ماذا يجري في غزّة؟ ماذا يجري في أوكرانيا؟ أين أصبح ملفّ الرئيس الفنزويلّيّ المعتقل في نيويورك؟ ماذا حلّ بملفّ قضيّة غرينلاند؟ لماذا طُوي ملفّ تايوان؟ أين مجلس السلام الذي شكّله الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لإعادة بناء غزّة؟ من سيدفع نفقات إعادة البناء بعدما استنزفت الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران موازنة الدولة الأميركيّة؟ هل تتحمّل موازنات الدول التي تشكَّل منها مجلس السلام هذه الأعباء؟
لم يكن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يريد إعلان الحرب على إيران. كان يعمل على الضغط الاقتصاديّ والماليّ والسياسيّ عليها. إلّا أنّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو جرّه إلى الحرب. هذه هي المرّة الثانية في التاريخ الأميركيّ التي تُستدرج فيها الولايات المتّحدة إلى حرب لم تكن تريدها أو كانت تحرص على أن تبقى بعيدة عنها.
كانت المرّة الأولى في الحرب العالميّة الثانية. كان الرئيس الأميركيّ فرنكلين روزفلت مسلّحاً برأي عامّ أميركيّ كبير لا يريد التورّط في الحرب ضدّ ألمانيا النازيّة. تولّى رئيس الحكومة البريطانيّة في ذلك الوقت ونستون تشرشل إقناعه لكن من دون نجاح. زار تشرشل البيت الأبيض مرّات عديدة وفي كلّ مرّة كان يعود إلى لندن خائباً.
في آخر زيارة له، حمل إلى البيت الأبيض مخطّطاً سرّيّاً قال إنّ الاستخبارات البريطانيّة حصلت عليه. يكشف المخطّط عن نيّة النازيّة الألمانيّة احتلال دول في أميركا الوسطى والجنوبيّة، ثمّ الالتفاف على الولايات المتّحدة. كان المخطّط مدروساً بعناية وبتفاصيل دقيقة. شعر روزفلت بخطر الطموحات النازيّة للتمدّد عبر الأطلسي ومحاصرة الولايات المتّحدة، فأصدر قرار الموافقة على دخول الحرب.
بعدما وضعت الحرب أوزارها تبيّن أنّ المخطّط كان من صنع جهاز الاستخبارات البريطانيّة، وأنّ كاتب سيناريو سينمائيّ يعمل لمصلحة هذا الجهاز هو الذي تولّى كتابة النصّ بعدما جرى تزويده بالمعلومات اللازمة. هكذا استُدرجت الولايات المتّحدة إلى حرب لم تكن تريدها.
لم يكن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يريد إعلان الحرب على إيران. كان يعمل على الضغط الاقتصاديّ والماليّ والسياسيّ عليها
استدراج ترامب
يبدو أنّ الاستدراج تكرّر الآن مع الرئيس دونالد ترامب وأنّ نتنياهو لعب دور تشرشل في استدراجه إليها. هذه المرّة لم يقُم الاستدراج على “سيناريو مزيّف”، بل قام على وقائع فضائح جزيرة جيفري إبستين الموثّقة بالصوت والصورة التي تملكها الاستخبارات الإسرائيليّة التي كان مهندس المشروع الفضائحي إبستين نفسه عميلاً لديها.
تمكّن تشرشل من تضليل الرئيس الأميركيّ الأسبق روزفلت وجرّه إلى الحرب ضدّ ألمانيا، فهل تمكّن نتنياهو من ابتزاز الرئيس ترامب وجرّه إلى الحرب ضدّ إيران؟
سيكشف التاريخ عن ذلك في وقت ما، فقصّة تشرشل – روزفلت لم تُعرف أو لم تُكشف إلّا بعد سنوات من انتهاء الحرب العالميّة الثانية.

