رومان غوفمان: رجلُ نتنياهو في قمرةِ “الموساد”

مدة القراءة 8 د

يكفي أن تتأمّل في ملامِحِهِ الحادّة ونظراتِهِ التي تختزنُ صرامةَ شتاءِ أوروبا الشّرقيّة لتعرِفَ أنّه ينتمي إلى فصيلةٍ خاصّةٍ من الرّجال، أولئكَ الذينَ لا يَصنعونَ الضّجيجَ، بل يُصغي الضّجيجُ إليهم.

رومان غوفمان الرّجلُ الذي حَملتهُ “الهجرة اليهوديّة” مُراهقاً من مدينة “ماريز” في بلاروسيا، وسطَ ركامِ الاتّحاد السّوفياتيّ المُتداعي سنة 1990، ليجِدَ نفسهُ غريباً في تفاصيلِ الشّرق الأوسطِ، يتربّعُ اليوم على الكرسيّ الأكثر غموضاً وإثارةً للقلق في المنطقة، وربّما العالم: رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجيّة الإسرائيليّ، “الموساد”، خلفاً لديفيد برنياع.

 

دخلَ غوفمان مطلع حزيران الجاري مكتبَهُ الجديد في مقرّ الجِهازِ المُحاط بالسّرّيّة والأسلاك الشّائكة وهواجِسِ الأمن، بشكل غير اعتياديّ. إذ لم يتدرّج الرّجلُ في غرفِ “الموساد” المُظلمة. ولم يعبُر من زواريبِ عمليّاتِهِ الخارجيّة. جاءَ مظلّيّاً من فوقِ الهيكلِ بقرارٍ من بنيامين نتنياهو، وعبرَ بوّابةٍ شرّعتها المحكمةُ العُليا بعدَ أسابيعَ من الكباشِ القانونيّ – السّياسيّ، لتبدأ ولايتُه المُمتدّة لخمسِ سنواتٍ وسطَ عاصفةٍ من الأسئلةِ والجدل.

الفتَى الآتِي من الصّقيعِ

حينَ وصلَ رومان غوفمان إلى أسدود، جنوب فلسطين، وهو في الرّابعةَ عشرة من عُمره، لم يكُن يملكُ سوى لغتِهِ الرّوسيّة، وذاكرةٍ مُثقلةٍ بصقيعِ بلاروسيا.

كانَت الدّولةُ العبريّة حينَذَاك تعيشُ على وقعِ موجات الهِجرةِ الكُبرى التي أعادت صياغةَ وجه المُجتمعِ والجيش. أدركَ الفتى سريعاً أنّ بطاقةَ العبورِ إلى النّخبةِ في هذهِ البلاد تمرُّ عبرَ بزّةٍ عسكريّةٍ وتفوّقٍ ميدانِيٍّ.

المُفارقةُ الصّادمةُ هُنا أنّ هذا المُهاجر الذي وصلَ مع أفواجِ المُتأخّرينِ من دونِ أن يُتقِنَ العبريّة، أصبحَ بعد ستّ وثلاثينَ سنةً الرّجل الذي يُديرُ شبكةَ الجواسيسِ الأكثرَ تعقيداً في العالمِ. يحملُ غوفمان معهُ العقليّة الأوروبيّة الشّرقية الصّارمة، القائمةَ على الانضباطِ الحديديّ والتّشكيكِ الدّائم، إلى جهازٍ عُرفَ على مرّ التّاريخِ بمرونتِهِ الغربيّة.

