عزيزي السّيّد وحيدي.. الغرور مقبرة الإمبراطوريّات!

مدة القراءة 10 د

حتّى ليلة السابع من حزيران 2026، ليلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، كانت إيران منتصرة لأنّها صمدت وأفشلت أهداف الحرب. بقي النظام بما بقي من نوويّه وباليستيّه، أُعيد إنتاج ما تيسّر من القيادة، بقي الحرس وأشلاء أذرعه، تحوّلت القدرة على إغلاق هرمز من تهديد نظريّ إلى خنق فعليّ للاقتصاد العالميّ، وأصبحت واشنطن مضطرّة إلى العودة إلى طاولة التفاوض، لكن ليست الغاية مناقشة القضايا الجوهريّة للصراع، بل فكّ العقد التي أنتجتها الحرب نفسها.

 

أسهب الإعلام الغربيّ في الحديث عن هزيمة استراتيجيّة أميركيّة وعن صعود إيران كقوّة رابعة مهدّدة لأمن الخليج ومتحكّمة بالاقتصاد العالميّ. أطلقت آلة الدعاية الإيرانيّة العنان لمخيّلتها، وأخذت صورة النجاة ورفعتها إلى مرتبة الانتصار. ليس في ذلك ما يفاجئ، فوظيفة الدعاية أن تحوّل الخسارة إلى صمود، والصمود إلى نصر، والنصر إلى أسطورة. المشكلة أنّ جزءاً وازناً من صانعي القرار الجدد في طهران صدّق الأسطورة. وهنا بدأ الخلل: لم تعُد الدعاية تخاطب الشارع، بل دخلت إلى رأس القرار.

الغرور يربك الحسابات: ثلاثة أخطاء قاتلة

كانت الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل دفاعاً عمّا بقي من نفوذ إيرانيّ في تحويطة الغدير لحظة الغرور القاتل لأحمد وحيدي قائد الحرس الثوري ورأس حربة الراديكاليّين. أخطأ الرجل في تقدير الموقف. ظنّ أنّ بقاء النظام، نجاة “الحرس”، وإبقاء هرمز ورقة ضغط تسمح له بالعودة إلى معادلات ما قبل الحرب: الاحتفاظ بالأذرع، تثبيت اليد العليا، وإبلاغ الداخل والخارج أنّ إيران لن تكتفي بعد اليوم بالدفاع عن نفسها، بل ستدخل مرحلة دفاع نشط عن نفوذها في العراق، لبنان، اليمن، وغزّة أيضاً. كان يريد أن يقول إنّ الإمبراطوريّة لم تمُت، فإذا به سيكتشف تباعاً أنّه لم يحدّث معلوماته بما يكفي عن حدود قدرته بعد الحرب.

عكس بيان المجلس الوزاريّ لمجلس التعاون الخليجيّ تبدّلاً في المزاج

حتّى تلك الليلة، كان وقف إطلاق النار يقوم على معادلة لا أحد راضٍ عنها، لكن لا أحد يملك بعدُ القدرة أو الخطّة أو الغطاء السياسيّ لتغييرها بالقوّة. لم تهضم إسرائيل بقاء إيران بنوويّها وباليستيّها وأذرعها، وأيّ اتّفاق مع إيران هو اتّفاق سيّئ بالنسبة لها. لم تهضم الولايات المتّحدة عجز الحرب عن إنتاج اتّفاق استسلام واضح على الرغم من نجاح كلّ الضربات العسكريّة. ولم تهضم إيران أنّ النجاة لا تكفي لاستعادة معادلات ما قبل الحرب.

كانت الصواريخ على إسرائيل قراراً بكسر الجمود الذي نشأ بعد وقف النار، واختباراً لإمكان إعادة تشغيل الحرب لتحسين شروط التفاوض. أطلقت الصواريخ كي تقول إنّها لا تزال قادرة على الدفاع النشط عن أذرعها، فإذا بها تفتح الباب أمام الآخرين كي يختبروا هم أيضاً المحظورات التي كانت تكبّلهم. ربّما كان ضرب إسرائيل للضاحية فخّاً لذلك الغرور.

