لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

مدة القراءة 8 د

ما تزال إيران محتاجة إلى “الحزب”، وهي محتاجة أيضاً إلى أن يبقى مصدر إزعاج لإسرائيل. فهي تضغط على الولايات المتحدة عبر مضيق هرمز والملف النّووي، وتضغط على إسرائيل بواسطة “الحزب”، كما تهاجم دول الخليج من دون سبب سوى الكراهية ورغبة الاستنزاف.

 

عقد لبنان اتفاقاً مبدئياً مع إسرائيل لوقف إطلاق النار في واشنطن، لكنّ إيران و”الحزب” لم يوافقا على الاتّفاق. ولذلك تبقى إمكانات التنفيذ محدودة، وقد يدفع سوء التفاهم هذا كلاً من إسرائيل و”الحزب” إلى التصعيد، وعندها لا يُعرف ما الذي سيبقى من الاتفاق، ولا سيما أنّ إسرائيل ليست راضية أساساً عن وقف إطلاق النار الذي لم يتوقّف فعلياً على أي حال.

عندما عقد ياسر عرفات مع إسحاق رابين اتفاقية أوسلو عام 1993، كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من أكثر المعترضين عليها، وقد قال إنّ اعتراضه يعود إلى ثلاثة أسباب:

1- أنّ نضالات الشعب الفلسطينيّ كانت تستحق أكثر بكثير مما نصّت عليه الاتفاقية.

2- أنّ النصّ شديد الغموض ومليء بالثغرات، بحيث إنّ كل بند فيه يحتاج إلى اتفاقية جديدة لتفسيره وتنفيذه.

3- أنّ الدول العربية، وفي مقدمتها سوريا، ناضلت وحاربت من أجل فلسطين وخسرت أراضي، وكان ينبغي استشارتها واستشارة بقية العرب، لا الاكتفاء بالولايات المتحدة وإسرائيل.

أتذكر مواقف الأسد من أوسلو لأنّ سوريا وإيران واليمين الإسرائيلي اشتركوا، كلٌّ بطريقته، في إفشال الاتفاقية. فقد زُوِّدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي بالمتفجرات لتنفيذ هجمات داخل إسرائيل ضد أهداف عسكرية ومدنية، كما انشغل هؤلاء بتغذية المعارضات داخل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة “فتح”، إلى جانب شخصيات وتنظيمات مثل أحمد جبريل وأبو نضال وغيرهما.

أما اليمين الإسرائيلي، فقد أسهم بدوره في تقويض الاتفاق عندما أقدم أحد متطرفيه على اغتيال إسحاق رابين، شريك ياسر عرفات في الاتفاق.

عقد لبنان اتفاقاً مبدئياً مع إسرائيل لوقف إطلاق النار في واشنطن، لكنّ إيران و”الحزب” لم يوافقا على الاتّفاق

تذكرت أيضاً تلك المرحلة بعدما كتب غسان شربل، رئيس تحرير صحيفة “الشرق الأوسط”، ثلاث حلقات تناول فيها القضية الفلسطينية وما أحاط بها خلال العقود الماضية، ومن بين ما تناوله رفض عرفات الخضوع لوصاية الأسد، كما رفض التبعية لإيران، على الرغم من تأييده القوي للثورة الإيرانية ولقائه آية الله الخميني بعد أسبوع واحد من وصوله إلى إيران.

لهذا السبب أعرض الخمينيون عن عرفات وعن اتفاق أوسلو، وأنشأوا تنظيمهم الفلسطيني الخاص، أي حركة الجهاد الإسلامي، ثم بذلوا جهوداً كبيرة للتقارب مع حركة حماس باعتبارها الأكثر شعبية وتأثيراً. وقد التقى كل من عماد مغنية ووفيق صفا بممثلي الحركة في مرج الزهور بجنوب لبنان عام 1992، للمساهمة في تدريباتهم العسكرية والأمنية، عندما أبعدتهم إسرائيل إلى لبنان. ومنذ ذلك الحين أسهموا بصورة متزايدة في دعم حماس في مواجهتها لاتفاق أوسلو.

جامعة شيخ الإسلام

في تلك الفترة، زارت وفود إعلامية لبنانية منطقة الجنوب للقاء الفلسطينيين المبعدين. وقد راقبتُ عشرات الشبان من “الحزب” ومن جمعيات إسلامية وخيرية وهم يقدمون المساعدات الغذائية والملابس والخيام والأموال للمبعدين.