يعرف نتنياهو تركيبة المجتمع السياسيّ الأميركيّ معرفة عميقة وشاملة. كان سفيراً لإسرائيل في واشنطن قبل أن يتبوّأ مركز رئاسة الحكومة، فأقام شبكة علاقات واسعة (بالتعاون مع منظّمة إيباك الصهيونيّة اليهوديّة) مع أجهزة أمن الدولة العميقة في الولايات المتّحدة، حتّى إنّه تطاول على عدد من الرؤساء متسلّحاً بملفّات شخصيّة عن كل واحد منهم فسهُل عليه الابتزاز السياسيّ. كان من ضحاياه الرئيس الأسبق بيل كلنتون الذي وصف نتنياهو بأنّه “ابن زانية”، ردّاً على تدخّلات نتنياهو ومبالغاته في تجاوز الحدود الدبلوماسيّة.
من خلال هذه الخلفيّة، عرف نتنياهو الطريق إلى عقل الرئيس الأميركيّ ترامب، وعرف كيف يستدرجه إلى المواقع التي تسهّل عليه ابتزازه سياسيّاً، وحتّى عسكريّاً. ليس صدفة أن ينقل الرئيس ترامب في رئاسته الأولى مقرّ السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى القدس ليعلن اعترافه بها عاصمة لإسرائيل. ليس صدفة أيضاً أن يعيّن سفيراً في إسرائيل من أقطاب الحركة الصهيونيّة المسيحيّة في الولايات المتّحدة. ثمّ لم تكن صدفة أيضاً أن يعترف بيهوديّة مرتفعات الجولان السوريّة المحتلّة، وأن يغرق إسرائيل بالأسلحة والذخيرة التي استخدمتها من دون حساب في تدمير غزّة.
يعرف نتنياهو تركيبة المجتمع السياسيّ الأميركيّ معرفة عميقة وشاملة. كان سفيراً لإسرائيل في واشنطن قبل أن يتبوّأ مركز رئاسة الحكومة
محكمة العدل الدّوليّة على اللّائحة السّوداء
عندما صدرت أحكام إدانة نتنياهو ووزير دفاعه وقائد الجيش الإسرائيليّ بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة عن محكمة العدل الدوليّة، أدرج الرئيس ترامب أسماء رئيس وأعضاء المحكمة على اللائحة السوداء للممنوعين من دخول الولايات المتّحدة. هذه أوّل مرّة في تاريخ القضاء الدوليّ تعاقب دولة كبرى محكمة العدل الدوليّة بجميع أعضائها على حكم أصدرته بحقّ متّهمين بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة.
لم تعد اليوم غزّة موضع اهتمام فيما يعيش (؟) أهلها في العراء. لم تعد أوكرانيا تحلّ في الصفحات الأولى باعتبار أنّها الخندق الأماميّ للدفاع عن الديمقراطيّة الغربيّة. لم تعد فنزويلّا حديث أحد بعدما أصبح نفطها يتدفّق على الولايات المتّحدة من دون حساب. لم تعُد غرينلاند هدفاً لسلخها عن الدانمرك وضمّها (مع كندا؟) إلى الولايات المتّحدة.
أمّا تايوان فينتظر تقرير مصيرها تحوّلات ما بعد لقاء الرئيس ترامب وشي جين بينغ تشي، ثمّ لقاء الرئيسين شي وفلاديمير بوتين في بكّين. تكفي الاشارة إلى أنّ الرئيس الأميركيّ لم يتردّد في الإيحاء المباشر بأنّ مستقبل العلاقات الأميركيّة – الصينيّة لا يمرّ بالضرورة عبر تايوان!
إقرأ أيضاً: الغلبة في الحرب: للسّلاح الذّكيّ أم للصّمود؟
تمكّنت الصين من إعادة صياغة النظام العالميّ الجديد غير المكتوب حتّى الآن. بموجب هذه الصياغة الجديدة، تكون إعادة النظر في قواعد لعبة الأمم قد خطت خطواتها التغييريّة الأولى.