هل ينجحُ “الفتى المُهاجرُ” في قيادةِ سفينةِ “الموساد” وسطَ أمواجِ الشّرقِ الأوسطِ المُتلاطمةِ أم حساباتُ السّاسة التي جاءَت به ستكون العبءَ الذي يُثقلُ كاهِلهُ؟

اختارَ سِلاحَ المُدرّعات. صقلَ غوفمان شخصيّتَهُ وسطَ هديرِ الدّبّاباتِ وغُبار التّدريباتِ. لم يكُن ضابطاً عاديّاً. كانَ يجمعُ بينَ انضباطِ المدارسِ العسكريّة السّوفياتيّة القديمةِ وقدرةِ الاستيعابِ السّريعةِ لمُتطلّبات الأمن الإسرائيليّ. تدرّجَ في المناصِب من قيادة الكتيبة 75 في اللواءِ السّابع، إلى ضابطِ عمليّاتِ الفرقة 36، وصولاً إلى قيادةِ لواءِ “عتصيون” الإقليميّ، الذي أسّستهُ عصاباتِ الـ”هاغاناه” في 1947.

لكنّ المحطّةَ الأبرَز التي شكّلت وعيهُ للتّهديدات الإقليميّةِ كانت قيادته للفرقة 2010، أو فرقة “الباشان”، المُرابضةِ على هضبةِ الجولان. هُناكَ، ومن أعالِي تلكَ الهضبة المُطلّة على تفاصيلِ الجُرحِ السّوريّ، كانَ غوفمان يُراقبُ عبر مناظيره العسكريّة تحرّكات “الحزبِ” والميليشيات الإيرانيّة، ويدرُسُ عن قُربٍ كيفَ تتداخلُ الجغرافيا مع الأمنِ وكيفَ تتقاطَع خطوط النّار بين دِمشقَ وطهران وبيروتَ.

الجنرال الخارجُ من المَوتِ

لم يكُن يوم السّابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 يوماً عاديّاً في تاريخِ إسرائيل، ولا في حياةِ رومان غوفمان. حينَ اجتاحَ “الطّوفان” غلافَ غزّة، لم ينتظر الضابط الذي كانَ يقودُ المركزَ الوطنيّ لتدريبِ المُشاة على تنفيذ الأوامرَ من القيادة العليا. استقلّ سيّارتَهُ وتوجّهَ نحوَ الجنوبِ حاملاً سلاحَهُ الشّخصيّ. وعندَ مُفترقِ “شاعر هنيغف” وفي شوارِع مستوطنة “سديروت”، خاضَ مواجهةً مباشرةً وجهاً لوجهِ مع عناصر “النّخبةِ القسّاميّة”، وأصيبِ بجروحٍ بالغةٍ في ركبتِهِ كادت تُنهي مسيرتِه العسكريّة بعدما نزَفَ حتّى شارفَ على الموتِ.

في تارِيخِ الجيشِ الإسرائيليّ، نادراً ما يتوجّهُ قائدُ مركزِ تدريبِ إلى معركةٍ من دون أوامر. لكنّ غوفمان فعلها، وكشفَ عن ميلٍ جارِفٍ للمُبادرةِ الفرديّة و”خرق البروتوكولات”. وهو تحديداً الأسلوب الذي يبحثُ عنهُ “الموساد” في العمليّات الخارجيّة، وإن كانَ يُثيرُ رُعبَ البيروقرطيّين في مبانِي الإدارةِ في تل أبيب.

غوفمان

هذا الملمس الخشن للموتِ والدّمِ منحَهُ “رِفعةً كُبرى” داخل مُجتمعٍ عسكريّ يرفعُ “الأبطالَ”، وجعلَ من الصّعبِ على خصومهِ السّياسيّينَ لاحقاً اتّهامَهُ بالجبنِ.

خلعَ غوفمان بزّتهُ الميدانيّة في ديوان رئيس الوزراءِ ليرتديَ قميصَ الدّبلوماسيّة الأمنيّة السّرّيّة

لكنّ الإصابةَ التي تركَت أثرها على مشيتِهِ فتحت لهُ باباً آخر. كانَ رئيسُ الوزراء “المُحاصَرِ” في القُدسِ، بنيامين نتنياهو، يبحثُ عن رجالِهِ الخاصّين، وتحديداً أولئكَ الذين يجمَعون بينَ شجاعةَ الميدانِ والولاءِ المُطلقِ. في أيّار 2024، رُقّيَ غوفمان إلى رتبةِ لواءٍ وعُيّنَ سكرتيراً عسكريّاً لنتنياهو.