صباح الإثنين تبيّن العجز الإيرانيّ عن إيذاء إسرائيل، لكنّ كسر الحاجز النفسيّ غيّر أسئلة التفاوض من: ماذا يأتي أوّلاً، فكّ الحصار وتحرير الأموال ورفع العقوبات أم الكشف عن مصير اليورانيوم المخصّب وتفكيك النوويّ والأذرع وتحرير هرمز؟ إلى: هل يمكن التفاوض مع إيران بينما يصرّ الحرس على استخدام الحرب كلّما شعر أنّ الصفقة تهدّد نفوذه؟ هل تستطيع واشنطن وإسرائيل والخليج أن يعودوا إلى قواعد ما قبل الصواريخ، بعدما أثبت وحيدي أنّ وقف النار ليس بالنسبة إليه نهاية للحرب، بل استراحة لإعادة تشغيلها متى ما أراد؟

ترامب، المهووس بألعاب المصارعة، ما يزال يحلم بإلحاق الهزيمة بإيران بالضربة

هنا بالضبط كان خطأ وحيدي. ظنّ أنّ الصواريخ ستثبّت معادلات من موقع قوّة يظنّ أنّه يمتلكها لكنّها حرّرت خصوم إيران من جزء من تردّدهم. كسرت حاجز الخوف من استئناف الحرب، وكسرت معه جموداً سياسيّاً كان يمنع البحث في خيارات أكثر قسوة. أراد وحيدي أن يثبت أنّ إيران لم تخسر، فإذا به يعطي خصومها الحجّة التي كانوا ينتظرونها للقول إنّ المشكلة لم تعُد في شروط الاتّفاق فقط، بل في الطرف الإيرانيّ القادر على نسفه كلّما اقترب من لحظة الحقيقة.

الخطأ الثّاني… والثّالث

جاء الخطأ الثاني باستهداف مطار الكويت بمسيّرة لم تخطئها العين. لم تكن الإصابة العسكريّة هي الأهمّ. كانت الإصابة السياسيّة أعمق. لقد ضرب وحيدي في قلب الارتباك الخليجيّ إزاء مستقبل أمن الخليج، ودفعه خطوة، من حيث لا يدري، من الاكتفاء باحتواء التصعيد إلى التفكير الجدّيّ في المواجهة. عكس بيان المجلس الوزاريّ لمجلس التعاون الخليجيّ تبدّلاً في المزاج. فما لم يكن محلّ إجماع سابقاً، أي الانتقال من حالة الصدّ السلبيّة للهجمات إلى ردع إيران جماعيّاً، بدأ يجد مفرداته الأولى.

وحيدي

بعده جاء الخطأ الثالث بإسقاط مروحيّة الأباتشي الأميركيّة قرب هرمز التي شكّلت تجاوزاً للخطّ الأحمر الذي رسمه دونالد ترامب حين قال إنّ استهداف الجنود الأميركيّين يعني عودة الحرب على إيران. وهنا خرجت المناوشات المتفرّقة بين حين وآخر من حيّز الضغط التفاوضيّ على نار منضبطة إلى تحدٍّ صريح للهيبة الأميركيّة، وحوّلت ضبط النفس الأميركيّ الذي أجبر إسرائيل أيضاً على التوقّف عن التصعيد مع إيران إلى غضب يرفع حرارة التفاوض إلى حدّ يهدّد بإحراق الاتّفاق برمّته. فواشنطن تريد احتكار ساعة التصعيد وساعة التفاوض لنفسها ولن تسمح بترك هاتين الورقتين لإيران ولا لإسرائيل.

ضرب وحيدي في قلب الارتباك الخليجيّ إزاء مستقبل أمن الخليج

الغرور لا يتحمّل الشّراكة

لم تكن أخطاء وحيدي وصحبه نوبة انفعال، وليست وليدة غرور شخصيّ فقط، إنّما الأرجح أنّها كانت نتيجة ديناميّة حكمت طهران بعد وقف إطلاق النار: مرشد مغيّب، أقطاب نفوذ تتزاحم على حجز مقعد وازن في قلب النظام الجديد، و”حرس” خرج من الحرب مقتنعاً بأنّه لم ينجُ فقط، بل انتصر. نشأ انقسام واضح بين هؤلاء، فالراديكاليّون يعتقدون أنّ الصمود منحهم حقّ إخضاع الداخل والإقليم، والبراغماتيون يرون أنّ النجاة لا تعني الانتصار، بل تفتح نافذة مؤقّتة على إنقاذ ما بقي إذا التُقطت اللحظة قبل أن ينهار كلّ شيء.