لفتني يومها أنهم أنشأوا “جامعة” لمتابعة تعليم الطلاب حتى لا يضيع عليهم العام الدراسي، وأطلقوا عليها اسم “جامعة شيخ الإسلام ابن تيمية”.

سأل بعض الإعلاميين إسماعيل هنية، الذي كان من بين المبعدين، إن كان يعرف انتماء هؤلاء الشبان، فأجاب: “لقد أخبرونا أنهم من حزب الله”. عندها علّق أحد الزملاء مازحاً: “إذاً لا ينبغي أن تحمل الجامعة اسم شيخ الإسلام ابن تيمية”!

بعد ذلك أصبحت العلاقة بين حماس وإيران وثيقة للغاية، وأسهم الإيرانيون في دعم انفصال الحركة بقطاع غزة عام 2007. ولا يُعرف على وجه الدقة لماذا اعتبروا أن عام 2023 هو التوقيت المناسب لإطلاق “طوفان الأقصى” ضد إسرائيل بهدف إزالتها، كما كان أنصار “الحزب” يرددون منذ عام 2006، معتبرين أن انتصار ذلك العام لم يكن سوى مرحلة أولى، وأن الانتصار النهائي يتحقق عند اكتمال ما سُمّي بـ”وحدة الساحات”.

“الحزب” يمثل بالنسبة إليهم تنظيماً استراتيجياً خاصاً، وقد أُنشئ منذ البداية لخدمة الرؤية الإيرانية الكبرى في المنطقة

واشنطن كما أوسلو

على أي حال، فإن موقف إيران وحرسها الثوري من اتفاق واشنطن بين الدولة اللبنانية وإسرائيل يشبه إلى حد بعيد موقفهم من اتفاق أوسلو، بل ربما هو أكثر تشدداً.

“الحزب” يمثل بالنسبة إليهم تنظيماً استراتيجياً خاصاً، وقد أُنشئ منذ البداية لخدمة الرؤية الإيرانية الكبرى في المنطقة. صحيح أنّ إيران، لثقتها بكفاءة “الحزب”، أوكلت إليه مهمات متعددة في سوريا والعراق واليمن، بل وحتى في بعض دول الخليج، إلا أن وظيفته الأساسية بقيت مرتبطة بالخدمات الاستراتيجية الحساسة التي يحتاج إليها الحرس الثوري الإيراني.

اليوم يدير ضباط الحرس الثوري العمليات المرتبطة بـ”الحزب” في لبنان، ويحرصون على عدم توقفها. وقد قال أحد الأكاديميين الإيرانيين عام 2015، بعد توقيع الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما، إن وجود “الحزب” كان مهماً للوصول إلى الاتفاق، لكنه ظل ضرورياً أيضاً لإدارة النفوذ الإيراني في سوريا والعراق واليمن، كما أنه بالغ الأهمية في لبنان بحكم موقعه على الحدود مع إسرائيل وعلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

تحدٍّ وجودي

تواجه إيران اليوم تحدياً وجودياً حقيقياً. صحيح أنها تمتلك أدوات وخبرات وقدرات كبيرة وتعتمد على إمكاناتها الذاتية، إلا أن “الحزب” ما يزال يمثل بالنسبة إليها ورقة مهمة في مواجهة إسرائيل وإزعاجها، بغض النظر عن الأضرار الهائلة التي لحقت بجنوب لبنان، أو عن الأذى الذي أصاب البيئة الشيعية نفسها نتيجة ارتباطها بالحزب.

لذلك حرصت إيران على أن يكون الثنائي الشيعي على اطلاع بالمجريات. وقد توجّه ممثلوهم إلى الدوحة لإجراء الاتصالات اللازمة، ووُعد بالحصول على نسخة من مسودة الاتفاق، إلا أن ذلك لم يحصل، وأُعلن الاتفاق قبل أخذ رأيه بصورة واضحة ومباشرة.

حرصت إيران على أن يكون الثنائي الشيعي على اطلاع بالمجريات. وقد توجّه ممثلوهم إلى الدوحة لإجراء الاتصالات اللازمة

يبقى السؤال: ماذا يستطيع الإيرانيون و”الحزب” أن يفعلا لتعطيل الاتفاق؟ وماذا تستطيع الدولة اللبنانية أن تفعل لإنفاذه؟ ومتى يتوقف القتل والقتال؟

يطلب الإسرائيليون ثمناً باهظاً لوقف القتال، يتمثل في إبعاد “الحزب” إلى ما وراء نهر الزهراني. وإن لم يتحقق ذلك، فإنهم يلوحون بتوسيع العمليات العسكرية وصولاً إلى أكبر مدينتين في الجنوب، أي النبطية وصور، وربما إلى صيدا.