خلعَ غوفمان بزّتهُ الميدانيّة في ديوان رئيس الوزراءِ ليرتديَ قميصَ الدّبلوماسيّة الأمنيّة السّرّيّة. تحوّل إلى كاتِمِ أسرار “بي بي”، وموفدِهِ الخاصّ في الملفّاتِ الإقليميّة الحسّاسة. تعلّمَ في “الدّيوان” كيفُ تُدارُ اللعبة السّياسيّة، وكيفَ تُنسَجُ التّحالفات في الكواليسِ، وكيفَ يُمكنُ للأمنِ أن يَخدُمَ بقاءَ السّياسيّ.

هُنا نضجَت فكرةُ الاستعانةِ بهِ للقفزِ إلى قمّةِ الهرمِ الاستخباريّ، إذ قال عنه نتنياهو عندَ ترشيحهِ للمنصب: “رومان غوفمان ليس ضابطاً شجاعاً وحسب، بل إنّه يمتلكُ رؤيةً استراتيجيّةً تتجاوز حدودَ الميدان العسكريّ. لقد أثبتَ في أحلكِ الظروف، وفي ردهاتِ ديواني، أنّه رجلُ المهامِّ الصعبة الذي يجمعُ بين صرامةِ المقاتل ودبلوماسيّةِ الظلّ”.

زلزال في “الموساد”

حينَ طرحَ نتنياهو اسمَ غوفمان لخلافة ديفيد برنياع في نهايةِ 2026، اهتزّت أركانُ المُؤسّسةِ الأمنيّة. لا يقبلُ الجهازُ، الذي يرَى في نفسهِ “طائفةً مُغلقة” و”نادياً سرّيّاً”، الدّخلاء. وجدَ نفسهُ أمام جنرالٍ آتٍ من الجيشِ، والأخطر من ذلكَ، من المقعِدِ الخلفيّ لسيّارةِ رئيس الوزراءِ.

دائماً ما كانَ “الموساد” يُفضّل أبناءَه، الرّجال الذينَ نبَتت أظافرُهم في أقسامِ “تسوميت” (تجنيد العُملاء) أو “قيساريّة” (العمليّات الخاصّة).

كانَ تعيينُ غوفمان إعلاناً من السّلطةِ السّياسيّة لكسرِ هذه “الكهنوتيّة”. ارتفعَت الأصواتُ المُحذّرة من “تسييسِ الجهازِ”، وعبّر مسؤولٌ أمنيّ سابِق في “الموساد” لصحيفةِ معاريف عن هذا القلق بالقول: “إنّنا ندخلُ مرحلةً غير مَسبوقة. لا تكمنُ خطورةُ تعيين غوفمان في كفاءتِه، فهو ضابطٌ ممتاز، بل في كونِه القائدُ الأوّل الذي يأتِي مباشرةً من المقعدِ الخلفيّ لسيّارة رئيسِ الحُكومة. “الموساد” جهازٌ أُسّس لقولِ الحقيقة العارية للسّياسِيّ، لا لتوفيرِ الذخيرةِ الأمنيّة لخياراتِه”.

صقلَ غوفمان شخصيّتَهُ وسطَ هديرِ الدّبّاباتِ وغُبار التّدريباتِ. لم يكُن ضابطاً عاديّاً

توجّه الخصومُ بالتماساتهم إلى المحكمةِ العُليا، لكنّ غوفمان وببرودِه المعهودِ انتظرَ في الظلّ حتّى قال القضاءُ كلمتَه الفصل لمصلحة تعيينه مطلع حزيران الجاري.