يبدو أنّ الأميركيّين فهموا أخيراً هذه الديناميّة واستنتجوا أنّ التصعيد في هذه المرحلة ضرورة تخدم المسار التفاوضيّ لأنّه يحوّل الفجوة التفاوضيّة المعطِّلة لمسار إسلام آباد إلى فجوة تفاوضيّة في طهران بين جناحَي الحكم. فكلّ ضربة عسكريّة تضغط على “الحرس” فيما كلّ عرض ماليّ يغري الدولة. هل ينجحون في تحويل تضارب المصالح إلى حرب تصفيات داخليّة؟!

كان الوفد القطريّ يضع في طهران اللمسات الأخيرة على ما قيل إنّه صيغة تمنح إيران أموالاً مقدّماً عند التوقيع، مقابل رفع الحصار عن مضيق هرمز. المشكلة أنّ الأموال ستذهب عبر النظام المصرفيّ الشرعيّ لمؤسّسات الدولة فيما “الحرس” هو من يغلق المضيق ولن يستفيد منها بالشكل الذي يوفّره له اقتصاد العقوبات.

 ظنّ وحيدي أنّ الصواريخ ستثبّت معادلات من موقع قوّة يظنّ أنّه يمتلكها لكنّها حرّرت خصوم إيران من جزء من تردّدهم

تتخوّف دول كثيرة من هذا المال الذي سيُدفع لإيران لأنّه قد يمنح النظام جرعة أوكسيجين تعيد له الروح كما حدث في 2015. لكن وللمفارقة قد يرى الحرس في هذا الأوكسيجين الماليّ بداية خطر عليه، فهو لم يبنِ نفوذه فقط من الصواريخ والأذرع، بل من “اقتصاد العتمة” أيضاً. فهو يتربّع على رأس إمبراطوريّة ماليّة ضخمة عمادها شركات الواجهة، وشبكات التهريب العابرة للقارّات، والنفط المهرّب عبر أسطول الظلّ، وشبكات شبه مصرفيّة تقوم على آلاف شركات تحويل الأموال والصرافة والإقراض، علاوة على سيطرته على قطاعات حيويّة ومشاريع بنى تحتيّة تجعل منه المتضرّر الأوّل من أيّ انتظام للحياة الاقتصاديّة والماليّة الإيرانيّة.

ترامب: أنا الأكثر غروراً

ترامب، المهووس بألعاب المصارعة، ما يزال يحلم بإلحاق الهزيمة بإيران بالضربة القاضية على الرغم من كلّ لغوه عن فنّ الصفقات وقرب التوصّل إلى اتّفاق. راهن الإيرانيّون على قِصَر نَفَسه، حساسيّته لأسعار الطاقة، اقتراب كأس العالم، قلقه من الانتخابات النصفيّة، ورفض الداخل الأميركيّ لحرب جديدة.

لا يبدو ترامب مهتمّاً بكلّ ذلك، فجلّ ما يريد هو اتّفاق يستطيع أن يصفه بأنّه أفضل من اتّفاق باراك أوباما. بالنسبة إليه، الصفقة ليست مخرجاً من الحرب فقط، إنّما شهادة انتصار شخصيّة وسياسيّة.

لذلك بدا كمصارع لا ينهزم من الجولة الأولى، يناور ولا يتراجع، وبدا نَفَسه التفاوضيّ أطول ممّا توقّع الإيرانيّون، ويبدو مستعدّاً لاستخدام القوّة ما دام استخدامها يخدم صيغة الاتّفاق ولا يلغيها وسيكون ميّالاً أكثر فأكثر للذهاب نحو خيارات عسكريّة أكبر كلّما تعنّت الإيرانيّون في موقفهم وكلّما اتّسعت دائرة التأييد للموقف الأميركيّ عربيّاً وعالميّاً.

كان الوفد القطريّ يضع في طهران اللمسات الأخيرة على ما قيل إنّه صيغة تمنح إيران أموالاً مقدّماً عند التوقيع، مقابل رفع الحصار عن مضيق هرمز

عدوّ الإمبراطوريّة غرورها

أثبتت هذه الحرب أنّها كائن متقلّب كسيّدها الأميركيّ. ما اعتُبر عقماً استراتيجيّاً منعها من التحوّل إلى تحالف واسع ضدّ إيران في البداية قد لا يبقى كذلك. قرار الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة منحها شرعيّة افتقدها الموقف الأميركيّ. فقد طالب طهران بالكشف عن مصير اليورانيوم المخصّب والسماح للمفتّشين بالتحقّق منه بأغلبيّة 21 دولة من 35 على الرغم من معارضة روسيا والصين.

