تداعيات سياسيّة كثيرة يمكن أن تنجم عن إثبات الحكم اللبنانيّ استقلاليّة قراره عن إيران في مفاوضاته مع إسرائيل، خلافاً لربطه السابق سواء بنظام الحكم الأسديّ في سوريا أو بالنفوذ الإيرانيّ على الحكم اللبنانيّ، عبر “الحزب”. أهمّ هذه التداعيات قرار المملكة السعوديّةّ استئناف الصادرات اللبنانيّة إليها بعد سنوات على حظرها. يبقى التحدّي كيفيّة الإفادة من بعض التفهّم الأميركيّ لموقف لبنان من أجل وقف تمادي “نكبة” العدوان الإسرائيليّ.
لم يكن عن عبث تأكيد الرئيس اللبنانيّ العماد جوزف عون الأربعاء أنّه سيمضي بخيار المفاوضات “حتّى النهاية”. خاطب معارضي التفاوض بالقول: “ماذا رأيتم من المفاوضات كي تحكموا أّنها تنازل فيما لا نزال بأوّل الطريق؟… ممنوع العودة الى زمن الوصايات مهما كانت”.
قناعة عون الراسخة، وفق قول مرجع لبنانيّ لـ”أساس”، أنّ التفاوض هو السبيل الوحيد للخروج من الحرب وتداعياتها. نقل بعضهم عنه أنّه يتمسّك به حتّى لو كان “لإنقاذ سقف منزل واحد” من الدمار.
الإسرائيليّون لا يريدون التّفاوض
تحوم الشكوك حول انعقاد الجولة الخامسة من التفاوض في موعدها المبدئيّ في الثاني والعشرين من حزيران. انطباع مصدر دبلوماسيّ لبنانيّ لصيق بالمفاوضات أنّ الإسرائيليّين لا يريدون التفاوض. ما ظهر من جولة الثاني والثالث من حزيران في واشنطن أنّهم جاؤوا إليها عنوة ومرغمين من قبل الأميركيّين. ظهر ذلك “بوضوح على وجوههم” منذ جلس وفدهم بوجه وفد لبنان. قبلها كانت السفيرة ندى حمادة معوّض ترسل التقارير عن احتمال ألّا يحضروا المفاوضات. البديل بالنسبة إليهم هو ما يقومون به ميدانيّاً من قتل وتدمير وتهجير. مع ذلك حصلت جلسة المسار العسكريّ في البنتاغون في 29 أيّار، ثمّ جلسة المسار السياسيّ. طرح لبنان مطالبه المعروفة: إصدار إعلان نيّات يتضمّن عناوين وقف النار، التفاوض على الانسحاب الإسرائيليّ وانتشار الجيش لضمان سيادة الدولة وسلاحها وعودة النازحين، الإفراج عن الأسرى…إلخ.
ينفي المصدر الدبلوماسيّ ما تردّد عن لوائح تسلّمها الجانب اللبنانيّ عن 2,300 اسم من الجنوبيّين يرفض الإسرائيليّون عودتهم إلى قراهم
رفض الإسرائيليّون كلّ تلك المطالب، مقابل سعي لبنان إلى تغيير الوضع الميدانيّ لتتمكّن الحكومة من وقف ما يجري من قتل وتدمير، ولا سيما التهجير، الذي يمكن أن يمتدّ إلى الضاحية الجنوبيّة لبيروت، عبر الآتي:
– وقف النار الشامل.
– عودة الجيش إلى المناطق التي اضطرّ إلى إخلائها بعد الثاني من آذار الماضي.
– عودة النازحين حتّى لو أقاموا فوق ركام منازلهم للبدء بإعادة الإعمار بأسرع ما يمكن.
الأمر الواقع والمناطق التجريبيّة
كان الإسرائيليون جرفوا المناطق الواقعة بين الخطّ الأزرق الحدوديّ وسلسلة التلال الواقعة شمالاً من منطقة البيّاضة على الساحل إلى الشرق بحيث لا يكون حجر أو بشر فيها على عمق 10 كيلومترات، استباقاً لنشوء مقاومة للاحتلال، ولتفادي الأسلحة المضادّة للدروع من قصف إسرائيل. يشبه التمركز في التلال أبراج المراقبة. نيّتهم أن يتركوا للجيش اللبنانيّ التحرّك شمال المنطقة الصفراء. بات الكباش حول رفض الدولة اللبنانيّة التسليم بالمنطقة الصفراء كأمر واقع، بالمفهوم الإسرائيليّ للمناطق التجريبيّة.
بنت جبيل والنّبطيّة
وفق المصدر، ركّز رئيس الوفد اللبنانيّ السفير السابق سيمون كرم، إضافة إلى أولويّة وقف النار، على إقامة مناطق تجريبيّة لانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبنانيّ فيها بدءاً من مدينة بنت جبيل. فهو جنوبيّ يدرك رمزيّتها من حيث هي “مدينة علم” في جبل عامل، ومن حيث موقعها الجغرافيّ والثقافيّ والتراثيّ والاقتصاديّ… وتشكّل خرقاً للمناطق التي احتلّتها إسرائيل.