جدولُ أعمالٍ فوق فوهة بركان

يدخلُ رومان غوفمان إلى مكتبِهِ والشّرق الأوسط يغلِي فوقَ صفيحٍ ساخن. يُؤسّس تعيينه لعصرِ “الأمنِ السّياسيّ” المُنسجِمِ تماماً مع مُتطلّباتِ المطبخِ السّياسيّ لنتنياهو. ويشي أنّ إسرائيلَ تتوقّع سنواتٍ من “المواجهة الخشنةِ العلنيّة”. إذ إنّ اختيار جنرالٍ خاضَ حروبَ المُدرّعاتِ على حدودِ سوريا يعني أنّ المرحلةَ المُقبلة تتجاوزَ حربَ الاغتيالات الصّامتة في المقاهي.

على طاولةِ مدير “الموساد” الجديد ملفّاتٌ لا تحتملُ التأجيل:

– الملفّ الإيرانيّ: كيفَ سيُقارب الطّموح النّوويّ الإيرانيّ؟ التّخريب الصّامت؟ أو الضّربات الخشنة التي تعلّمها وسطَ الدّبّابات؟

– ترميم الرّدع: جاءَ غوفمان والجهازُ لا يزالُ يُحاول غسلَ غبارِ الإخفاقات الكبرى لـ7 أكتوبر، وهو مطالَبٌ بإعادةِ الهيبةِ لعيْن إسرائيل التي لا تنام.

– الملفّ الإقليميّ – الدّوليّ: ستكونُ عليهِ إدارة قنوات الاتّصال السّرّيّة مع عواصمِ الإقليمِ والعالمِ وسطَ التعقيداتِ، مُستفيداً من شبكةِ علاقاتهِ كسكرتيرٍ عسكريٍّ.

لغز الجنرال

من يُراقبُ مسيرة غوفمان يستنتجُ أنّه مزيجٌ خطرٌ من صرامةِ الجنرالِ السّوفيتيّ ودهاءِ السّياسيّ الإسرائيليّ. هو رجلُ التناقضات الصّارخة: يحملُ جرحَ ركبتِهِ من غِلاف غزّة، وعقلَه من شتاءِ بيلاروسيا، وولاءَهُ من “ديوان نتنياهو”.

إقرأ أيضاً: العراق على خط التّماس: معادلة “الزيدي” الصّعبة

هل ينجحُ “الفتى المُهاجرُ” في قيادةِ سفينةِ “الموساد” وسطَ أمواجِ الشّرقِ الأوسطِ المُتلاطمةِ أم حساباتُ السّاسة التي جاءَت به ستكون العبءَ الذي يُثقلُ كاهِلهُ؟

الأيّام وحدَها، والعمليّات التي لن تُعلَن، ستحملُ الجواب.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

لبنان بين معادلتين: الضّاحية مقابل الشّمال وإسرائيل مقابل الضّاحية

في لحظة إقليميّة حرجة جدّاً تتقاطع فيها الحرب مع المفاوضات، عاد لبنان ليظهر مجدّداً بوصفه إحدى أهمّ أوراق الاشتباك بين إيران وإسرائيل. أعاد التصعيد الأخير…

الشرع إلى واشنطن؟ عطر ترامب ورائحة الاتفاق مع إسرائيل

في السياسة، لا تكون الهدايا دائمًا تفصيلًا عابرًا. أحيانًا تقول زجاجة عطر ما لا تقوله البيانات الرسمية. هكذا بدت الهدية التي أرسلها الرئيس الأميركي دونالد…

التّصعيد العسكريّ يتقدّم مجدّداً

تجاوزت إسرائيل كل المحرّمات باستهداف آلية عسكرية على طريق الخردلي-كفرتبنيت يوم السبت أدّت إلى استشهاد ضابطين وعسكري، ثم شنّت أمس غارة استهدفت مبنيين في الضاحية الجنوبية،…

انفجرت بين بعبدا وطهران: أخطر مواجهة سياسية منذ الطائف

لم يعد الخلاف القائم بين الدولة اللبنانية وإيران مجرّد تباين في المواقف حول الحرب أو حول سلاح “الحزب”. ما ظهر في الأيام الأخيرة، عبر السجال…