بيان الدول الـ23 وعلى رأسها بريطانيا وأستراليا وألمانيا أضاف طبقة سياديّة ـ أمنيّة للموقف الأميركيّ بإدانة أنشطة إيران خارج حدودها ضدّ معارضين وصحافيّين وجاليات يهوديّة على أراضي دول أخرى، ويتلاقى مع ما كشفته مراراً تحقيقات عدد من دول الخليج من نشاط إرهابيّ لخلايا للحرس الثوريّ و”الحزب” على أراضيها.

أمّا بيان مجلس التعاون الخليجيّ، بلغته عن أمن غير قابل للتجزئة، فقد تجاوز مسألة الإدانة الشكليّة للاعتداء على البحرين والكويت والأردن، متحدّثاً عن “حقّ الردّ على العدوان بكلّ الوسائل المشروعة وفقاً للمادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة”. قد تتوالى المواقف وتتشدّد أكثر وقد تتوالى الضربات ويشتدّ عزمها، لكنّ المعيار الأهمّ هو وتيرة الأخطاء الإيرانيّة.

صمدت إيران حتّى الآن، لكنّها تصرّفت كأنّها انتصرت. بقي النظام واقفاً، فظنّ أنّ الوقوف يكفي للعودة إلى ما قبل الحرب. والحرس، بدل أن يحمي النجاة، حوّلها إلى مقامرة جديدة.

لم تكن أخطاء وحيدي وصحبه نوبة انفعال، وليست وليدة غرور شخصيّ فقط، إنّما الأرجح أنّها كانت نتيجة ديناميّة حكمت طهران بعد وقف إطلاق النار

قد لا نكون أمام نهاية نظام الجمهوريّة الإسلاميّة قريباً، ولا أمام ضربة قاضية، ولا أمام انهيار سريع. لكنّنا ربّما أمام بداية شيء أخطر على النظام: تفكّكه من الداخل بفعل الضغط الناجم عن تنافر الميدان والمفاوضات على الطاقم الحاكم، وتآكل المحظورات التي حمته طويلاً بفعل سأم المزاج الدوليّ من انتظار المفاوضات. محظور تفكيك الجغرافيا، محظور تسليح الداخل، محظور الانخراط الخليجيّ والدوليّ عسكريّاً ومحظور تخيّل شرق أوسط أقلّ ارتهاناً لمضيق هرمز.

إقرأ أيضاً: قمّة بكّين: شي نصب مصيدة ” ثيوسيديدس” لترامب؟

ما إعادة إحياء خطّ سكّة الحجاز بين المملكة السعوديّة وتركيا الذي وضع لبنته السلطان العثمانيّ عبدالحميد الثاني ونسيه العالم أكثر من مئة عام إلّا خير دليل على أنّ عدوّ الإمبراطوريّة الفارسيّة الأوّل هو غرورها.

 

* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.

مواضيع ذات صلة

استقلال المفاوض اللّبنانيّ: تقدير سعوديّ وتفهّم أميركيّ؟

تداعيات سياسيّة كثيرة يمكن أن تنجم عن إثبات الحكم اللبنانيّ استقلاليّة قراره عن إيران في مفاوضاته مع إسرائيل، خلافاً لربطه السابق سواء بنظام الحكم الأسديّ…

من سايروس إلى ترامب: أسطورة التكليف الإلهي

يروي الإنجيل المقدس في القسم 45 من كتاب النبي إشعيا، كيف أنّ الله اختار الملك سايروس، ملك إيران – وكان ملحداً – للقيام بمهمة دينية…

تحوّلات إيران وظرفيّة “وحدة السّاحات”

تحوّلات غير مسبوقة وبوتيرة سريعة يشهدها الشرق الأوسط جرّاء الحروب المتتالية وكثرة أطرافها ودوافعهم المختلفة. ربّما أبرز تجلّياتها أحداث إيران، وما لذلك من تداعيات على…

ما علاقة دمشق بمسيّرات “الفايبر أوبتيك”؟

لم يخفِ الرئيس الأميركيّ حماسته لانخراط دمشق والرئيس السوريّ أحمد الشرع في الحرب ضدّ “الحزب”، وهو يعلم أنّ سوريا لن تلبّي طلبه التدخّل عسكريّاً، فيما…