أما الدولة اللبنانية والجيش اللبناني فيعتمدان على ما تم الاتفاق عليه، أي الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من القرى، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها. وهي خطة شاقة وطويلة الأمد، لأن عدد القرى والبلدات المحتلة أو المهددة يتجاوز الستين.

كما أن المهمة تفوق قدرات الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، حتى مع حصول دعم أميركي وفرنسي وعربي، لأن تحويل هذا الدعم إلى عامل مؤثر يحتاج بدوره إلى وقت طويل.

يُضاف إلى ذلك أن سكان القرى المهجرة يلحّون على العودة إلى منازلهم، وهم في غالبيتهم ما يزالون يتلقون توجيهات أو مساعدات من “الحزب”. ولذلك، سواء كانوا من أنصاره أم لا، فإن تعاونهم مع الخطط الجديدة ليس مضموناً، وفي الوقت نفسه لا يمكن منعهم من العودة إلى قراهم بعد انتشار الجيش فيها.

فوق كل هذه الصعوبات، يستطيع “الحزب”، من خلال عملية واحدة يومياً باتجاه الداخل الإسرائيلي، أن يعطل مسار الاتفاق، كما قد يدفع ذلك إسرائيل إلى تجاهله بالكامل والعودة إلى الحرب أو إلى حرب شاملة.

الشيعة المؤثرون يرفضون الاتفاق

أخيراً، وليس آخراً، فإن معظم الشخصيات الشيعية المؤثرة ترفض الاتفاق، ولا سيما أنه ينص على انسحاب “الحزب” ولا يتضمن انسحاباً إسرائيلياً واضحاً، انطلاقاً من اعتبار أن “الحزب” هو الذي بدأ الهجوم.

من جهة أخرى، أُعلن الاتفاق من دون العودة إلى ممثلي الرئيس نبيه بري و”الحزب”، الذين كانوا موجودين في قطر لمتابعة المفاوضات.

يطلب الإسرائيليون ثمناً باهظاً لوقف القتال، يتمثل في إبعاد “الحزب” إلى ما وراء نهر الزهراني

يحتاج لبنان إلى الوقت لتطوير قدراته العسكرية والأمنية، كما يحتاج إلى هدنة حقيقية أو إلى وقف كامل لإطلاق النار كي يتمكن الناس من التقاط أنفاسهم، وتتمكن مؤسسات الدولة من مساعدة المهجرين، واستعادة قدر من التواصل مع “الحزب” والرئيس بري.

غير أن الحملات الإعلامية المتصاعدة، والمواقف المتشنجة، والتصريحات المتبادلة، لا تتيح قدراً كافياً من الهدوء والتأمل والتفكير في العواقب.

إقرأ أيضاً: الانتصاريّة الإيرانيّة مرضٌ عقائديّ وإيهامٌ للعامّة!

في البداية والنهاية، لا يبدو أن هناك أملاً قريباً في التوصل إلى اتفاق شامل بين الأميركيين والإيرانيين. أما الإسرائيليون فقد عادوا إلى قصف الضاحية قبل أيام بعدما استُهدفت مستوطنات في شمال فلسطين، ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً: من أين يأتي الفرج لسكان الجنوب ومن خلفهم من اللبنانيين، إذا كانت النار لا تزال تأكل كل ما يقع في طريقها؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

هستيريا إيرانيّة بعد فقدان ورقة لبنان

دفعت الهستيريا الإيرانيّة بفعل فقدان ورقة لبنان “حرس الثورة” إلى قرارات هوجاء مجدّداً، من دون حساب لردّة الفعل الإسرائيليّة. جاء ذلك بعدما تسبّب الجنون الإسرائيليّ…

مطار القليعات… سلام ينهي الثّلث المعطِّل الجوّيّ

ثلاثة أثلاث تمكَّن الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام من إنهائها وإسقاطها منذ بداية العهد: 1– الثلث المعطّل داخل مجلس النوّاب. 2– الثلث المعطّل داخل الحكومة….

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

تزامن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم في 24 أيّار الفائت، في مناسبة ما اصطلح على تسميته “عيد التحرير”، مع تصاعد حدّة التدمير الإسرائيليّ لقرى…

عون يُحرّر “بعبدا” من الاحتلال الإيرانيّ

في مقابلة مع شبكة CNN، لم يدعُ رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى الدولة فحسب، بل تحدّث عن سأم الدولة من الدويلة التي يمثّلها حاليّاً “الحزب”….