لاحقاً طلب الرئيس عون من كرم اقتراح مدينة النبطيّة لخشيته من أن يؤدّي احتلال إسرائيل قلعة الشقيف والتلال المحيطة بها، إضافة إلى بلدتَي زوطر الشرقيّة والغربيّة، إلى فتح شهيّة الاحتلال على دخول المدينة. الرئيس اللبنانيّ، الجنوبيّ بدوره، سبق أن خدم هناك وهو ضابط في الجيش، ويدرك الجغرافيا العسكريّة للمنطقة.
يرى السفير كرم أنّ الإنجاز الأهمّ الذي حقّقه البيان – الإعلان الأخير هو التفاوض بصورة مستقلّة
ينفي المصدر الدبلوماسيّ ما تردّد عن لوائح تسلّمها الجانب اللبنانيّ عن 2,300 اسم من الجنوبيّين يرفض الإسرائيليّون عودتهم إلى قراهم. “لبنان لا يتسلّم لوائح كهذه، سواء في جلسات التفاوض أو خارجها، والسفيرة ندى حمادة معوّض تتمتّع بوطنيّة وكفاءة عالية في إدارة الموقف اللبنانيّ في العاصمة الأميركيّة، والحملة عليها من البعض تجافي أداءها الأفضل بين من مثّلوا لبنان منذ عشرات السنين”.
سيمون كرم واستقلاليّة القرار
على الرغم من تشاؤم المصدر من إمكان تجاوب الجانب الإسرائيليّ في النقطتين الرئيستين الواردتين في إعلان واشنطن الأخير لمصلحة لبنان، أي وقف النار وإقامة مناطق تجريبيّة لضمان الانسحاب الإسرائيليّ، يعتبر أنّ الحكومة اللبنانيّة تستطيع صوغ موقف تفاوضيّ مستقلّ.
يرى السفير كرم أنّ الإنجاز الأهمّ الذي حقّقه البيان – الإعلان الأخير هو التفاوض بصورة مستقلّة. ويعتبر أنّ النتيجة العمليّة والملموسة التي حقّقها لبنان من الجولة الأخيرة للتفاوض هي استقلاليّته التامّة، بحيث لم يعد هناك ما سمّي “وحدة المسار والمصير” إبّان الوصاية السوريّة ثمّ الهيمنة الإيرانيّة، التي دفع لبنان ثمنها. يشير المصدر إلى وقائع عدّة مقابل الطرح الإسرائيليّ الهادف إلى ضرب بنية “الحزب” العسكريّة ودور الدولة.
الاستعانة بضمان برّي لوقف النّار
إضافة إلى تأكيد مرجع لبنانيّ لـ”أساس” أنّ الرئيس عون أعطى تعليمات للمفاوض اللبنانيّ تفيد بأنّ مسألة سلاح “الحزب” داخليّة، تسلّح السفير كرم في واشنطن بتصريح لرئيس البرلمان نبيه برّي بأنّه يضمن التزام “الحزب” وقف النار الكامل، إذا التزمته إسرائيل، ردّاً على تصلّب الوفد الإسرائيليّ. فعل ذلك بعدما اتّصل الرئيس عون برئيس البرلمان ليتأكّد من فحوى التصريح.
وفق المصدر، ركّز رئيس الوفد اللبنانيّ السفير السابق سيمون كرم، إضافة إلى أولويّة وقف النار، على إقامة مناطق تجريبيّة
قال كرم بوضوح للجانب الإسرائيليّ: “أنتم بحملتكم العسكريّة ومواقفكم تقوّون إيران على أميركا في لبنان”. فما تقوم به إسرائيل يتخطّى بأشواط حاجاتها الأمنيّة. وحين انسحب كرم من الجلسة الأخيرة لرفض إسرائيل إعلان وقف النار تدخّل وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو وتحدّث إلى بنيامين نتنياهو ليفرض نقطة وقف النار في البيان-الإعلان، لكنّه أضاف مقابله إدانة قصف إيران للدول العربيّة، وتأكيد لبنان استقلاليّة مسار التفاوض عن أيّ مسار.
إقرأ أيضاً: هستيريا إيرانيّة بعد فقدان ورقة لبنان
التّباين الأميركيّ الإسرائيليّ… والتّحالف
يوضح المصدر الأسس التي يرتكز عليها السفير كرم في إصراره على إنجاح أولويّة وقف النار، الذي سيصرّ عليه في جولة مقبلة، كالآتي:
- لا أوهام بأنّ ما تقوم به إسرائيل يتمّ تحت سقف التحالف بينها وبين أميركا.
- الرهان على أنّ استقلاليّة الموقف عن إيران تمكِّن لبنان من استغلال التباين الأميركيّ الإسرائيليّ لمصلحة مطالبه. لكنّ استضافة الخارجيّة الأميركيّة للتفاوض “لا تعني أنّها ستفاوض بالنيابة عنّا”.
- وضع لبنان من الخطورة بمكان بحيث يوجب وضع حدٍّ للتغوّل الإسرائيليّ. وإذا كان لدى المعترضين على التفاوض مسار آخر منتج فليتقدّموا به.
لمتابعة الكاتب على X:
