار المواجهة يتجاوز البعد العسكريّ إلى أبعاد سياسيّة ونفسيّة أوسع.
من هنا، تبدو مفاوضات واشنطن وكأنّها تسير في اتّجاه، فيما يتحرّك الميدان في اتّجاه آخر. بينما يناقش المفاوضون ترتيبات أمنيّة وشروطاً لوقف النار، تواصل إسرائيل محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر استهداف البنية العسكريّة أو عبر إضعاف البنية التنظيميّة والاجتماعيّة لـ”الحزب”.
إقرأ أيضاً: هل ينجح برّي بتضييق المسافة مع بعبدا؟
لذلك لا يبدو الخلاف محصوراً بمصير السلاح جنوب الليطاني، بل يتّصل بمستقبل النفوذ والهويّة السياسيّة للجنوب نفسه، وبشكل المرحلة التي تريد إسرائيل الوصول إليها قبل الجلوس إلى طاولة أيّ تسوية نهائيّة.
لمتابعة الكاتب على X:
